القراءة في زمن الكورونا: فرصة لتطوير ممارسة ثقافيّة

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

تتّجه الأنظار وبحقٍّ نحو ظواهر اجتماعيّة تقضّ المضاجع، رافقت وترافق أزمة الكورونا، وتأزّمت وتتأزّم بالتزامن معها، جرّاء الحجْر الصحّيّ الّذي تفرضه الجائحة. إنّ العنف المجتمعيّ عامّة، والعنف الأسريّ، والضائقة الماليّة، ووضع الخدمات الصحّيّة والبنية التحتيّة الهشّة إجمالًا في المجتمع العربيّ في فلسطين، تمثّل نماذج الظواهر الأكثر تداولًا. في المقابل، يتفاعل الناس مع أشكال العطاء والتعاضد المجتمعة، ومع صور التّفاني المهنيّ لصاحبات مهنٍ وأصحابها، ذات راهنيّة في ظروف الجائحة، وعلى رأسهم الطواقم الطبّيّة بكامل مركّباتها، والأيدي العاملة في المشافي والبلدات كعمّال النظافة والعاملات.

 

خروجًا عن بعض الإدراكات

أمّا القراءة، فمن الظواهر الّتي تُعَدّ "أقلّ ضرورة"؛ إذ لا تتّصل بالحياة والموت بمفهومهما البسيط، ولا بالضروريّات في حالات الاستثناء والاستنفار.

نُعنى هنا بالقراءة في خروج على هذه الإدراكات، ومن باب إزاحة النظر إلى الأمور الطيّبة المشتركة في المجتمع، ولرفع المعنويّات الجماعيّة والفرديّة في الظروف العصيبة المذكورة، وللإسهام في الحفاظ على المناعة الجسمانيّة والمعنويّة. قد لا يستوعب البعض هذا؛ ذلك أنّهم لم يخبروا آثار القراءة، ولم يترفّعوا إلى اعتبارات غير مادّيّة وغير حسّيّة.

الادّعاء البسيط الّذي نريد عرضه، هو ارتفاع الاهتمام بالقراءة بين الفلسطينيّين، حسب تقديرنا وانطباعنا، كما بين جماعات أخرى حول العالم خلال حجْر الكورونا.

الادّعاء البسيط الّذي نريد عرضه، هو ارتفاع الاهتمام بالقراءة بين الفلسطينيّين، حسب تقديرنا وانطباعنا، كما بين جماعات أخرى حول العالم خلال حجْر الكورونا. لفحص مسألة القراءة والتغييرات الّتي طرأت عليها لدى الفلسطينيّين فحصًا منهجيًّا؛ يمكن تطوير الفكرة في دراسة منهجيّة شاملة وعميقة، لكنّنا نكتفي بالانطباع والتقدير لغرض الكتابة والتواصل هنا.

 

مبادرات فرديّة ومؤسّساتيّة

لقد شجّعَت ظروف أزمة الكورونا على القراءة، ووفّرت الوقت لذلك حصيلة الحجْر المفروض، المعبَّر عنه بالتعبير الأكثر شيوعًا "خلّيك بالبيت". جاء التشجيع على القراءة في مبادرات فرديّة، وفي مشاريع مؤسّساتيّة منظّمة، وفي حملات شبه عفويّة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ. بعض هذه المبادرات والمشاريع والحملات ابتدأ قبل الأزمة، ولقي دفعًا ورواجًا خلالها، وبعضها كان وليد الأزمة ذاتها، بعضها جاء على شكل منشور يبادر إليه أحدهم - أو إحداهنّ - للحثّ على القراءة، ومنها ما جاء على هيئة لعبة اجتماعيّة (لعبة تحدٍّ)، يكلّف فيها المشارك أو المشاركة غيره بالاختيار بالقراءة ومتابعة السلسلة، عبر اختيار مَنْ يجري إلقاء "التحدّي" عليه. البعض - ودون أن "يكلّفه" أحد - وجد الوقت متاحًا للقراءة. بعض المبادرات والحملات والمشاريع موجَّه إلى الأطفال، وآخَر إلى البالغين، وما بين هؤلاء وأولئك، وغيره جمع الأهالي بأطفالهم. البعض منها أخذ شكل مشروع اقتصاديّ خاصّ، أو تطوير لالتزامات عمل (موظّفات مكتبات عامّة مثلًا)، والبعض تشكّل كمبادرة ثقافيّة غير ربحيّة. للعجالة لن ندخل في ذكر أمثلة عينيّة إضافيّة؛ إذ يمكن فعل ذلك في مقال موسّع.

