ثقافة أونلاين... مبادرات فلسطينيّة في ظلّ الجائحة

المشاركون في التقرير: عامر حليحل، خالد عليّان، ربيع عيد، سلطان ياسين

 

تتناول فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة في هذا التقرير، مجموعةً من المبادرات الثقافيّة والإبداعيّة الإلكترونيّة في زمن الحجْر الصحّي بسسب جائحة كورونا (Covid-19)، من تنظيم مؤسّسات وأفراد فلسطينيّين، يمكن متابعتها عبر وسائل تواصل اجتماعيّ مختلفة، وكان أن تحدّثنا مع صنّاعها؛ الفنّان والكاتب المسرحيّ عامر حليحل (حيفا)، والصحافيّ ربيع عيد، منسّق عمل إعلاميّ ومشاريع في جمعيّة الثقافة العربيّة (حيفا)، إضافة إلى خالد عليّان، مدير مهرجان رام الله للرقص المعاصر (رام الله)، وسلطان ياسين، عضو مجلس أمناء مركز "مسارات" (قطاع غزّة).

 

"موعد القصّة مع نورة وعامر"

البداية كانت مع الفنّان والكاتب المسرحيّ عامر حليحل، الّذي أطلق مبادرته بمشاركة ابنته الصغيرة نورة تحت عنوان "موعد القصّة مع نورة وعامر"، الموجّهة أساسًا إلى الأطفال، الشريحة الأكثر احتياجًا للدعم النفسيّ؛ جرّاء التغييرات الّتي طرأت على حياتهم بعد طول يوميّات الحجر المنزليّ. وقد سألناه: كيف وُلدت الفكرة؟ وما الدوافع الذاتيّة من إطلاقها؟

عامر حليحل

حول تساؤلاتنا أعلاه، أجابنا عامر أنّه "في الوقت الّذي يصعب فيه على البالغين استيعاب كلّ ما يتعلّق بجائحة كورونا، يكون الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأطفال الّذين لا يدركون سبب عدم قدرتهم على لقاء أصدقائهم، أو اللعب خارج المنزل".

وأردف عامر: "في العادة أنا كنت أُبعد نورة عن مواقع التواصل، وعن عيون العالم المتخيّل، على اعتبار عدم خدش طفولتها بعالم لا حدود له ولا قوانين، ولا يوفّر الحماية للمنكشفين عليه. لكن مع اجتياح الجائحة لنا وحجرنا في البيوت، توقّفت الحياة الاجتماعيّة الطبيعيّة من حياتنا، وأصبح العالم المتاح هو عالم التواصل الافتراضيّ عبر الشاشات، ولم يَعُد من مفرّ أمامي إلّا أن أسمح لنورة أن تتلقّى هذا العالم أيضًا، وشعرت أيضًا بأنّه حان الوقت لتقوية أدواتها في استعمال هذا العالم، بما أنّها شارفت على استعماله في المدرسة أيضًا، وفي حياتها... ومن باب الحرص على أن تكون خطواتها الأولى هناك بشكل صحيح، صمّمت على أن يكون دخولها فيه إفادة وليس فقط للمتعة والتلقّي؛ لذا اقترحت عليها أن نقرأ قصّة، إذ نتمتّع عادةً في قراءتها في البيت ونشارك فيها الناس، لعلّ المشاركة تأتي بالمتعة والفائدة، تربويًّا وتعليميًّا ولغويًّا وخيالًا... واكتشفنا بعد تجربتين أنّ القصّة تعطينا إمكانيّة للانشغال خلال فترة الحجْر؛ نقرأ وننتقي ونحضّر ونعلن ونقدّم، كانت فائدة عظيمة لتمرير أيّامنا في الحجْر".

 

 

يتابع عامر حديثه معنا وهو في الحجْر المنزليّ، قائلًا: "الجميل أنّ التفاعل مع القصّة كان رائعًا جدًّا، وأصبح ثمّة مجموعة متابعة نجتمع معًا على موعد القصّة؛ وهذا أدخل الفرح إلى قلوبنا. ثمّ إنّ دكتور ريم خميس دكور والسيّدة إيمان سلام من ’جامعة إديلفي‘ في نيويورك، حضّرتا فعاليّة تربويّة تعليميّة ممتعة ترافق كلّ قصّة؛ وهو ما زاد من معنى القصّة ومن معنى الظهور".

