الكوابيس حقيقيّة أيضًا

Affinity

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

الجائحة

منذ بداية عام 2020، تتوالى الأحداث غير السارّة الّتي تنذر بعام مليء بالكوارث والمآسي، عام بدأ بحرائق غابات شاسعة في أستراليا ونفوق ملايين الحيوانات، ويمضي الشهر الثالث منه، وقد أضحى البشر في هذا العالم حبساء بيوتهم، في ما أُطلق عليه "الحجر الصحّيّ".

لم نستغرق وقتًا طويلًا حتّى نفهم معنى "جائحة فايروس كوفيد 19 – الكورونا المستجدّ"، ونُسمّيها باسمها المختصر "جائحة الكورونا". لا يتعرّف المعجم كلمة "كورونا"، لا يبدو الأمر مُطَمْئِنًا؛ ومن هنا تبدأ الأحداث، ومن هنا تنتهي أيضًا.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

هلع

إنّه وباء فايروسيّ، اتّخذ أشكالًا عديدة في معظم الأرجاء، بدءًا بالصين ومرورًا بإيران وإيطاليا ثمّ أوروبّا وأمريكا وهنا وهناك. بدأ الأمر يأخذ مجرًى وقائيًّا، وتعليمات تُرسَل وتقارير عاجلة، تنذر بإطلاق صافرات الإنذار في كلّ العالم، دعوات للجلوس في المنزل وعدم الخروج مطلقًا، الجوّ مليء بفايروس جديد، قد يقضي عليك، يأتي ليختبر جسدك، ويختبرك ويختبر محيطك في ما يجب أن يفعل، يضع عند كلّ مسؤول سؤالًا ضميريًّا، يحرّك المجال من حوله لوقايته من أن يُصيب أحدهم الفايروس، حملات تعقيم، تنظيف، انقضاض على السوبرماركت، التسوّق لأسابيع.

الكلّ يراجع الحسابات، ويدقّق في البيانات، وتعمل دوائر بأكملها، تنقّب عمّا قد لا يعود أبدًا. الخسارات تتوالى فقط؛ إنّه كابوس الكورونا

ثمّ بدأت الأرقام تأخذ شكلها، والأيّام تختبئ خلف إجازة شبه مفتوحة. أمّا "منظّمة الصحّة العالميّة" فأضحت القائد الأعلى. الحكومات تعمل بأقصى جهودها؛ المستشفيات وأقسام الشرطة والدوائر الصحّيّة المختلفة. وتوقّف العمل في مصانع الصين، توقّف العمل في كلّ مكان، باستثناء الحواسيب عالم البيانات والتقارير، الّتي تعمل في هذه الجائحة بأقصى طاقاتها، وتخترق سفن العالم. هذه الكتلة البشريّة الضخمة بمكوّناتها وما تحمله، فضاء حرّ من العدم، أشبه بأسطول بحريّ عملاق يشقّ بحرًا لا نهاية معلومة له، يمشي بقوّة الريح، وبانزلاق الماكنات البشريّة، وبقرارات فرديّة وقرارات جماعيّة. الكلّ يراجع الحسابات، ويدقّق في البيانات، وتعمل دوائر بأكملها، تنقّب عمّا قد لا يعود أبدًا. الخسارات تتوالى فقط؛ إنّه كابوس الكورونا، مقدّمة انهيار هذا العالم الّذي نعيش فيه الآن، وبدء عالم جديد.

 

كابوس ثقيل

يطرأ علينا عالم جديد، لم نعتد عليه، يخترقنا جميعًا، يحوّل أقلّ حركة لدينا لمجهود فكريّ ووقائيّ، ينتابنا الحذر الشديد، ونرى الناس بعيون غير الّتي كنّا نراهم فيها، هل نحن في عالم آخر غير الّذي نعيش فيه؟ أتخيّل شخصًا فاقد الاتّصال بالجميع، ويخرج الآن ليمشي في شوارع فارغة عن بكرة أبيها. الناس مقنَّعون ويرتدون بدلات واقية، والشرطة تمسك أجهزة تفحص المارّة، إنّه الكابوس بعينه، ذلك الّذي سعت ماكينات السينما في العالم لتصويره، هل نحن في فيلم ما؟ هل هذا عالم بقمرين، كما في "رواية 1Q84" لهاروكي موراكامي؟ هل نحن في بُعد آخر؟

إنّ إطلاق العنان للخيال أن يتخيّل الأزمان وفكرة الانتقال بينها، وأن تجد نفسك في الثلاثينات مثلًا، لستَ منهم في شيء، قد يحصل حقيقةً في عالمنا الحقيقيّ، لكن في مخيّلة هؤلاء، الّذين يستطيعون الانتقال بين الأزمان بخيالاتهم، فإنّ الأمر كارثيّ، وبدأ يختلط علينا ما نحن وماذا نفعل هنا، وإن كان كابوسًا يجب أن نستيقظ منه...

أُرغِم الغياب على الاختباء في حضرة الحاضرين، نعم، نحن نحضُر بعضنا أيضًا للمرّة الأولى، مضى وقت طويل لم نحضُر بعضنا بعضًا، بدأت الماكينات البشريّة بالعودة إلى البيت والتزامه

 

مؤشّرات إيجابيّة

مع جلوس الناس في بيوتها، أُرغِم الغياب على الاختباء في حضرة الحاضرين، نعم، نحن نحضُر بعضنا أيضًا للمرّة الأولى، مضى وقت طويل لم نحضُر بعضنا بعضًا، بدأت الماكينات البشريّة بالعودة إلى البيت والتزامه، بدأ الابن يتعرّف على أبيه، والأمّ على بناتها، والزوجة على زوجها، وبدأ العالم يتآلف نحو غرض ما، هل هو ذاته؟ يعني هل هذا هو المقصود من الأمر؛ قضاء وقت مع العائلة والجيران، والتحدّث إلى الأصدقاء عن بعد؟ يبدو أمرًا لطيفًا إن كان هذا ما سنفعله! تبدو غاية نبيلة، ذات مقصد جيّد، لكن على أن يبقى الأمر كذلك، على أن يكون هذا ما سنفعله على وجه التحديد، نعود للتعرّف على بعضنا، نتحدّث أكثر، نناقش ما وصلنا إليه، ما مضى، وما قد يكون شكله مستقبلًا.

