تمنّينا من الوقت قليلًا

الراحل محمّد الشيخ يوسف

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

تبدو الصور بعد الموت باردة بشكل لا يصدّق، كأنّها ماتت أيضًا عند وفاة صاحبها، تصير ابتساماته الّتي وزعها علينا جميعًا، تثقل القلب بالحزن العميق، ونتجمّد أمام الكلمات الّتي تشبه كلماته، وأمام الأحلام الّتي بناها، والعائلة الّتي كان في طريقه إلى تكوينها، والغربة الّتي احتملها، والشوق الكبير الّذي أخفاه عن عائلته، حتّى لا يصبح واقع الاغتراب أمرًا حتميًّا، حتّى تبدو البلاد، كأنّها على وشك التحرّر، حتّى نبدو على وشك اللقاء.

أمسكت هاتفي لأبحث عن جوابٍ من أيٍّ كان بأنّ محمّد لا يزال حيًّا، وأنّه بإمكاني التحدّث إليه ثانيةً، ولم أجد. أتّصل لكلّ أصدقائه الّذين أعرفهم في الدوحة، لأصدقائه المغتربين في أماكن أخرى، أواسي نفسي بأنّ أمرًا كهذا مزحة ثقيلة من فوزي أو أحمد أو حمزة، فهم دومًا ما يفعلون ذلك، دومًا ما يخرجون ساخرين من الدّنيا ومن الألم، ضاربين عرض الحائط سخافة الحدود، ألم الحرب وسنوات الحصار.

ولكن هذا لم يحدث.

***

تصادفني صباحًا في الراديو أغنية "في حزن وسع المدى، في وجع جوّا عميق"، وأقول لنفسي، كيف للعالم أن يتآمر عليك ويخبرك بأنّ حزنك لا مناصّ منه، لا مهرب، لا جدران تستطيع حمله. أقلب المحطّة محاولةً كبح دموعي، مواسيةً نفسي بأنّه لا بدّ، أنّ مَنْ فقدنا، في مكانٍ أفضل.

الحزن واسعٌ ولا احتواء له، فعلى الرغم من انحسار الألم بفعل الحياة، بفعل اعتياد المرء على الغياب، بفعل التقبّل الّذي ندرّب أنفسنا عليه، إلّا أنّ الحزن على الفراق، على الغياب الأبديّ، لا انحسار له.

كنتُ قد أقنعت نفسي بأنّ أيّ وفاةٍ أخرى لن تجعلني أتألّم، ولن تترك أثرًا كما حدث عندما استيقظت قبل ثلاث سنوات على رسالة ليث في الخامسة صباحًا، ليخبرني: باسل مات.

***

هذه غزّة إذن، مرّةً أخرى تفجعنا بأحد أبنائها؛ فعلى الرغم من خروج محمّد منها منذ سنوات طويلة، عمله الشاقّ والمتعب، عمله الّذي لا يتوقّف، سباقه مع الوقت، سباقه مع العالم والعمر، ليتمكّن من تحقيق ما حرمه الاحتلال منه، ما سرقه منه الحصار، إلّا أنّ قلبه الكبير، الّذي عرف كيف يحبّ الجميع، وكيف يجمع أبناء الوطن داخله، وكيف يفرض حبّه عليك، لم يحتمل سوء الحياة وحزنها.

ربّما، بعد مرور الوقت، سنتذكّر محمّد بصورة أقلّ ألمًا، سننظر إلى صوره ولن نبكي، وسنكون ممتنّين لأنّه ترك لنا كلّ هذه الذكريات، لأنّه صنع لنا هذه العائلة الكبيرة الّتي تحبّه، ربّما سنتذكّره ونقول هو في مكانٍ أفضل بالتأكيد، لكنّ كلّ هذا، كلّ هذا لن يغفر للاحتلال حرماننا الجلوس سويّة، ولن يغفر للحصار ما فعله في النفس، ولن يغفر للحرب الحزن الكبير الّذي نحمله، وبالتأكيد لن ينسينا أنّنا تمنّينا القليل من الوقت، القليل فقط، لنخبره كم أحببناه.

 

 

 

 

 

 

ميساء منصور

 

 

 

كاتبة ومدرّسة للّغة عربيّة، تكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook