حقوق إنسان استيطانيّة

القوّات الإسرائيليّة تعتقل مستوطنًا في بؤرة "عمونا"، 2017 | عبير سلطان، EPA

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

منعًا لفكّ ارتباط جديد

استنادًا إلى المبدأ التوراتيّ الّذي ينصّ على أنّ "اليهود لا يطردون يهودًا"، تيقّن مستوطنو قطاع غزّة أنّ خطّة فكّ الارتباط عن القطاع الّتي وضعها أريئيل شارون لن تحدث أبدًا، وتتضمّن إخلاء أكثر من 8800 مستوطن من مستوطنات القطاع؛ فقد أشار استطلاع الرأي العامّ الّذي أجرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" قبل شهر من الإخلاء، إلى اعتقاد 70% من المستوطنين أنّ الإخلاء لن يتمّ أبدًا.

رغم تهديدات المستوطنين بأنّهم لن يتخلّوا عن القطاع، والاستعداد للمواجهة والعنف حتّى لو وصل الأمر إلى اندلاع حرب أهليّة، رغم ذلك، بدأت عمليّة الإخلاء في شهر آب (أغسطس) عام 2005 بمنتهى اللطف واللين، رافقها عناق وبكاء من قِبَل الجيش والمستوطنين، إلى درجةٍ بدا فيها أنّ الجانبَين يجتازان معًا تجربة تراجيديّة مشتركة، رغم حدوث بعض المواجهات مع بعض المتطرّفين الّذين قيّدوا أنفسهم في أحد الكنس، وأحرقوا علم إسرائيل أمام عدسات الكاميرا، ومزّقوا ملابسهم تعبيرًا عن الحزن والحداد.

على إثر اللعبة السياسيّة الّتي قام بها شارون لإخلاء القطاع، مقابل الاستمرار ببناء جدار الفصل العنصريّ، استيقظ لدى المستوطنين الكابوس المرعب الّذي لطالما أقلقهم، وهو الإمكانيّة المستقبليّة لإخلاء مستوطنات الضفّة الغربيّة، لعدم شرعيّتها من منظور القانون الدوليّ.

وُزِّع المستوطنون على المواقع الاستيطانيّة الجديدة، وبدؤوا هناك برؤوس مُطأطِئة حياتهم الجديدة. يقول أوري بن أليعازر: "ويُخيَّل إليّ أنّ هذه المرّة الأولى الّتي شعر المستوطنون فيها بمحدوديّة قوّتهم، وبمدى قوّة الدولة الّتي وقفت مقابلهم"[1].

ما زاد من ألم المستوطنين أنّ شارون، على وجه التحديد، هو الّذي قرّر الانسحاب من غزّة، بعدما رأوا فيه السياسيّ الأكثر إخلاصًا لهم وللمشروع الاستيطانيّ، وبدأ تكرار فكرة "خيانة شارون" على لسان المستوطنين، من دون التوقّف عن التهديد؛ فقد كتب أرئيل كهانا: "ستندلع حرب وستدور بدون أسلحة، ستكون حربًا بكلّ معنى الكلمة، وستكون اللغة كتلك الّتي يعرفها شارون جيّدًا؛ لغة القوّة"[2].

على إثر اللعبة السياسيّة الّتي قام بها شارون لإخلاء القطاع، مقابل الاستمرار ببناء جدار الفصل العنصريّ، استيقظ لدى المستوطنين الكابوس المرعب الّذي لطالما أقلقهم، وهو الإمكانيّة المستقبليّة لإخلاء مستوطنات الضفّة الغربيّة، لعدم شرعيّتها من منظور القانون الدوليّ.          

اليوم، وبعد مرور 15 عامًا على انسحاب إسرائيل من القطاع، أحاول تتبّع التغيّرات الّتي حدثت في إستراتيجيّة المستوطنين، لتجاوز ما رأوه أخطاءً أفضت إلى إخلاء القطاع من المستوطنات.