 

وسلبيّة أيضًا

لكن لا يبدو الأمر على هذا النحو فقط؛ إذ إنّ كثيرين الآن يفركون أيديهم، بعيون جاحظة وشرّيرة، تتوعّد لنا بحفلة ما بعد الكورونا، كأنّ كلّ شيء قد يعود أسوأ... وتلك المتلازمة، إن أصابت بشرًا بعد الكورونا، فقد تقضي على النصف الآخر، نعم ببساطة، قد تتحوّل الشوارع إلى كوارث، وقد حدث أن رأينا ذلك، قد نفقد جوهر الرسالة، على اعتبار أنّ المقدّس فيها أن نجتازها أكثر تماسكًا، وأكثر كفاءةً للعمل والإنتاج والتطوّر الطبيعيّ، حفاظًا على كينونة الإنسان، ومبادئه العليا، ورمزيّة الإصلاح، في مواجهة ما هو فاسد وقد نخر بنا ما نخر.

وعلى ألّا ينزلق هذا الكائن البشريّ لحرب مع ما حوله، تقضي على كلّ شيء.

 

بين الحقيقة والوهم

ما يحدث حقيقيّ، نحن لسنا في كابوس، لكن هذا ليس كافيًا لنصدّق؛ إذ إنّ الكوابيس حقيقيّة أيضًا، ما يحدث حولنا - ولمّا يُصِبْنا بعد - حقيقة، رغم أنّنا لا نرى ذلك بأعيننا، لا نعرف مدى صحّة الشائعات من المعلومات الصحيحة، تبدو البيوت جميعها مستنفرة، لست وحدي في هذا، وهذا ما يُسمّى بالكابوس، هل سيمكث الكابوس طويلًا، في ما ليس بيدي إيقاظ نفسي؟ هل أصدّق الأمر فأبدأ باتّخاذ تدابير، وأكون على أهبة الاستعداد للتحرّك في اللحظة المناسبة، مخترِقًا هذا الصمت، وخارجًا إلى سطح نومي، وإيقاظ نفسي، متذكّرًا ما حصل، وشاكرًا لأنّه رحل ونحن قد عدنا إلى العالم الحقيقيّ، وقد استيقظت عليه الآن فعلًا؟

 

تساؤلات مشروعة

هل سيُجيب البشر عن هذا السؤال؛ سؤال السلم والحرب؟ وهل سيفون بوعودهم بتحقيق ما هو صالح للبشريّة ولأنفسهم، وأن تقف الحرب في كلّ مكان، وتقف حرب التسليح، ونُنقّب عن مغاور الإنسان العالم فينا، ونحتكم إلى العدالة، ونتوقّف عن الطمع بغرض الكسب فقط؟ ونوقف الفساد والرشوة والمافيويّة والحزبيّة والعنصريّة؟ هل يمكن أن نؤمّن كلّ أساسيّات البشريّة في كلّ مكان؟ ونحقّق العدل؟ أسمى رسالة سماويّة، وأسمى فكرة إنسانيّة، ونبدأ التفكير بطريقة مختلفة عمّا عهدنا؟ هل يمكن أن يكون العدل بالفعل، هو سؤال الوباء الأوّل؟

تلك مسألة العصر الحاليّ؛ أن تجيب بذكاء، وأن تكسب المناعة، كنت وحدك أو مع قطيعك فلا بأس؛ نهتمّ بمناعتك حصرًا.

هل يمكن أن نطوّق الفايروس، ونثبت صلاحنا لهذه الأرض، وقدرتنا على اجتياز المحن؟ وأن نأتلف نحو أمر واحد؛ هو ألّا نقع في هذا مجدّدًا؟ تلك هي المناعة الّتي يفرزها الجسد للدفاع عن نفسه في وجه اجتياح الفايروس له؛ هل يمكن أن نكتسب مناعة القطيع؟ وهل نريد حقًّا أن نكون قطيعًا؟ لا يمكن جزم الجواب، ولا يمكن تخيّل الأمر أيضًا، لصعوبة السؤال وصعوبة الإجابة. تلك مسألة العصر الحاليّ؛ أن تجيب بذكاء، وأن تكسب المناعة، كنت وحدك أو مع قطيعك فلا بأس؛ نهتمّ بمناعتك حصرًا.

فآنذاك، آنذاك فقط، سنستيقظ من الحلم، الّذي كان كابوسًا ثقيلًا ومصدِّعًا، كابوسًا اسمه الجائحة.

ورحل بلا عودة.

 

 

أسعد الصفطاوي

 

 

كاتب ومخرج فنّيّ فلسطينيّ يقيم في إستنبول. درس الاقتصاد في جامعة الأزهر، والفلسفة النظريّة والتطبيقيّة في جامعة القاهرة. انخرط في العمل الصحافيّ والسياسيّ في غزّة والقاهرة. أخرج فيلمًا قصيرًا، وشارك في عدد من الأعمال والمشاريع الفنّيّة. يعمل استشاريّ صناعة محتوًى رقميّ

 

 

تعليقات Facebook