مدارس الأنثروبولوجيا العالميّة: هل أنا حقًّا أنا؟

تصميم تيم روبنسون، The Nation

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

قالها محمود درويش في نبْشه التاريخيّ عن حفريّات ذاته، في باص "لا شيء يعجبني": "درستُ الأركيولوجيا دون أن أجد الهويّة في الحجارة".

هذه العبارة تذكّرني بالمحلّلين السياسيّين، عندما يظهرون على شاشات التلفاز لتحليل بعض الأحداث السياسيّة، الّتي غالبًا ما تختزل الظاهرة بربط بعض الأحداث الراهنة، وإغفال مجمل التاريخ الثقافيّ والسوسيولوجيّ للظاهرة، وهو ما يحرمنا من متعة المعرفة في مثل هذا النوع من التحليلات، بالحدّ الأدنى من المخاطر.

على سبيل المثال، المدن والمناطق السوريّة ثريّة جدًّا في طقوس أعيادها، تختلط فيها الممارسات الوثنيّة والمسيحيّة والإسلاميّة، لكنّ السياسة تطمس هذا التكوّن الأنثروبولوجيّ، ولا تقدّمه للقارئ أو للمشاهد؛ فيبدو المجتمع السوريّ في مثل هذه الظروف السياسيّة، أنّه مؤلَّف من مجتمعات محلّيّة متناحرة، وهذا ما يدفعني إلى ضرورة تأكيد أهمّيّة علم الأنثروبولوجيا في تأويل الظواهر الاجتماعيّة والإنسانيّة، بوصفه علمًا قد يكون قادرًا على إعادة الاعتبار للإنسان.

 

تأريخ لتشكّل الحقل

 في هذا الصدد، صدر عن "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات" عام 2017، كتاب مترجم بعنوان "الأنثروبولوجيا: حقل علميّ واحد وأربع مدارس"، من تأليف مجموعة مؤلّفين، هم فريدريك بارث، وأندريه غينغريتش، وروبرت باركن، وسيدل سيلفرمان، وترجمة أبو بكر أحمد باقادر وإيمان الوكيلي، ومراجعة ساري حنفي.

أرّخ الكتاب لتشكُّل الأنثروبولوجيا علمًا مستقلًّا في العلوم الاجتماعيّة، وعرض مدارسه المختلفة. يصلح الكتاب لأن يكون مرجعًا يُدَرَّس في الجامعات العربيّة؛ ولذلك فإنّ الطلّاب الجامعيّين في أقسام العلوم الاجتماعيّة في مختلف تخصّصاتها، قد تكون الفئة الأكثر اهتمامًا بهذا الكتاب، لما يحتويه من نصوص تأصيليّة نظريّة متسلسلة تاريخيًّا، وفق التخصّصات الأكاديميّة لهذا العلم.

الكتاب المكوّن من عشرين فصلًا مأخوذ من سلسلة محاضرات عنوانها "أربعة تقاليد/ تراثات في الأنثروبولوجيا"، نُظِّمت لتُشكِّل افتتاح انطلاقة "معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعيّة" في "معهد هالي" في ألمانيا.

 

المدن والمناطق السوريّة ثريّة جدًّا في طقوس أعيادها، تختلط فيها الممارسات الوثنيّة والمسيحيّة والإسلاميّة، لكنّ السياسة تطمس هذا التكوّن الأنثروبولوجيّ، ولا تقدّمه للقارئ أو للمشاهد؛ فيبدو المجتمع السوريّ في مثل هذه الظروف السياسيّة، أنّه مؤلَّف من مجتمعات محلّيّة متناحرة...

مدارس

القسم الأوّل للكتاب "بريطانيا والكومنولث" المؤَلَّف من 5 فصول، يؤرّخ لبروز الأنثروبولوجيا في بريطانيا وتطوّرها العلميّ بين عامَي 1830 و2000. يكشف الكتاب أنّه عندما كانت المدرسة البريطانيّة مزدهرة، كانت ترتكز على اجتماع لافت للنظر بين ممارسيها، وتعتمد على تطابق أعضائها وتوافقهم حول خطاب مشترك؛ وهو ما فتح تاريخًا من الجدل، ومن توضيح للمواقف واندماج متبادل مع مجموعة من القضايا النظريّة. ومع اختفاء هذا التركيز المشترك، كان ثمّة افتقاد للوثوق بالذات وفقدان الاكتفاء الذاتيّ، مع تدفّق الأفكار النظريّة القادمة من فرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة؛ وهو ما أدّى إلى تراجع المدرسة البريطانيّة تدريجيًّا منذ ستّينات القرن الماضي.

تشغل المدرسة الألمانيّة القسم الثاني من الكتاب بفصوله الخمسة؛ إذ أُعيد تقويم التاريخ السوسيوثقافيّ للأنثروبولوجيا في ألمانيا ودول أخرى ناطقة بالألمانيّة، مثل سويسرا والنمسا. انطلقت هذه المدرسة من كتب الرحّالة المبكّرين، في ثمانينات القرن الثامن عشر، ويبدو أنّ هذا الإرث الثقافيّ ظلّ يسيطر على هذه المدرسة طوال تاريخها، حين ظلّ الهاجس الثقافيّ يشغلها أكثر من تخصّص الأنثروبولوجيا التاريخيّة، وأكثر من غيرها من المدارس؛ فغالبًا ما كان التنوّع في الأنثروبولوجيا التاريخيّة الجديدة، عند الناطقين بالألمانيّة، أقرب إلى مفهوم الثقافة.