 

 

"يوميّات الحجْر المنزليّ" و"ورشات أونلاين"

مع إلغاء الفعاليّات الثقافيّة والفنّيّة، أو تأجيلها بسبب الجائحة، عملت المؤسّسات والجمعيّات الثقافيّة الفلسطينيّة على متابعة مشاريعها وإطلاق مبادرات جديدة، بعدما أجبرت قيود الحجْر جميع الفاعلين في حقل الثقافة على الابتكار والتجديد.

ربيع عيد

الصحافيّ ربيع عيد، منسّق عمل إعلاميّ ومشاريع في جمعيّة الثقافة العربيّة، قال لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة إنّه "بعدما فرضت الجائحة العالميّة الحاليّة نمطًا جديدًا للعمل بالنسبة إلى المؤسّسات الثقافيّة، ولا سيّما بعد إلغاء كلّ الفعاليّات الجماهيريّة؛ جمّدت جمعيّة الثقافة العربيّة خلال شهرَي آذار (مارس) ونيسان (أبريل) العديد من الفعاليّات، مثل استضافة ’احتفاليّة فلسطين للأدب 2020‘، والمشاركة في مخيّم ’نوار نيسان‘ بالاشتراك مع بلديّة رام الله، وورشة ’التفكير النقديّ‘ مع ’معهد الممارسات الفلسفيّة‘ في باريس، والموسم الثاني من ‘سينما الانشراح‘، والمخيّم الإبداعيّ للأطفال، والبرنامج التثقيفيّ لطلّاب ’منحة روضة بشارة عطاالله‘، وندوات ’حديث الأربعاء‘؛ وغيرها".

وأمام التحدّيات الجديدة، بيّن عيد أنّ "الجمعيّة حوّلت عملها إلى العالم الرقميّ؛ فهو الفضاء الوحيد تقريبًا المتاح للتواصل الجماهيريّ في هذه الأيّام، بعد إغلاق الحدود والبيوت. بدأنا بنشر اقتراحات لفعاليّات ثقافيّة يمكن ممارستها من المنزل، من خلال صفحتنا في فيسبوك، وطوّرنا هذا النشر وأسميناه ’الراصد الثقافيّ‘؛ ففي ظلّ زحمة الموادّ المنشورة، من أفلام وعروض فنّيّة وندوات، واقتراحات كتب ومقالات وموسيقًى وورشات تعليم؛ ارتأينا ضرورة تنظيم عمليّة النشر من خلال الرصد والتجميع وفرز المقترحات حسب المواضيع، ونشرها ضمن منشور خاصّ يوميّ، لتكون مرجعًا سهلًا يمكن العودة إليه دومًا".

وعن المبادرات الأخرى الّتي أطلقتها جمعيّة الثقافة العربيّة، أوضح محدّثنا: "أطلقنا مسابقة القصّة المصوّرة في الإنستغرام، وهي الدورة الأولى من المسابقة الّتي اتّخذت اسم ’يوميّات الحجر المنزليّ‘. الفكرة تكمن في التفاعل مع يوميّاتنا خلال الحجْر، من خلال بناء قصّة مصوّرة من 3 - 5 صور، وخلق تواصل عبر حسابنا في الإنستغرام بين قصص الناس ويوميّاتهم، إضافة إلى التشجيع على التعامل مع صورنا بصفتها قصصًا مرويّة. ثمّة تحدّيات في هذه المسابقة الأولى من نوعها فلسطينيًّا - على ما أعتقد - الّتي تنظَّم في الإنستغرام؛ إذ كان لدينا في البداية تساؤلات حول جمهور المشاركين في المسابقة، وقرّرنا في النهاية أنّه يجب أن يكون متاحًا لأكبر عدد ممكن من الناس في مثل هذه الظروف، وليس فقط للمصوّرين المحترفين. تلقّينا منذ الأيّام الأولى العشرات من القصص المصوّرة، من كلّ فلسطين والعالم العربيّ أيضًا؛ ونحن سعيدون بهذا التفاعل. ثمّة طبعًا تفاوت بالقصص المصوّرة الواردة، لكنّ الأهمّ البدء بتشجيع الناس على التفكير بشكل مختلف، مع صورهم المنشورة وكيفيّة تحويلها إلى قصّة".