 

معدلّات القراءة

ضروريّة ومباركة هي القراءة؛ فلطالما وددنا لو تتطوّر لتتحوّل إلى عادة لدى الأفراد والمجتمع، تقترن بمكاسب ووظائف جمّة قد تتحقّق بالكامل أو جزئيًّا. تُكسِب القراءة ثراءً في اللغة، وتنمّي رصيد المعرفة الفرديّة، وتوفّر التسلية والمتعة، وتتيح الإبحار في عوالم افتراضيّة وخياليّة، وكذا الالتقاء بشخصيّات وأفكار قد لا نلتقيها في الواقع، وهي تُهذِّب النفس، وتدفع تقدّم طلبة العلم ومَنْ يشتغل في العلم والمعرفة؛ آنذاك، نُمَنّي النفس بالتحوّل على المدى البعيد إلى شعب قارئ، وفي المدى القريب نحلم بأن تزيد بضعة السطور الّتي سجّلتها الشعوب العربيّة معدّلًا لقراءتها في المؤشّر العالميّ السنويّ للقراءة؛ وليرتفع تدريجها المتدنّي بين الشعوب الأخرى في هذا المجال، من ضمن مجالات أخرى، ولو قليلًا، نقول "ولو قليلًا" بسبب ارتفاع نسبة الأمّيّة في الأمّة العربيّة، وإذ من الصعب ردم الهوّة أمام هذا الواقع.

تُكسِب القراءة ثراءً في اللغة، وتنمّي رصيد المعرفة الفرديّة، وتوفّر التسلية والمتعة، وتتيح الإبحار في عوالم افتراضيّة وخياليّة، وكذا الالتقاء بشخصيّات وأفكار قد لا نلتقيها في الواقع...

تختلف صنوف النصوص والموادّ موضع القراءة، وتختلف مجالاتها وموضوعاتها ومستوياتها، تبعًا للدوافع والغرض والحاجة والرغبة والقدرة الفرديّة للقارئ/ة. ومهما اختلفت كلّ هذه، فثمّة جديد مبارك وجميل في زيادة معدّل القراءة زيادة نسبيّة، لدى الأفراد ولدى الجماعات والشعوب، وهو الأمر المحمود.

 

الإتاحة إلكترونيًّا

إضافة إلى وفرة الوقت وإلى المبادرات والتفاعل الاجتماعيّ المذكور أعلاه، ساعدت عوامل أخرى على ارتفاع الاهتمام بالقراءة وممارستها، أهمّها إتاحة الموادّ للقراءة إلكترونيًّا. مع أنّ المكتبات العامّة أُغلقت إبّان الحجْر، فإنّ المكتبات الخاصّة وتبادل المؤلّفات الورقيّة، وكذا الإلكترونيّة، بين المقرّبين والأصدقاء والمعارف حلّت محلّها. السؤال هو كيف وإلى أيّ مدًى انسجم تبادل المؤلّفات الورقيّة مع الحفاظ على قواعد السلامة؟

