كورونا... وفقدان الحبيب/ ة

أجنيس سيسيل

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

كورونا، يتلقّى البشر في الآونة الأخيرة ضربات كونيّة متعاقبة.

كورونا، حرب يقودها انتقام مؤجّل، ثأر كونيّ يبدو مسعورًا حينًا ومدروسًا ومحوسبًا حينًا آخر.

كورونا، لا ضربات كونيّة ولا شحار؛ فالسطر الأوّل ليس إلّا كتابة تفتعل مصيرًا جمعيًّا نتقاسمه أنا وأنتم في الوقت الراهن. ربّما هكذا نشعر، أنتم وأنا، بالتضامن، نقف وقفة واحدة في ساعة معيّنة تتشابك فيها أيدينا (بعد تصفيق حارّ طبعًا)، مُقيمين سلسلة بشريّة تطوّق الكرة الأرضيّة.

 كورونا، حضن يضمّنا كلّنا، كلّنا. الوحدة والتضامن، تلتصق هاتان المفردتان عادة؛ فيولد التناقض. الوحدة بمعنى أن نتّحد، أن نكون متّحدين ملتحمين وننتصر على الوحدة الموحِشة، نواجه ونتحدّى ونقاوم الكوارث معًا، معًا. لكن في التضامن شيء من الوحدة أيضًا؛ وحدة بمعنى الوحشة، بمعنى أن تكوني وحيدة، أن تغيبي داخل هذه السلسلة البشريّة، ويبلعك الحضن الكبير، وتظلّي هناك وحدك في عتمة بطنه، حيث لا يراك أحد، ولا يجدك أحد.  

يرثي هذا النصّ حال تغييب معاناة الفقدان، ثمّ الحداد في ظلّ معاناة أزمة الكورونا "الجماعيّة". لكنّه ليس حدادًا إثر موت نهائيّ، بل هو الحداد على فقدان الحبيب؛ حالة لوعة[1] إثر موت مسيرة علاقة زوجيّة طويلة.

يرثي هذا النصّ حال تغييب معاناة الفقدان، ثمّ الحداد في ظلّ معاناة أزمة الكورونا "الجماعيّة". لكنّه ليس حدادًا إثر موت نهائيّ، بل هو الحداد على فقدان الحبيب؛ حالة لوعة[1] إثر موت مسيرة علاقة زوجيّة طويلة.

يحاول النصّ إنقاذ معاناة الهجر والانفصال من سطوة معاناة الكورونا وسيطرتها على النفوس، ويحاول أيضًا انتشال حالة الفقدان هذه، الّتي بدأت دقائق وأيّامًا قبل الكورونا، ثمّ تقاطعت وتداخلت مع حالة الحجْر والحظر. هل ثمّة شخص داخل هذه السلسلة التضامنيّة مرّ – أو مرّت - بانفصال عن الحبيب لحظات قبل جنون الكورونا بقليل؟ ارفعوا أياديكم، سوف أمسك بها!

يقول جون بولبي، وهو طبيب واختصاصيّ نفسيّ بريطانيّ، في المجلّد الأخير من ثلاثيّته الكلاسيكيّة "التعلّق والفقدان": "تُعَدّ تجربة فقدان شخص نحبّه إحدى التجارب الإنسانيّة الأكثر إيلامًا وفجعًا، وهي ليست فقط تجربة يؤلم المرور بها، بل من المؤلم أيضًا مشاهدتها، ولو كان ذلك لمجرّد عجزنا عن تقديم المساعدة".

لقد منعتنا الكورونا نحن الملتاعين، المشتعلين بآلام الفقدان، منعتنا فرصة نشر حرائق أحزاننا خارجًا، في الشوارع وبين الناس، وفي الحانات ليلًا... طوّقت بالأسوار قاع المدينة، وحرمتنا أوّل ارتماء متهوّر في أحضان غريبة، ولثم شفاه عابرة. لم يَعُد من الممكن أن تكون المدينة بيت عزاء كبيرًا، نصطدم بالناس فيأخذ بخاطرنا البعض، ونطلب نحن أن نمكث قليلًا بخاطرهم.

