حب تونسي فلسطيني قديم

"موت ديدو" (الملكة عليسّة)، 1804 | هنري بون

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

تؤكّد أبحاث وحفريّات أنّ الفينيقيّين كنعانيّون، وأنّهم اتّجهوا إلى المناطق الشماليّة للساحل السوريّ، الّذي يمتدّ من مدينة مرسين شمالًا إلى ميناء رفح جنوبًا، حيث اعتاشوا على بيع الأحجار الكريمة - الّتي يهبهم إيّاها بحرهم - للإغريق الّذين كانوا بدورهم يصنعون منها إلهتهم "فينيكس"، العنقاء، ويُرجّح أنّ هذا سبب تسمية كنعانيّي الساحل الشماليّ بـ "الفينيقيّين".

ولعلّ أهمّ الممالك الّتي أسّسوها كما تذكر الدراسات، عكّا وصيدا وجبيل وصور، إلّا أنّ الكتاب المقدّس ينحاز إلى صور واصفًا إيّاها بمعمورة البحر الّتي أرعب سكّانها ما حولهم من ممالك، ويؤكّد خبراء اللغة أنّ اسم المدينة منقلب عن كلمة "طُر" الّتي تعني "الصوّان الصلب".

 

هكذا صارت قرطاج

"عِليّسة" أو "أليسا" أو "أليسار"، ابنة ملك صور وأخت "بغماليون"، كانت متزوّجة بخالها الكاهن الصوريّ الأعظم "عاشر باص" أو "زيكار بعل"، الّذي كان يملك ثروة طائلة، وبعد وفاة والدها الملك، استقرّ الحكم عندها وعند أخيها الّذي طمع بثروة زوجها وبالانفراد في الحكم، فدبّر قتل الكاهن الأعظم، وحاول قتل أخته "أليسار" الّتي نجت بحنكتها، مغادرةً صور إلى شمال أفريقيا بعد أن أخذت معها كنوزها وأوفياءها.

عندما حطّت سفن الأميرة الهاربة على الساحل الشماليّ لأفريقيا، توجّهت إلى الملك الأمازيغيّ حاكم البلاد – كما يروي المؤرّخ جوستين - طالبةً الأمان، فلم يتردّد الملك بمنحها ذلك، إلّا أنّها راحت تفاوضه على رقعة من الأرض لتبني عليها دولتها، لكنّ الملك رفض الأمر جملةً وتفصيلًا؛ فظلّت تراوده عن ذلك، حتّى تنازل لها عمّا تغطّيه مساحة جلد ثور فقط، فوافقت الأميرة مثيرةً بذلك دهشة مرافقيها، الّذين لم يستطيعوا أن يتخيّلوا مملكة على رقعة لا تتعدّى مساحة جلد ثور، إلّا أنّ حكمتها سوّلت لها أن تُحيل جلد الثور إلى أشرطة رقيقة، طوّقت بها هضبة تُعرف حتّى الآن بهضبة "بيرصا" الّتي تعني "جلد الثور"، وهو ما أدهش الملك، إلى درجة أنّه وافق على الأمر عن يدٍ وهو يبتسم، ولم تلبث المدينة أن تطوّرت وغدت منارة جديدة أطلقت عليها الملكة "أليسا" اسم "قرتْ حَدَشتْ"، أي "المدينة الحديثة" بالكنعانيّة، فيتطوّر الاسم في ما بعد، ويصبح حسب اللاتينيّين "قرطاج".

راح الملك بعد ذلك يتطلّع إلى الاستفادة من هذه المدينة؛ فلم يجد سبيلًا إلى ذلك سوى أن يتزوّج الملكة "أليسا"، فيفرد بذلك جناحيه على المملكتين، الأصيلة والحديثة، ولم تجد الملكة الضالّة سوى أن توافق على هذا الزواج السياسيّ، إلّا أنّ وفاءها لزوجها منعها من ذلك؛ فدفعها الأمر إلى الانتحار محافِظةً بذلك على مملكتها الصغيرة الجديدة، وعلى ذكرى زوجها الّذي قتله أخوها.

ظلّت هذه المدينة تتّسع وتتوهّج ثقافة وفنًّا ومعمارًا، يحافظ التونسيّون عليها اليوم، وقد حظيت بأهمّ مهرجان فنّيّ يُقام في تونس حتّى الآن، كأنّ حبّهم الفلسطينيّ قديم قديم، ذلك الحبّ حمل إليهم بذرة الزيتون من أرض منبتها الأصليّ، بلاد الشام.