مواقع الإنترنت وفّرت الكتب والنصوص وموادّ أخرى للقراءة؛ فبالإضافة إلى المتاح من كتب ومجلّات علميّة إلكترونيّة قبل أزمة الكورونا، فقد بادرت مكتبات أكاديميّة ودور نشر ومؤسّسات بحثيّة وثقافيّة أخرى، إلى إتاحة مجموعات كتب ودوريّات مختلفة للجمهور المعنيّ. ثمّ إنّ الموادّ المصنّفة في مجالات معرفيّة أكاديميّة قد تثير اهتمام أهل الاختصاص والباحثين والدارسين. أمّا المؤلّفات الأدبيّة، النثريّة والشعريّة، وبعض النصوص التاريخيّة، والأقوال والحكم، والقصص والحوادث، فهي من اهتمامات الفئات الأوسع، بعضها كان متاحًا عبر مواقع الإنترنت في السابق، وبعضها أُضيف أخيرًا، لكن زيارتها لدى الكثيرين والكثيرات تسنّت ربّما - أو بحسب الانطباع - أكثر في عهد الحجْر الصحّيّ في البيت.

بين الأوساط والفئات العامّة، ثمّة آثار أوسع للقراءة حين تكون النسخ والموادّ المقروءة إلكترونيّة تحديدًا، وحين تُستخدم الميديا الاجتماعيّة قبل القراءة وخلالها وبعدها. لهذه الأوساط ميول للتفاعل والتأثّر بوسائل التواصل الاجتماعيّ، بما في ذلك في موضوع القراءة...

بين الأوساط والفئات العامّة، ثمّة آثار أوسع للقراءة حين تكون النسخ والموادّ المقروءة إلكترونيّة تحديدًا، وحين تُستخدم الميديا الاجتماعيّة قبل القراءة وخلالها وبعدها. لهذه الأوساط ميول للتفاعل والتأثّر بوسائل التواصل الاجتماعيّ، بما في ذلك في موضوع القراءة، و"لعبة القراءة" المذكورة أعلاه من تجلّياتها؛ وهو ما يحرّكها في الغالب نحو محرّك البحث في جوجل وفي غيره من المواقع، بحثًا عن نصوص في الغالب خفيفة وجذّابة. وإذا ما وصلوا إلى النصوص، بدءًا من المرحلة الأوّليّة ثمّ البينيّة؛ فهم يسارعون على عجل للمشاركة فيها من على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعيّ، ليعود الأثر إلى مجموعات التواصل عندهم؛ فيبادر أعضاؤها وعضواتها إلى القراءة في المنشور، وربّما من ثَمّ إلى القراءة في نفس الموقع أو المصدر أو ما يشابهه. هكذا وعلى نحو لولبيّ تغذّي السيرورة نفسها في تقديرنا، وتُمارَس بدرجة متفاوتة من الخفّة/ الجِدّة.

 

صفحات فيسبوك الودودة

على نحو متزامن، وفي مقابل القراءة بدرجاتها المتفاوتة، فإنّ المشارَكات لنصوص على شكل منشور كثُرت هي الأخرى، عامّةً وأخيرًا. يُرفع المنشور على صفحات فيسبوك الشخصيّة، أو تلك الخاصّة بمؤسّسة ما، لكنّها متاحة للشخص المعنيّ بالنشر.

رغم ادّعاء التوجّه نحو زيادة القراءة، بحسب تقديرنا وانطباعنا، فثمّة فئة اجتماعيّة تقتصر القراءة لديها على ما تتوافر عليه وسائل التواصل الاجتماعيّ من نصوص، وعلى رأسها فيسبوك والصفحات الشخصيّة منه تحديدًا، وليس ذات التخصّص، أو مدوّنات تويتر مثلًا.

الموادّ المكتوبة تندرج في الملكيّات الخاصّة لأصحابها أو صاحباتها، أفرادًا أو جهات، هي حقوق لهم، ومنها امتيازات. وعلى ذاك، تجب الإشارة إلى صاحب الفكرة أو المادّة أو النصّ أو الجزء من النصّ، وردّها إليه...