يُقال في علم النفس عن سيرورة الفقدان إنّها سيرورة داخليّة، ذاتيّة، خاصّة، وغالبًا غير مرئيّة، تمرّ المفجوعة بها وحدها ووحيدة أيضًا. لكنّي لا أتماهى كلّيًّا مع هذا الكلام؛ فنحن لمّا نصبح بعد غربيّين تمامًا، ندبنا وحزننا وحدادنا لطالما حازت على تعبيرات خارجيّة...

يُقال في علم النفس عن سيرورة الفقدان إنّها سيرورة داخليّة، ذاتيّة، خاصّة، وغالبًا غير مرئيّة، تمرّ المفجوعة بها وحدها ووحيدة أيضًا. لكنّي لا أتماهى كلّيًّا مع هذا الكلام؛ فنحن لمّا نصبح بعد غربيّين تمامًا، ندبنا وحزننا وحدادنا لطالما حازت على تعبيرات خارجيّة، وقد مارسنا في ما مضى طقوسًا استطاعت أن تُمظهر آلامًا اعتصرت دواخلنا، ولوعة احتلّت كياننا.

كنّا أكثر تقبّلًا لأحزاننا، ومن المؤكّد أنّنا كنّا أقلّ خجلًا بلوعتنا، بل حتّى كنّا نفخر ونعتزّ بها، فكلّما كانت لوعتنا أكثر صمودًا تعاظم فخرنا. كان موضوع أن نشهد على لوعة مفجوع – أو مفجوعة - أمرًا مؤلمًا وصعبًا آنذاك، تمامًا مثلما هو اليوم، لكن وجهنا وحالنا في هذا الزمن اختلفا، وكما يبدو حتّى الآن أنْ لا مفرّ من عولمة النفوس؛ فأخذ يصمت ويتوارى عندنا صوت الفقدان ومآلاته، وبتنا نُولي ظهورنا للحزن واللوعة؛ فنبتعد عن كتلة الكآبة الّتي تجالس "البارمان" وتبلع كأسًا تلو الأخرى. القطيعة عن الحزن واللوعة تساوي قطيعة للمفجوع؛ فتتوسّع رقعة الوحدة وتستشرس بنا.

لكن لن أسمح للكورونا مواراتي خلف الأسمنت؛ ليس بعد الآن. لوعتي أنا لن تتوارى، ولن تختبئ خجلًا خلف معاناة الكورونا الوقحة. ألا يكفي الحزن واللوعة ما يتعرّضان له من هجوم وتشويه قبل الكورونا؟ بعضنا ما زال مؤمنًا بقيمة الندب؛ ندب الحبّ.

وضع بولبي 4 محطّات[2] يمرّ بها الملتاع إثر الفقدان، ثمّ جاءت كوبلر روس ووضعت 5 محطّات[3]، ثمّ جاء مَنْ ادّعى أنّ ثمّة محطّة أو محورًا سادسًا، وهي محطّة "ولادة المعنى" أو صنعه. يعني ياااااااي... هكذا إذن... يصدّرون النظريّات، يتنافسون ويتألّقون، وكلّ هذا من رحم معاناتنا وآلامنا. حسنًا، هل يمكن أن أتقدّم أنا أيضًا، مضيفة إلى القائمة محطّة أخرى؟ سأطلق عليها "مكّوك الكورونا"!