القسم الثالث بفصوله الخمسة يتناول إرث الأنثروبولوجيا في البلدان الناطقة بالفرنسيّة، الّتي تتميّز بعراقتها وتركيزها المنهجيّ، خاصّة بعد مرحلة عالم الاجتماع الفرنسيّ إميل دوركايم. لوحظ على هذه المدرسة غياب التأمّل، أو السيرة الذاتيّة باعتبارها موضوعات في الأنثروبولوجيا، وهو جهد لم يركّز على الإثنيّة في دراسة المواضيع البحثيّة. إنّ التيّار الأساسيّ للمدرسة الفرنسيّة، لا يأخذ في الاعتبار وجود وحدة نظريّة عامّة من المفاهيم الموضوعة لعلم الاجتماع. عن طريق فصلها للنظريّة والممارسة، وعن طريق التدريس والبحث، وأخذها في الاعتبار للاستمراريّات النظريّة، ومأسستها المتأخّرة نسبيًّا، وعودتها إلى البحث الميدانيّ؛ فإنّ الأنثروبولوجيا الفرنسيّة يمكنها أن تدّعي حقيقة التميّز.

إنّ دعوة المدرسة التأويليّة جماعة الأنثروبولوجيّين، إلى محاولة فهم الشبكات الرمزيّة الّتي نسجها الإنسان بنفسه حول نفسه، تنسجم مع طروحات الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو في كتابه "تأويل الذات"؛ إذ يدعو إلى الاهتمام بالنفس من أجل ذات النفس.

مدرسة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وهي آخر مدارس الأنثروبولوجيا العالميّة، محور القسم الأخير من الكتاب بفصوله الخمسة. بدأت هذه المدرسة بالتكوّن حديثًا مقارنة بالمدارس الأخرى، مع النصف الأوّل من القرن العشرين، مع مؤسّسها فرانز بواز، الّذي درّب العديد من الشخصيّات الأمريكيّة على نقد مبدأ النشوئيّة التطوّريّة، والدفاع عن التاريخانيّة لفهم توزُّع الصفات العرقيّة، وإضفاء الطابع المؤسّساتيّ على الأنثروبولوجيا في أقسام الجامعات العلميّة والمتاحف والوحدات المهنيّة.

انتقلت المدرسة الأمريكيّة لطرح نظريّات تأسيسيّة في علم الأنثروبولوجيا، مع كليفورد غيرتز وديفيد شنايدر، بطرحهما حول الرمزيّة الجديدة، وخاصّة مع كتاب غيرتز "تأويل الثقافات" (1973)، الّذي أكّد فيه أهمّيّة دراسة معنى الرموز في الثقافة.

 

تأويل الذات

تعدّدت مناهج النظريّات الأنثروبولوجيّة الّتي تدرس الظاهرة الاجتماعيّة، إلّا أنّ النظريّة التأويليّة تميّزت عن المدارس السابقة؛ إذ استندت النظريّة التأويليّة على كتابات السوسيولوجيّ ماكس فيبر وأفكاره في فهم تغيير البنية الاجتماعيّة، وذلك بالتركيز على "البراكسيس" الاجتماعيّ، ومن ثَمّ يجب فهم المعاني الكامنة وراء الأفعال الاجتماعيّة[1]. وقد سمحت النظريّة التأويليّة أيضًا للأنثربولوجيّ بعرض بحثه بأسلوب سرديّ، ينسجم مع مجريات الأفعال ومواقفها ومعانيها، بعيدًا عن القوانين الوضعيّة الّتي تحوّل الظاهرة إلى أرقام وعلاقات سببيّة.

المفارقة أنّ أغلب ميادين البحث الأنثروبولوجيّ لهذه المدارس، كانت ساحاتها دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، لكنّ تلك الساحات لم تُنتِج أيّ مدرسة في الأنثروبولوجيا العالميّة، وفق تصنيفات هذا الكتاب...

إنّ دعوة المدرسة التأويليّة جماعة الأنثروبولوجيّين، إلى محاولة فهم الشبكات الرمزيّة الّتي نسجها الإنسان بنفسه حول نفسه، تنسجم مع طروحات الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو في كتابه "تأويل الذات"؛ إذ يدعو إلى الاهتمام بالنفس من أجل ذات النفس. علينا أن نكون من أجل أنفسنا، وطوال وجودنا، وأن نجعل ذواتنا موضوعنا الخاصّ[2]. إنّ عمليّة فهم الثقافة يجب ألّا تكون علمًا تجريبيًّا يبحث عن القانون، بل علمًا تأويليًّا يبحث عن المعنى.

المفارقة أنّ أغلب ميادين البحث الأنثروبولوجيّ لهذه المدارس، كانت ساحاتها دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، لكنّ تلك الساحات لم تُنتِج أيّ مدرسة في الأنثروبولوجيا العالميّة، وفق تصنيفات هذا الكتاب، وهو ما جعل باحثي الأنثروبولوجيا في هذه المناطق أخيرًا، يعيدون النظر في المحتوى المعرفيّ للدراسات الّتي كُتِبَت عن تاريخهم ومجتمعاتهم وثقافاتهم؛ بقصد كشف أزمة الحدود الإبستيمولوجيّة للمعرفة الكولونياليّة، حول الظواهر الاجتماعيّة في هذه المناطق الجغرافيّة.

..........

إحالات:

[1] أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصيّاغ، ط1 (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، 2005) ص 71.

[2]  ميشال فوكو، تأويل الذات، ترجمة زواوي بغورة، ط1 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2011).

 

 

نيروز ساتيك

 

 

سكرتير تحرير دوريّة" عمران" للعلوم الاجتماعيّة، من إصدار المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات. ينشر أبحاثه ومقالاته في دوريّات ومنابر عربيّة مختلفة. حاصل على ماجستير علم الاجتماع والأنثربولوجيا من معهد الدوحة للدراسات العليا.

 

 

تعليقات Facebook