لكلّ وسيط مزاياه، فمزايا وسائط الاتّصال هذه مقابل الكتب، ومزايا الكتب مقارنة بالدّوريّات، وكلّ وسيط مقابل الآخر... من أجل الاختصار؛ صفحات فيسبوك عامّة متاحة وودودة أكثر من غيرها لعامّة المتصفّحين والمتصفّحات، لكنّها متاحة أيضًا للنشء ممّن نودّ لو ننمّي لديهم القراءة والمعرفة، وحبّ الاستطلاع، وبعض قواعد التعامل مع النصوص، مع نشر منشور وعنده. من بين القواعد ذات الصلة نودّ التركيز هنا على ما يتّصل بالأمانة في نقل الموادّ.

 

الأمانة في النقل

الموادّ المكتوبة تندرج في الملكيّات الخاصّة لأصحابها أو صاحباتها، أفرادًا أو جهات، هي حقوق لهم، ومنها امتيازات. وعلى ذاك، تجب الإشارة إلى صاحب الفكرة أو المادّة أو النصّ أو الجزء من النصّ، وردّها إليه، ويجب الانضباط لقواعد إيراد هذه الموادّ ونشرها؛ في ما يقيم الأمانة العلميّة والشخصيّة، ويحفظ الحقوق والامتيازات لأصحابها. لا نتوقّع أن تجري في هذه الحالات قواعد الإحالة الأكاديميّة المنتظمة الدقيقة، لكنّ الحدّ الأدنى أن يُذْكَر صاحب المادّة، حتّى لو كانت مجتزأة، أو جملة منفردة، وأن نضعها بين هلالين مزدوجين، كما في حالة أيّ اقتباس.

والأمر جدّ مثير حين تكون المادّة قصّة أو حادثة لشخصيّات معروفة، أو مغمورة من زمن تاريخيّ غابر أو قريب؛ إذ لم يشهدها صاحب المنشور، ولم ينقلها إليه مَنْ عاصر ذلك الزمان، وبالتأكيد هي ليست من بنات أفكاره وتأليفه أو إنشائه، حتّى أنّه لم يصغها بلغته وطريقته، ولم يجْرِ عليها تغييرات منطقيّة ما، ولم يبنِ عليها ليضيف ما ليس  فيها في الأصل، وبالتأكيد لم يتفتّق عنها فكره الفذّ. يقينًا هي لأحدهم، أو في أبعد الأحوال هي من التراث الخاصّ بشعب الناشر أو بشعب آخر، أو هو موروث أمميّ كونيّ. إذن، من الضرورة الإحالة ، ليس في نهاية النصّ بخطّ واهٍ ومستتر، بل حسب قواعد وأصول؛ في رأس الصفحة، بالكلمات الصريحة والإشارات والأسلوبيّة المعتمدة.

 

دفع القراءة وتجذيرها

في ظروف طارئة مثل ظروف أزمة الكورونا والحجْر، تبدو القراءة آخذة في التزايد بين فئات عمريّة واجتماعيّة مختلفة في فلسطين، كما في مجتمعات أخرى. ثمّة فرصة للأهالي والأفراد والمؤسّسات التعليميّة والثقافيّة، للاستثمار في القراءة ودفعها أكثر، وتطويرها بصفتها  ممارسة وعادة متجذّرة، ضمن الالتزام بالأمانة نحو ما يُقْرَأ وفي كيفيّة استخدامه؛ كي تأخذ القراءة مكانتها جزءًا صميمًا في الثقافة، مع كلّ ما لهذا من مكتسبات فرديّة ومجتمعيّة كامنة.

 

 

تغريد يحيى - يونس

 

 

أكاديميّة وأستاذة جامعيّة فلسطينيّة. حازت على الدكتوراه مع مرتبة الشرف من جامعة تل أبيب، واستكملت دراستها لما بعد الدكتوراه في جامعة SOAS - لندن. اهتماماتها الأكاديميّة الرئيسيّة علم اجتماع الغربة، والإثنيّة والعلاقات الإثنيّة، والنظريّات النسويّة، والسياسة والجندر، ومناهج البحث النوعيّ، واللغة والهويّة.

 

 

تعليقات Facebook