لن أسمح للكورونا مواراتي خلف الأسمنت؛ ليس بعد الآن. لوعتي أنا لن تتوارى، ولن تختبئ خجلًا خلف معاناة الكورونا الوقحة. ألا يكفي الحزن واللوعة ما يتعرّضان له من هجوم وتشويه قبل الكورونا؟

يمكن أن يحدث خلال الحياة، أن تمرّ بانفصال حبيب وفقدانه، هكذا هي الحياة، خائنة[4]. ربّما ذهنيًّا اعتقدت أنّك أجريت مسحًا شاملًا للحالات العاطفيّة والنفسيّة، وربّما بعدها اطمأننت قليلًا بمعرفة أيّ عواطف وحالات ستتربّص لك وتنقضّ عليك، علّك تتجهّز لها قليلًا، لكن فجأة كورونا؛ هذه المحطّة في مسيرة الحزن واللوعة، سوف تقترب كثيرًا من حالة أو تجربة ذهنيّة/ عاطفيّة يؤسّس لها الأخوان كوهين في أعمالهما.

تصوّر هذه المشاهد لحظات اختلال المنطق البشريّ وقوامه، ويكون ذلك غالبًا بحضور "الأبسورد" المتمثّل بعناصر وكائنات فضائيّة تدخل عالم الفيلم/ المسلسل فجأة من غير علاقة لأيّ شيء؛ فتتعطّل المشاهدة بعض الوقت، ويسرح المشاهد مثل شخصيّات العمل، ثمّ يختفي العنصر الفضائيّ مثلما جاء. يصوّر الأخوان كوهين لحظة تعطّل الذهن البشريّ، وعدم قدرته على امتصاص ما حصل للتوّ وإدراكه؛ فنرى سرَحانًا طويلًا، ثمّ عودة فجائيّة لمجريات الأحداث ومواصلة طبيعيّة لها.

وهكذا، سوف يأتي مكّوك الكورونا، ويسطع ضوءًا فلورسنتيًّا في وجهك، ويُربك رحلتك بين محطّات اللوعة والفقدان. ولا نعرف، ولن نكتشف تمامًا، كيف أثّر ذلك في رحلتك مع الفقدان. مع هذا، رصدنا حالة ربّما قد تسبّب لها المكّوك الكورونيّ، في صفاء ذهنيّ لا يشوبه شيء، يترافق مع سرَحان مطوّل، سرَحان صافٍ من كلّ شيء، لا يشبه السرَحان النوستالجيّ، ولا السرَحان الملنكوليّ. قد رصدنا أيضًا أنّ قوّة ضوء المكّوك قد تُفقدك ذكرى لحظة الانفصال تمامًا (لن نستمع لادّعاءات تقارب هذه الحالة مع حالة الخدر لدى بولبي، والإنكار لدى كوبلر روس). فمع الحجر وحظر التجوال والإغلاق العامّ، تعيش حالة أنّ الحياة الّتي عرفتها قبل الآن قد اختلفت لدى الجميع، وقد تُصاب بوهْم أنّ البعد بينك والحبيب ليس إلّا نتيجة الإغلاق والحظر. يبعث لك المكّوك رسالة مشفّرة، تقرأ بها وعدًا مُخْبَأ، مفاده أنّ حياتك بعد الحظر ستعود كما كانت. ستعود الحياة إلى حياتك لتشمل كلّ مَنْ كان جزءًا منها؛ الجميع.

وقد تشعر بالبرد أيضًا، لكن لا تتعجّل بطلب الإسعاف؛ افحص درجة حرارتك أوّلًا، لكن إذا كان البرد الّذي يعصف بك لا علاقة له بحرارة جسمك، وإذا كانت وسائل التدفئة كلّها عاجزة عن تدفئتك، فأنت على ما يرام، ولست مصابًا بالكورونا؛ أنت مصاب باللوعة!