 

من مبادرات جمعيّة الثقافة العربيّة

 

تابع عيد حديثه عن نشاطات الجمعيّة في المرحلة المقبلة، كاشفًا أنّها بدأت بإطلاق مشروع جديد تحت عنوان "ورشات أونلاين"؛ إذ "بدأنا بإطلاق مجموعة من الورشات الثقافيّة مع عدد من الكتّاب والمبدعين والفنّانين، من خلال تقنيّة ’زووم‘، حيث يستطيع المشارك حضور الورشة من منزله؛ فنحن نرى أنّ التحدّيات الثقافيّة ما زالت ماثلة أمام المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في أراضي 48، وخاصّة في مثل هذه الظروف الّتي نواجه فيها حجْرًا منزليًّا، ما يوجِب أن تكون الثقافة وممارساتها واحدة من السبل الأساسيّة لمواجهة تحدّيات المكوث في المنازل لفترة طويلة؛ وبالطبع فإنّ الثقافة مفهوم واسع جدًّا، ونرى في ما تقدّمه جمعيّة الثقافة العربيّة تميّزًا في ظلّ ثقافة استهلاكيّة مُعَوْلَمَة أو إسرائيليّة، تصل الناس هذه الأيّام، ودورنا يكمن في تقديم محتوًى خاصّ بهويّتنا".

 

"مهرجان رام الله للرقص المعاصر" رغم الجائحة

في الثاني من الشهر الحاليّ، أُطلقت فعاليّات "مهرجان رام الله للرقص المعاصر" في نسخته الخامسة عشرة، الّذي تنظّمه سَرِيّة رام الله الأولى، على أن تجري الفعاليّات الفنّيّة تبعًا للإجراءات المتّبعة في المدن الفلسطينيّة للحدّ من تفشّي الجائحة.

خالد عليّان

تواصلنا مع مدير المهرجان خالد عليّان، الّذي خصّنا بالقول: "من منّا كان يفكّر في أنّ العالم سيتغيّر بهذا الشكل؟ شاهدنا أفلام الخيال العلميّ، وأفلام حول الكوارث، لكن لم نفكّر في أنّ العالم الّذي نعيش فيه سيتغيّر! تحدّثنا عن أهمّيّة التواصل والتضامن بين الشعوب، لكن في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ، وعلى الرغم من أنّ العالم أصبح قرية صغيرة، إلّا أنّ العلاقات بين البشر أصبحت أكثر بشاعة. إلى أن جاءت جائحة كورونا؛ فأصبحنا متضامنين أكثر مع بعضنا بعضًا، نخاف على صحّتنا بلا تفرقة وبلا حدود، نراقب الحالات في كلّ دول العالم".

يواصل عليّان حديثه: "مع انتشار فايروس كورونا، ومع سياسة الحجْر الصحّيّ والتزام الناس بيوتهم، ومع إغلاق المدارس والجامعات والمؤسّسات، وتوقّف عجلة الحياة بشكلها الطبيعيّ، ولأنّ البشر بطبيعتهم محبّون للحياة؛ بدأت مبادرات مختلفة تظهر لتعزيز صمود الناس وتعزيز تواصلهم واستمرار حياتهم، من ضمنها مبادرات لأنشطة وتظاهرات ثقافيّة وفنّيّة، مثل ‘مهرجان رام الله للرقص المعاصر‘، ونشر الأعمال الفنّيّة من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ، وتنظيم تدريبات، وغيرها من الأنشطة. هذه المبادرات تُعتبر مهمّة لاستمراريّة الحياة، ولنشر الأعمال الفنّيّة بشكل أوسع".

ويضيف عليّان: "يبقى السؤال: هل تُشكّل هذه المبادرات وهذه العروض، عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، بديلًا عن العروض الحيّة؟ بالنسبة إليّ، بالتأكيد لا تُشكّل بديلًا؛ فالفنون الأدائيّة بحاجة إلى علاقة مباشرة بالجمهور. لكن من المهمّ التفكير مستقبلًا في ضرورة العمل على استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعيّ لنشر الأعمال الفنّيّة، وذلك يحتاج إلى تقنيّات ووسائل، وألّا يكون مجرّد ردّة فعل وفزعة".