 

تغريبة ثانية

لا شيء يشبه تغريبة الملكة "أليسا" أكثر من تغريبة الشعب الفلسطينيّ بعد نكبة 1948، وانتشارهم في البلاد المجاورة الّتي أسّسها أجدادهم وأجداد إخوتهم في لبنان وسوريا وغيرهما؛ فقد أثبتت حفريّات أنّ الفينيقيّين أبناء الكنعانيّين، بنوا مدنًا امتدّت من مرسين حتّى مضيق جبل طارق، مرورًا بسيناء، باستثناء الساحل الشماليّ لمصر، وأكّد المؤرّخ والجغرافيّ الرومانيّ سترابون أنّ ثمّة مدنًا كنعانيّة على ساحل الخليج العربيّ، مستدلًّا على ذلك بتشابه المقابر، وتشابه أسماء المدن التاريخيّة مثل: الجبيل شرق السعوديّة وجبيل جنوب لبنان، وصور على ساحل عُمان وصور اللبنانيّة، وكذلك أرواد السوريّة وأرواد البحرينيّة الّتي صار اسمها المحرّق.

بعد سقوط بيروت عام 1982، لم تجد الثورة الفلسطينيّة معقلًا لها إلّا بلاد ملكتهم "أليسا"؛ فلم يتردّدوا بالذهاب إلى أبناء الملك التونسيّ، الّذي منح أمّهم في السابق أرضًا، حاملين غصن الزيتون بيدهم، علّ أبناء الملك يتذكّرون هديّة فلسطين القديمة لهم. في المقابل، لم يتردّد التونسيّون بمنح الفلسطينيّين أرضًا، وحضنًا، وحبًّا لم يتبدّل على مرّ السنين.

وكما قتلَ الوفاء أمّنا "أليسا"، ومنحها شرف النوم الأبديّ في أرض تونس، قتلَ الوفاء إلى القضيّة كلًّا من القياديَّين الفلسطينيَّين صلاح خلف وخليل الوزير وغيرهما هناك، لتطلع نجمة شهادتيهما في سماء تونس أيضًا، ولتسقي دموع محمود درويش ابن البروة، زيتوننا الّذي ظلّ يطلع هناك حتّى الآن، وهو يقول:

كيف نشفى من حبّ تونس الّذي يجري فينا مجرى النفس؟

لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نرَ في أيّ مكان آخر

لذلك نخرج منها كما لم نخرج من أيّ مكان آخر

نقفز من حضنها إلى موطئ القدم الأوّل

في ساحة الوطن الخلفيّة

دبعدما تجلّت لنا فيها

في البشر والشجر والحجر

صور أرواحنا المحلّقة كعاملات النحل على أزهار السياج البعيد
في هذا الوداع أحبّكِ يا تونس أكثر ممّا كنّا نعرف

نرسِّبُ في صمت الوداع الحزين شفافيّة تجرح

ونُصفّي كثافة مركّزة إلى حدّ العتمة الّتي تحلّ بالعشّاق

ما أجمل الأسرار الكامنة وراء الباب الموارب، وراء بابك!

وهو المساحة المثاليّة لتعامل الشاعر الحاذق مع العناصر التبادليّة للقصيدة.

فهل نقول لك شكرًا؟

لم أسمع عاشقَين يقولان شكرًا

لم أسمع أبدًا عاشقَين يقولان شكرًا

ولكن شكرًا لك لأنّك أنت مَنْ أنت.

حافظي على نفسك يا تونس...

سنلتقي غدًا على أرض أختك: فلسطين.

هل نسينا شيئًا وراءنا؟

نعم، نسينا القلب وتركنا فيك خير ما فينا،

تركنا فيك شهداءنا الّذين نوصيك بهم خيرًا.

 

 

سلطان القيسي

 

شاعر وكاتب فلسطينيّ من قضاء يافا،  يحمل الجنسيّة الأردنيّة ويقيم في عمّان، يكتب في الصحافة العربيّة. صدرت له مجموعتان شعريّتان؛ "بائع النبيّ" عن دار موزاييك - عمّان، و'أؤجّل موتي' عن دار فضاءات - عمّان، وترجمة 'الوطن - سيرة آل أوباما' لجورج أوباما، الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ باراك أوباما، عن مؤسّسة العبيكان، الرياض.

 

 

تعليقات Facebook