كينج ومالكوم إكس... صورة على الحائط المحروق

مالكوم إكس ومارتن لوثر كينج في لقائهما المباشر الوحيد عام 1964

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

إلغاء العبوديّة لم يكن كافيًا

في حقول الجنوب الشاسعة، لم يملك الزنجيّ غير الغناء. الإيقاع الرتيب والمتكرّر الّذي كان يصاحب قطع قصب السكّر وتهوية الأرز، عبّر دائمًا عن ألم طويل وعميق. الزمن وحده لم يكن كافيًا للإجابة عن سؤال وجوديّ أصيل. إلغاء العبوديّة لم يكن كافيًا للحصول على رزق كريم وحقيقيّ، على النقيض، كان حصول الزنوج على حرّيّتهم في حلول عام 1865 يعني انقطاع مصدر الرزق الوحيد، وهو العمل في الحقل.

يقول المؤرّخ جيم داونز في كتابه "مريض بسبب الحرّيّة"، إنّ مليونًا من أربعة ملايين زنجيّ حُرّروا بين 1862 و1870، قضوا بسبب الأمراض نتيجة إهمال البيض "المحرّرين" لهم. لم يخلق الشمال، صاحب الضمير "الأفضل"، فرص عمل وبيئة صحّيّة سليمة للأحرار الجدد؛ ذلك أدّى، وفقًا لداونز، إلى الأزمة البيولوجيّة الكبرى في القرن التاسع عشر.

الابتسامتان كأنّهما لصديقين مقرّبَين، لكنّه كان اللقاء الجسديّ الوحيد بينهما. في ما بعد، وفي مستوى الثقافة الشعبيّة على وجه الخصوص، يُعتبر القائدان توأمين سياميَّين، ليس بالإمكان الفصل بينهما.

في القرن العشرين، وعلى الرغم من دعوات الدمج وتبنّي لهجة وطنيّة أمريكيّة واحدة، استمرّ الألم على حاله. في معرض ردّه على مقالة نشرتها مجلة "Ebony" عام 1947، بعنوان "آن الأوان كي نحصي بركاتنا"، ينبّه جيمس بالدوين هيئة التحرير، صاحبة الأصول السوداء، إلى أنّه في الوقت نفسه الّذي يدعون فيه إلى "التخلّي عن غناء ‘البلوز‘ والنظر بأمل إلى المستقبل"، هنالك صورة متناقضة مع رسالة الأمل والتفاؤل على الصفحة المقابلة للمقالة؛ الصورة لمزارعة عجوز سوداء تحمل سلّة من البصل الزائد على الحاجة من حقل قريب.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

حيرة المثقّف الأسود

مع حلول النصف الثاني من القرن العشرين، كان المثقّف الأسود، عالميًّا، على حيرة من أمره. تعلّق السؤال المركزيّ بالموضوعيّة والحياديّة وإضفاء منهج علميّ، أو حتّى صبغة علميّة، على النقاش الحميم بشأن بؤس الإنسان الأسود، وهي مهمّة شاقّة لكن لها دوافعها المهمّة؛ لأنّ مصير البلاغة الغاضبة والعنيفة معروف في سياق التفكير النمطيّ الأبيض، واختزاله للآخر (الملوّن أو الأسود) بصفات أرشيفيّة جاهزة، مثل الهمجيّ والبربريّ والمتوحّش.

في كتابه الرياديّ والطموح "بشرة سوداء أقنعة بيضاء" الصادر عام 1952، يقول فرانز فانون: "في هذا الكتاب، أريد إيصال فكرة بؤس الرجل الأسود، لا أريد أن أكون موضوعيًّا؛ لأنّ الموضوعيّة في هذا السياق غير أمينة، ومخادعة. ليس بإمكاني أن أكون موضوعيًّا ألبتّة".

في الولايات المتّحدة، حيرة المثقّف الأسود تجد تصويرها الأمثل في ثنائيّة مالكوم إكس/ مارتن لوثر كينغ؛ الأوّل اتّخذ منهجًا عنيفًا (أو أشدّ غضبًا) على الرغم من عدم تنظيره للعنف، والثاني اتّخذ منهج اللاعنف، وكان معجبًا بتجربة المهاتما غاندي. مالكوم قال إنّ "الدفاع عن النفس ليس عنفًا، ولا يمكن تسميته عنفًا بل فهمًا وإدراكًا".

صورة وحيدة جمعت المثقّفَين، كلاهما ابتسم للكاميرا بعد اجتماع لدقائق معدودات عام 1964 في واشنطن. الابتسامتان كأنّهما لصديقين مقرّبَين، لكنّه كان اللقاء الجسديّ الوحيد بينهما. في ما بعد، وفي مستوى الثقافة الشعبيّة على وجه الخصوص، يُعتبر القائدان توأمين سياميَّين، ليس بالإمكان الفصل بينهما.