 

إعلان "مهرجان رام الله للرقص المعاصر" 2020

 

مبادرات شبابيّة لمواجهة الأزمة

من المبادرات الثقافيّة المؤسّساتيّة في الضفّة الغربيّة، فتح "مسارات - المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة"، البابَ أمام استقبال المبادرات الشبابيّة، ذات الصلة بمواجهة الجائحة.

السيّد سلطان ياسين، عضو مجلس أمناء "مسارات"، أفادنا بأنّ "تعزيز مشاركة الشباب في إطارها الوطنيّ، حجر أساس في الرؤية والرسالة للتغيير الّتي يتبنّاها مركز ’مسارات‘، وبرزت أهمّيّة تعزيز هذه المشاركة تبعًا للمخاطر والتحدّيات الّتي تواجه القضيّة الوطنيّة، والّتي فرضتها ‘صفقة القرن‘، وأخيرًا إعلان الضمّ في ظلّ غياب إستراتيجيّة سياسيّة نضاليّة موحّدة للمواجهة. ترافقت هذه التحدّيات والمخاطر وتصاعدها في ظلّ جائحة كورونا والإجراءات الوطنيّة الّتي اتُّبِعَتْ لمنع التحرّك والاحتكاك الاجتماعيّ؛ وهو ما دفع إدارة المركز إلى المبادرة بتبنّي تنفيذ العديد من المبادرات، الّتي تقدّم استجابة للتحدّيات الوطنيّة من جانب، واستجابة خاصّة بمواجهة الجائحة من جانب آخر، من خلال توظيف أدوات التواصل الحواريّة الافتراضيّة".

سلطان ياسين

وأضاف ياسين: "منذ بدء الإجراءات الوطنيّة لمواجهة كورونا، عقد المركز مجموعة من الأنشطة الحواريّة عبر البيئة الحواريّة الافتراضيّة ’زووم‘. استهدفت هذه الأنشطة القطاعات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والصحّيّة، وكان للشباب مشاركة بارزة في هذه الأنشطة الحواريّة؛ إذ بلغ عدد المشاركين والمشاركات في هذه الأنشطة المئات، وبلغ عدد المشاهدات لبثّ الأنشطة عبر منصّات التفاعل الاجتماعيّ ما يزيد عن 100 ألف مشاهدة".

عن طبيعة الأنشطة الحواريّة عبر "زووم"، بيّن ياسين أنّها "تنوّعت لتشمل العديد من العناوين، أبرزها: مؤشّرات الصمود السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والتكنولوجيّة والبيئيّة، ثمّ التداعيات السياسيّة والاقتصاديّة والصحّيّة والاجتماعيّة للجائحة، والإجابة عن السؤال القديم الجديد ’ما العمل؟‘، إضافة إلى عقد ورشة حواريّة حول تجربة الصين في مواجهة الجائحة، تحدّث فيها السفير الصينيّ في أراضي السلطة الفلسطينيّة".

لفت ياسين في سياق حديثه معنا أنّ "البرنامج التدريبيّ الّذي يستهدف تعزيز المشاركة المدنيّة والديمقراطيّة للشباب الفلسطينيّ، المُلتحق به 30 شابًّا فلسطينيًّا من المدن والتجمّعات المختلفة، لم يتوقّف تنفيذه أثناء الجائحة؛ فمنذ بدئها نُفِّذ ما يزيد على 13 لقاءً تدريبيًّا عبر بيئة التدريب الافتراضيّة المتزامنة، تناولت المواضيع الآتية: منظومات السيطرة الصهيونيّة وسبل مواجهتها، وخطط الدعم والمناصرة وبناء المبادرات، وأُسس التواصل الإستراتيجيّ".

 

من الأنشطة الحواريّة لـ "مسارات" عبر ZOOM

 

وأشار المتحدّث إلى أنّ "المركز أطلق أخيرًا إعلان تمويل مبادرات شبابيّة؛ تهدف إلى تطوير دور الشباب في تعزيز الصمود الفلسطينيّ في ظلّ الجائحة، من خلال فتح الباب لاستقبال مبادرات شبابيّة، ذات صلة حصرًا بمواجهة الأزمة على مستوى السياسات، وتعزيز الصمود، وامتصاص الصدمة، للقطاعات والفئات المختلفة".

 

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).

 

 

تعليقات Facebook