حياة "أونلاين"، كورونا وأسئلة العمل من المنزل

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

استطاع فايروس كورونا أن يغيّر بوصلة الموظّفين، وروتين حياتهم اليوميّ؛ من أزمة مواصلات خانقة، وعناء التفكير في العلاقات المكتبيّة الرتيبة، وقلق "الخَصْمِيّات" في حال التأخير، إلى نمط حياة جديد يراه كثيرون منهم أسهل وألطف، ولا سيّما أنّ غالبيّة المؤسّسات في بلدان عاث فيها الوباء فتكًا أغلقت أبوابها، وأرسلت موظّفيها إلى منازلهم للعمل عن بُعد؛ وهي فكرة بدأت في الصين منذ الأسابيع الأولى لانتشار الفايروس.

 

تجربة لا بدّ منها

 وإن كان للمكتب الخاصّ هيبته ومكانته، إلّا أنّ لضرورات الإجراءات الاحترازيّة وإجراءات السلامة المهنيّة أحكامها، في ظلّ توصيات حكوميّة في العديد من الدول بأن يبقى الموظّفون قادرين على تنفيذ مهامّهم، لكن في منازلهم درءًا للمخاطر.

وضعت أزمة كورونا الموظّفين أمام خيارات، منها العمل في المنزل، ومنها تقليص أيّام الحضور إلى الشركة ضمن مناوبات، ومنها - وهو الأخطر - الفصل من العمل بحجّة تقليص الإنفاق.

كان لا بدّ من هذه التجربة، وإن كانت بغيضة للاجتماعيّين الّذين لم يعتادوا قضاء كامل اليوم في المنزل، ومحبَّبة لآخرين يجدون صعوبة في التواصل مع زملائهم أو شركائهم في المكاتب؛ وهو ما يتسبّب بخلط أوراق فكرة العمل عن بُعد، وضياعها بين مؤيّد ومعارض.

لقد وضعت أزمة كورونا الموظّفين أمام خيارات، منها العمل في المنزل، ومنها تقليص أيّام الحضور إلى الشركة ضمن مناوبات، ومنها - وهو الأخطر - الفصل من العمل بحجّة تقليص الإنفاق.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

ازدحام على التقنيّات والتطبيقات

لم يعتد الموظّفون - ما عدا أصحاب العمل الحرّ (فريلانسرز) - العمل في المنزل، والأمر في حال طبيعته في دول العالم العربيّ أقلّ شيوعًا بكثير، مثلًا، عمّا هو الحال في أوروبّا، ودول آسيا مثل الصين واليابان والكوريّتَين. فعليًّا، نقلت هذه العمليّة الضغط من الطلب على المواصلات والازدحام المروريّ، إلى الازدحام على تطبيقات التواصل الوظيفيّ عبر تقنيّات الفيديو والبثّ المباشر، خاصّة أنّ العمل ضمن المجال الإلكترونيّ لم يكن ليخطر ببال أحد من المشغّلين، ما عدا الجامعات الافتراضيّة ذات التعليم عن بُعد، لولا أنّ كورونا أصبحت خطرًا محدقًا بجسم الشركة.

لقد ازداد الطلب في الآونة الأخيرة على تطبيقات خاصّة بالبثّ التفاعليّ مثل "ويتشات - WeChat"، و"دينغ توك - DingTalk"، اللذين تمتلكهما شركات من الأضخم عالميًّا على مستوى العمل الإلكترونيّ، و"تينسينت - Tencent"، و"علي بابا - Alibaba"، وتطبيق "زوم - Zoom" الأمريكيّ الّذي برز على أنّه الأكثر استخدامًا عربيًّا. وبطبيعة حال هذه التجربة، ومع تفاوت الإمكانيّات بين دولة وأخرى، وتباين المهارات الإلكترونيّة الفرديّة بين موظّف وآخر، كانت ردود الأفعال متفاوتة إلى درجة كبيرة، على المستوى الفرديّ أو المستوى الجماعيّ.

 

عبء أكبر

يرى بعض الموظّفين أنّ تجربة العمل من المنزل ليست مريحة كما يمكن تخيّلها؛ إذ إنّها تفتح باب الخلاف الوظيفيّ على مصراعَيه، إذا كان المسؤول لا يثق بموظّفيه وإنجازهم خارج أبواب الشركة، فيساور المدير شكّ في أنّ الموظّف متقاعس، أو لا يؤدّي مهامّه كما اعتاد أن يؤدّيها في مكتبه. ولهذا؛ فإنّ الموظّف مُطالَب بأن يعمل على مرأى الكاميرا، من أجل خلق جوّ من الرضا بينه والمشرف. ويركّز المديرون هنا على مسألة "الحضور"، أي الوجود الجسمانيّ والنفسيّ للموظّف كما لو أنّه في دوامه المعتاد؛ فيشعر الموظّف آنذاك بتقييد أكبر وبعبء أكثر من ذي قبل، ولا سيّما أنّ الأدوات المستخدمة، من حواسيب وأجهزة اتّصال وتطبيقات، قد لا تعمل في المنزل بنفس كفاءتها في الشركات؛ لأنّ البيئة والمسافات المترامية بين منازل الموظّفين تحكم التواصل.