 

          * التغلغل في الجيش

إنّ خطّة فكّ الارتباط، الّتي أفضت إلى إخلاء القطاع، أدّت أيضًا إلى خرق العقد اليهوديّ القوميّ، وانتهاء علاقة الحبّ بين المستوطنين ومنظومة الجيش الّتي استمرّت طوال العصر الاستيطانيّ، لتبدأ مرحلة جديدة  أراد المستوطنون فيها الوصول إلى جميع المواقع المؤثّرة، سواء من الناحية السياسيّة أو العسكريّة؛ لنشهد ارتفاعًا شديدًا في نسبة الشبّان المتديّنين الّذين ينضمّون إلى الجيش، واضعين نصب أعينهم التفوّق في المنظومة العسكريّة، وإبداء حماسة للخدمة العسكريّة، والوصول إلى الوحدات النخبويّة، والصعود السريع في سلّم الرتب. وتُشير إحصائيّة إلى أنّ عدد الضبّاط المتديّنين وصل إلى نصف عدد الضبّاط في وحدات النخبة[3].    

رحّب الجيش بالظاهرة الجديدة، وابتهج إزاء الدافعيّة العالية الّتي أبداها هؤلاء الشباب، ولم يرَ قادةٌ فيه أيّ مشكلة في أنّ منبع هذه الدافعيّة يكمن في عقيدة دينيّة؛ فانتقلت شعلة الصهيونيّة العسكريّة إلى الجمهور الدينيّ، الّتي أدّت بالضرورة إلى نموّ أصوليّة داخل الجيش الإسرائيليّ.

من جهته، رحّب الجيش بالظاهرة الجديدة، وابتهج إزاء الدافعيّة العالية الّتي أبداها هؤلاء الشباب، ولم يرَ قادةٌ فيه أيّ مشكلة في أنّ منبع هذه الدافعيّة يكمن في عقيدة دينيّة؛ فانتقلت شعلة الصهيونيّة العسكريّة إلى الجمهور الدينيّ، الّتي أدّت بالضرورة إلى نموّ أصوليّة داخل الجيش الإسرائيليّ.

 

          * حقوق الإنسان في ثوب استعماريّ

صاحَب ارتفاع تغلغل المتديّنين في الجيش تأسيس منظّمات غير حكوميّة، تُشجّع الاستيطان، وتُعنى بحقوق الإنسان في الوقت نفسه! ومنع الفلسطينيّين من السيطرة على موارد الأراضي في البلاد، مثل "منظّمة ريغافيم" و"الصندوق القوميّ لحماية الأراضي"، و"منظّمة ييشع لحقوق الإنسان".

استنسخ القائمون على هذه المنظّمات التقارير الدارجة في مجال مناصرة حقوق الإنسان وتعزيزها على المستوى العالميّ، لإنتاج خطاب محلّيّ خاصّ، يوظّف هذه اللغة الاصطلاحيّة الجديدة في توطيد أركان الاستعمار الاستيطانيّ، من خلال وصم أيّ إجراء محتمل تنفّذه الحكومة في سبيل إخلاء المستوطنات، كما لو كان حالة خرق تمسّ حقوق الإنسان، وإعادة تشكيل المستوطن وإخراجه في صورة الضحيّة[4]، من خلال قنوات مثل المحاكم ووسائل الإعلام. 

بعد عام واحد على إخلاء مستوطنات غزّة، أُصدر قرار بإخلاء بؤرة "عَمونا" الاستيطانيّة في الضفّة الغربيّة، وجرى اشتباك كبير بين 3000 مستوطن، شكّلوا سلسلة بشريّة حول البؤرة، في مواجهة 5000 جنديّ، أسفرت عن جرح المئات من المستوطنين واعتقالهم، لنشهد نقطة تحوّل للعديد من الجهات الفاعلة المشاركة في تعزيز الاستيطان، تحت دعوى محاربة الإجراءات الظالمة والتمييزيّة، الّتي تقوم بها الحكومة الإسرائيليّة ضدّ اليهود، إلى درجة وصفوا بها منظومة الحكم بأنّها معادية للساميّة، واتّهام جهاز الأمن العامّ "الشاباك" بتغيير مهمّة اختصاصه، من مواجهة المؤامرات ضدّ الدولة إلى التحقيق في جرائم العصيان المدنيّ[5].

 

          * بؤر استيطانيّة للفلسطينيّين!

في العدد 76 من مجلّة "قضايا إسرائيليّة" الصادرة عن "مدار – المركز الفلسطينيّ للدراسات الإسرائيليّة"، نُشرت ورقة بحثيّة بعنوان "حقّ الإنسان في الاستعمار"، يتحدّث الباحثان فيها عن التماس قدّمته "منظّمة ريغافيم" بشأن بؤرة استيطانيّة غير مصرّح بها في يتما - وهي قرية فلسطينيّة - لإصدار قرارات هدم ضدّ منازل فلسطينيّين، ويسمّون هذه المنازل "بؤرًا فلسطينيّة غير قانونيّة"، لنرى قلبًا للحقائق، وهو ما يُفضي إلى تحويل حضور الفلسطينيّين ووجودهم إلى نوع من الاحتلال الّذي تنتفي الصفة القانونيّة عنه، وتتحوّل حقوق الإنسان إلى سلاح للإمعان في تهجير السكّان الأصلانيّين، وتوظيف خطاب حقوق الإنسان لتعزيز الممارسات الاستيطانيّة، وتهجير الفلسطينيّين بناء على التصوّر الّذي يرى طردهم يُعَدّ عملًا من أعمال العدالة.

تتحوّل حقوق الإنسان إلى سلاح للإمعان في تهجير السكّان الأصلانيّين، وتوظيف خطاب حقوق الإنسان لتعزيز الممارسات الاستيطانيّة، وتهجير الفلسطينيّين بناء على التصوّر الّذي يرى طردهم يُعَدّ عملًا من أعمال العدالة.

أدّى استنساخ خطاب حقوق الإنسان إلى إنتاج خطاب استيطانيّ، يعتمد على أساس إثنيّ يُعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسيّة للبلاد بلا وجود للفلسطينيّين فيها، ومن ثَمّ جغرافيّة متخيَّلة، تُشكّل فيها أراضي الضفّة المحتلّة عام 1967 مع الأراضي المحتلّة عام 1948 (المعروفة بداخل الخطّ الأخضر)، مع مرتفعات الجولان، جزءًا من حيّز واحد[6].

 

هل حقوق الإنسان مُسيَّسة؟

تتحدّث دعاء علي في مقال "كيف يجب ألّا ندرس حقوق الإنسان؟"[7]، عن الردود النقديّة تجاه عالميّة خطاب حقوق الإنسان وكونيّته، وإمكانيّة توظيف هذا الخطاب أداةً سياسيّة وبانتقائيّة لخدمة الأقوى، واستخدامها أداةً إمبرياليّة محتملة. في حالتنا فشلت المقاربة الثقافيّة النسبيّة للخطاب، في إنتاج تجانس قانونيّ يقود إلى العدالة. ومحاولة فهم هذه المؤسّسات ضمن التشكيلات الاجتماعيّة المتولّدة، فسحت المجال أمام حركة الاستيطان لإنتاج سرديّة مُسيَّسة خاصّة بها، شكّلت مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات الحروب الجديدة، الّتي تخوضها إسرائيل من دون أسلحة، وبالارتكاز على الدراسات القانونيّة والمَأسسة المعاكسة لجمعيّات الدفاع عن الفلسطينيّين، وبمساعدة أفراد ينتسبون إلى السلك الأكاديميّ وعشرات المحامين، نجحت في فبركة الحقائق، وإنتاج واقع جديد يعمل باستمرار على نزع صفة الأصلانيّة عن الشعب الفلسطينيّ، وإقصائهم خارج التاريخ والجغرافيا، وتجريدهم من أيّ حقوق قانونيّة.

..........

إحالات:

[1] أوري بن إليعازر، حروب إسرائيل الجديدة – تفسير سوسيولوجيّ تاريخيّ، ترجمة سعيد عيّاش (رام الله: مدار – المركز الفلسطينيّ للدراسات الإسرائيليّة، 2018)، ص 510.

[2] المرجع نفسه، ص 496.

[3] المرجع نفسه، ص 502.

[4] نيكولا بيروغيني ونيف غوردون، "حقّ الإنسان في الاستعمار"، قضايا إسرائيليّة، عدد 76 (2020)، ص 35.

[5] المرجع نفسه، ص 34.

[6] المرجع نفسه، ص 37.

[7] دعاء علي، "كيف يجب ألّا ندرس حقوق الإنسان"، حبر، 28/05/2018، شوهد في 01/02/2020، في: https://bit.ly/2V4zwl4

 

 

إبراهيم مصري

 

 

ناشط في العديد من المبادرات الشبابيّة والثقافيّة، في مدينة نابلس تحديدًا، ويهتمّ بالشأن الثقافيّ والسياسيّ. خرّيج قسم الهندسة الكهربائيّة في جامعة النجاح الوطنيّة – نابلس.

 

 

 

تعليقات Facebook