رصدنا أيضًا ارتباكات وتشويشًا في محطّة التوق؛ فالتوق الشديد إلى الحبيب المفقود، يكون في أحيان كثيرة مصاحبًا لآلام شديدة أيضًا، وفي أحيان كثيرة، تصير آلام النفس آلامًا جسديّة؛ فالصدر وجهاز التنفّس مرشّحان للإصابة المباشرة. يعني مع الفقدان نشعر بالقلق، وربّما نختبر ضيقًا بالصدر وصعوبة في التنفّس؛ فتختلط عوارض الكورونا مع عوارض التوق الشديد، ويمكن أن نُصاب أيضًا بوجع في الرأس والمعدة والظهر، وقد تشعر بالبرد أيضًا، لكن لا تتعجّل بطلب الإسعاف؛ افحص درجة حرارتك أوّلًا، لكن إذا كان البرد الّذي يعصف بك لا علاقة له بحرارة جسمك، وإذا كانت وسائل التدفئة كلّها عاجزة عن تدفئتك، فأنت على ما يرام، ولست مصابًا بالكورونا؛ أنت مصاب باللوعة!

يمضي بولبي قائلًا: "في البداية، يشعر المفجوع بأنّ لا شيء يعيد إليه الطمأنينة إلّا عودة الشخص المفقود؛ فكلّ مساعدة تقدَّم أدنى من ذلك تُعَدّ بمنزلة إهانة للمفجوع". لكنّنا يا بولبي لسنا في فترة "البداية"، ولا تُشعرنا أشكال المساعدة المختلفة من الآخرين بالإهانة، بل تُشعرنا بعكس ذلك تمامًا، بالحبّ والتقدير (عندما تتوفّر).

لكن هل تعرف ما الّذي يُشعرنا بالإهانة يا بولبي؟ هذه الكورونا، هذه الكورونا مسؤولة عن شعورنا بالإهانة؛ ليس فقط لأنّها اقتطعت مسيرتنا الطبيعيّة مع الفقدان، فكان لذلك جوانب إيجابيّة وسلبيّة معًا، بل لأنّها ألقت أيضًا ضبابًا كثيفًا على نفوسنا، وبتنا لا نميّز مناخنا النفسيّ، وغابت حالة الفقدان وراء غيمة كبيرة.

لكن أكثر ما يؤلمنا في كلّ هذا يا بولبي، هو التآمر، التآمر يا بولبي؛ تآمرت أنفسنا مع الكورونا، خانتنا أنفسنا، وأوهمتنا أنّ بعد فكّ الحصار ستعود الحياة تدريجيًّا "كما كانت"، سنعود إلى العمل، سنعود إلى الحانات. البحر في انتظارنا، الأهل والأحباب سيتلقّفوننا ونتلقّفهم...

بدأ الضوء الفلورسنتيّ يبهت... وابتعد المكّوك الكورونيّ... وبدأت هذه "الحياة الّتي كانت" تعود... توافد الأحباب، وفتحنا قبضتنا لعدّهم... لكن ليس كلّهم هنا يا بولبي، وما زلنا نبحث ونتوق.  

..........

إحالات:

[1] لوعة الحبّ: حرقة في القلب وألم لفقدان الحبيب/ ة، وهي نفسيًّا، ومن منظور علميّ، بمثابة الحداد.

[2] وضع بولبي برفقة باركس نموذجًا، أدرج فيه أربع محطّات/ حالات عاطفيّة، يمرّ بها الأشخاص على إثر فقدان شخص يحبّونه: 1- الصدمة والخدر 2- التوق والبحث 3- الارتباك/ التشويش واليأس 4- التعافي والشفاء.

[3] إليزابيث كوبلر روس طبيبة نفسيّة أمريكيّة سويسريّة، وضعت 5 مراحل: 1- الإنكار 2- الغضب 3- المفاوضة 4- الاكتئاب 5- التقبّل.

[4] توحي لهجة الكاتبة أنّها تدور وتلفّ في محطّة الغضب، ربّما تتنقّل جيئة وذهابًا بين المحطّات، لكن يبدو أنّها ستمكث قليلًا عند الغضب.

 

 

تمارا ناصر

 

 

دارسة للأدب الإنجليزيّ، والسينما، وعلم النفس. حاصلة على شهادة علاجيّة ولقب ثانٍ من جامعة حيفا في البيبليوترابيا - العلاج بالقصّة، والقراءة، والكتابة.

 

 

 

تعليقات Facebook