ويركّز المديرون هنا على مسألة "الحضور"، أي الوجود الجسمانيّ والنفسيّ للموظّف كما لو أنّه في دوامه المعتاد؛ فيشعر الموظّف آنذاك بتقييد أكبر وبعبء أكثر من ذي قبل، ولا سيّما أنّ الأدوات المستخدمة، من حواسيب وأجهزة اتّصال وتطبيقات، قد لا تعمل في المنزل بنفس كفاءتها في الشركات

وذات الأمر بالنسبة إلى الإدارات؛ إذ إنّ مهمّة الإدارة أصبحت أصعب في ظلّ انعدام التواصل الفعّال والمباشر، ولربّما استغلال بعض الموظّفين هذه الفرصة في التقاعس عن أداء مهمّاتهم، أو الاستجابة المتأخّرة لبعض الأوامر، يعيق عمليّة الإدارة، ويتسبّب بالحرج بين مشرف وآخر أعلى. ويتعيّن في هذه الحال على المديرين اتّخاذ إجراءات مثل تسجيل الدخول لدى غير نقطة اتّصال إلكترونيّة واحدة، أو تسجيل الدخول عبر روابط مكالمات جماعيّة، تضمن أنّ الجميع متّصل بالنقطة المطلوبة، ويقوم بعمله في أثناء الساعات الرسميّة؛ وهو ما يتيح الفرصة أمام المشرفين للتحقّق ومراقبة عمل الموظّفين.

 

مهارات ضروريّة في الزمن الإلكترونيّ

يرى فريق آخر أنّ العمل من المنزل أتاح المجال أمام تعليم مهارات جديدة، ولا سيّما أنّ العالم يعيش طفرة إلكترونيّة وتقنيّة، وأنّ المسألة تحتاج إلى بذل جهد لتعلّم مهارات تواصليّة جديدة. ومن منطلق أنّ بيئة العمل المكتبيّ داخل المؤسّسة تُشعر ببعض التقدّم في إنجاز المهامّ؛ فإنّ تركيز هذه الفئة في مدّة العمل المنزليّ يكون على الاستفادة من التقنيّة المتاحة أمامهم، لتطوير إمكانيّاتهم ومؤهّلاتهم لإنجاز أيّ عمل من المنزل. ومن الملاحظ أنّ هؤلاء يُنجزون أعمالهم من المنزل بشكل أسرع منه من المؤسّسة، في مناخ من الحضور الأسريّ افتقدوه في ما مضى.

يمكن القول في هذا السياق إنّ الحدود المكانيّة الفاصلة بين العمل والمنزل قد أُلغيت، وأُزيلت حدود العامّ والخاصّ، وانتقل الموظّفون من بيئة عقلانيّة ومنظّمة إلى بيئة ملؤها العاطفة الأسريّة، أكثر منها العقلانيّة المهنيّة؛ وهو ما يُسهم في منح مرونة أكثر في التعامل مع الأولاد أو مع أفراد الأسرة، من حيث خلق هامش تواصليّ في أثناء العمل.

انتقل الموظّفون من بيئة عقلانيّة ومنظّمة إلى بيئة ملؤها العاطفة الأسريّة، أكثر منها العقلانيّة المهنيّة؛ وهو ما يُسهم في منح مرونة أكثر في التعامل مع الأولاد أو مع أفراد الأسرة

من الواجب في حالة كهذه، أن يترك المديرون هامشًا زمنيًّا، يضفي نوعًا من المرونة في التعامل بين الموظّفين إلكترونيًّا، خاصّة أنّهم لا يحتكمون إلى نفس الظروف الزمانيّة والمكانيّة والتقنيّة، وعلى تفاوت في الاستجابة لأوامر المشرفين وتعليماتهم.

ربّما كان الاعتماد على تقييم التقارير الواردة من المشرفين معيارًا مهمًّا لتقييم أداء الموظّفين، لكن يبقى ضمير الموظّف، وأخذه أعباء الوظيفة والعمل من المنزل على عاتقه، يبقى هو الفصل في حالة الاستثناء هذه.

 

 

مهيب الرفاعي

 

 

كاتب وصحافيّ وباحث سوريّ في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، حائز على ماجستير "الترجمة التحريريّة" من "جامعة دمشق". عمل مترجمًا في "مجلّة جامعة دمشق"، ومدرّسًا للغة الإنجليزيّة لغير المتخصّصين في كلّيّات "جامعة دمشق"، وتنصبّ اهتماماته البحثيّة في قضايا الإعلام، والسياسة، والصحافة العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook