العربية الخجولة في الضفة الغربية

 

بلسان أجنبيّ

يتهيّأ للماشي في شوارع المدن الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، أنّه في منطقة يتحدّث غالبيّتها بلغات غير عربيّة؛ فواجهات المحلّات ولافتاتها، سواء مقاهيَ كانت أو مطاعم أو دكاكين أو فنادق... إلخ، صارت تُكتب باللغة الإنجليزيّة أو الإيطاليّة أو الفرنسيّة أو الإسبانيّة، أو غيرها من اللغات العالميّة المختلفة. يذهب كثيرون في رأيهم إلى أنّ هذا الأمر أداة تسويق لافتة، وأنّ الزبائن يميلون إلى تجربة المحلّات بمختلف أنواعها إن كانت أسماؤها غير مكتوبة باللغة العربيّة، وكأنّها خطوة أولى لكسب ثقة الزبون أو لإغرائه على الأقلّ للدخول وتجربة المكان.

بلا إشارة مباشرة إلى بعض المقاهي والمطاعم، ومعظمها يستخدم غير العربيّة، فإنّ زوّارها في غالبيّتهم لا يعرفون تمامًا معنى أسمائها، بل يتعاملون مع الاسم على أنّه لطيف ومحبَّب بلغة أجنبيّة دون الذهاب إلى ما وراء المعنى. وفي رصد سريع، نرى أنّ العديد من هذه الأسماء لا يعبّر تمامًا عن "ثيمة" المكان؛ فربّما يكون معنى الاسم يدلّ على قدمٍ وعراقة، على ضدّ المكان المصمَّم بأسلوب حديث، أو أنّ المعنى يعود إلى مدينة معيّنة، ولا شيء يدلّ في المكان عليها.

من ناحية أخرى، عند تعريب هذه الأسماء نجد أنّ المعنى ثقيل في اللغة العربيّة حتّى يكون اسمًا لمكان ترفيهيّ، فليس من المتوقّع أن يدخل كثير من الزبائن مطعمًا على سبيل المثال باسم "الحريق"، لكن ترجمته إلى لغة أخرى تجعل منه اسمًا محبَّبًا قريبًا إلى النفس.

يتفاوت الناس عند سؤالهم عن الموضوع؛ فيقول البعض إنّ أسماء المنتجات غير العربيّة تكسب ثقة أكبر في المنتج، ويذهب آخرون إلى أنّ التمسّك بالعربيّة هو الأفضل، لكن فئة أخرى مالت إلى أنّ الاستخدام الإنجليزيّ هو الحلّ في ظلّ حركة السياحة، وأنّها اللغة العالميّة المتوسّطة بين البشر.

 

غياب المدقّق

أذكر أيّام الانتفاضة الثانية، أنّ جدران القرى والمدن الفلسطينيّة من حجر أو أسمنت كانت مليئة بالكتابات الثوريّة والشعارات الحزبيّة، وكنت ابن المدرسة أبحث دائمًا عن الأخطاء اللغويّة والإملائيّة فيها، فكثيرًا ما كانت الهمزات تتخلّى عن كراسيها وتُكتب بأشكال غير صحيحة، وأُزيلت الألف الفارقة بعد واو الجماعة، واستُبدلت بالتاء المربوطة الهاء، ورُبطت التاء المبسوطة، والكثير من الأخطاء الّتي لا تزال عالقة في الذاكرة، والمستمرّة حتّى اليوم على الجدران.

لست بصدد العفو أو التغاضي عن الأمر، لكن ما يوجع أكثر أنّ كبرى الشركات والمؤسّسات في البلد، تُخطئ بشكل لافت في لافتاتها وإعلاناتها الّتي من الممكن أن تزيد مساحتها في بعض الأحيان على خمسين مترًا مربّعًا، مثبَّتة في منتصف المدن أو جوانب الشوارع الرئيسيّة، سواء باستخدام لغة عربيّة فصيحة غير سليمة أو لغة محكيّة لا تخلو من إشكاليّات في الكتابة، فإن كانت الحالة الأولى تميل إلى فردانيّة أو شخصنة، إلّا أنّ الحالة الثانية تعبّر عن مؤسّسة، لها طاقمها الكبير المسؤول عن مثل هذه اللافتات أو اللوحات الدعائيّة أو التوعويّة.

 

لغة عبريّة أيضًا!

صارت القرى على وجه الخصوص في الضفّة الغربيّة، توصَف مكانيًّا بمفترقات أو شوارع دالّة على تجمّعات استيطانيّة، أو حواجز عسكريّة إسرائيليّة، وتحوّل الجواب إلى أنّ قريةً ما تقع على بُعد مسافة معيّنة من مستوطنة "يتسهار" أو "شافي شمرون" أو "الكونتينر" أو غيرها. وتحوّل الوصف المستند إلى الأسماء العربيّة للقرى إلى وصف مستند إلى لغة عبريّة دخيلة بفعل، بحكم اللافتات المنتشرة على الشوارع الرابطة بين المدن الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، الّتي تربط أيضًا التجمّعات الاستيطانيّة، في ظلّ تخطيط ليس عبثيًّا للاستعمار بزرع هذه الأوصاف.

أمام مثل هذه المشاهد والظواهر، صار العربيّة في الضفّة الغربيّة خجولةً في ظهورها، وبفعل أهلها أساسًا.

 

 

أحمد جابر

 

 

قاصّ وكاتب من فلسطين. حاصل على الماجستير في هندسة الطرق والمواصلات. حائز على جائزة مؤسّسة عبد المحسن القطّان للكاتب الشابّ 2017، عن مجموعته القصصيّة "السيّد أزرق في السينما".

 

 

 

 

تعليقات Facebook