 

"Do the Right Thing"

فيلم "Do the Right Thing" الّذي أُنتج قبل أكثر من ثلاثين عامًا، حاضر حتّى الآن برمزيّته الثاقبة وتفاصيله القاسية. في الفيلم يعالج الكاتب والمخرج سبايك لي – ويستعرض - تأثير مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ في الوعي الأسود. الصورة ذاتها للرجلين تظهر هنا وهناك، كرمز متدفّق في السرد الدراميّ.

 

 

يحمل سمايلي، صاحب الإعاقة العقليّة، الصورة الشهيرة، ويحاول بيعها للمشاة والعابرين بدولارين، يرسم على وجه كلٍّ منهما بالأحمر، ويحاول التحدّث مع الجميع كأنّه منظر مشترك لمالكوم ومارتن لوثر كينج، مع أنّه يجد صعوبة كبيرة في النطق. أمّا بطل الحكاية، موكي، فهو شابّ في العشرينات من عمره، شخصيّة غير فعّالة أو بليدة في محيط مفعم بالحيويّة.

يتناول الفيلم يومًا واحدًا في حياة شريحة اجتماعيّة سوداء فقيرة. إنّ مراكز التجارة الوحيدة مطعم يمتلكه رجل إيطاليّ، يُدعى سال، وبقالة يمتلكها كوريّ وزوجته. المكانان مصدر حنق دائم في الحيّ الفقير. يعمل موكي لدى سال، وبالكاد يصرف على نفسه، فهو موزَّع بين أخته الّتي يعيش معها وزوجته وابنه اللذين يسكنان مع حماته.

 

 "أين إخوتي السود يا سال؟"

في المشهد الأهمّ في الفيلم، يشتري بوغن، صديق موكي، قطعة بيتزا من مطعم سال، ثمّ يجلس على طاولة ويتفحّص الصور على الجدران. يحتجّ بوغن ويقول إنّ الصور كلّها لرجال ونساء من أصل إيطاليّ. "أين إخوتي السود يا سال؟" قال بوغن، وسال أجاب بأنّه صاحب المحلّ، وهو الّذي يحدّد الصورة الّتي تستحقّ أن تكون على الحائط: "بإمكانك وضع صور إخوتك وأخواتك وأعمامك وعمّاتك حين يكون بإمكانك فتح محلّ كمحلّي".

يحمل هذا المشهد الفيلم بكلّيّته، ويمضي بهدوء حتّى المشهد الأخير، حين يُحْرَق المطعم بعد مقتل راديو رحيم. ونرى سمايلي، صاحب الإعاقة العقليّة، يضع صورة مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ على الحائط المحروق.     

يحمل هذا المشهد الفيلم بكلّيّته، ويمضي بهدوء حتّى المشهد الأخير، حين يُحْرَق المطعم بعد مقتل راديو رحيم. ونرى سمايلي، صاحب الإعاقة العقليّة، يضع صورة مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ على الحائط المحروق.     

 

ثمّة رموز كثيرة في الفيلم ليس بالإمكان دراستها كلّها هنا، لكن في المجمل، ثمّة ثيمة مركزيّة، هي: ما العمل؟ أنختار الحبّ أم الكراهية؟ اللاعنف أم العنف؟ ثار جدل طويل حول ما يقصده سبايك لي من "Do the Right Thing"، وخاصّة بسبب نهاية الفيلم العنيفة، ونزعة الانتقام لدى موكي بعد موت صديقه راديو رحيم عند ذروة الفيلم.

في ردّه على ذلك، يقول سبايك لي إنّ البيض فقط هم الّذين يسألون عمّا إذا كان اعتداء موكي على مطعم سال فعلًا صائبًا. يقول سبايك لي إنّ الجمهور الّذي يريد إجابة محدّدة عن ذلك السؤال، هو جمهور "يفشل في رؤية الفرق بين إتلاف ملكيّة خاصّة وتدميرها من جهة، وموت إنسان أسود من جهة أخرى".

 

 

د. أشرف الزغل

 

 

شاعر وباحث من فلسطين. له أربع مجموعات شعريّة؛ 'دواليب الرماد' (بالاشتراك مع عبد الرحيم الشيخ)، و'نوم كما أرى'، و'صحراء في المترو'، و'صورة العائلة البشعة'. حصل على جائزة الكاتب الشابّ – حقل الشعر، من مؤسّسة عبد المحسن القطان عام 2001.

 

 

تعليقات Facebook