برامج المرافقة الأكاديميّة الإسرائيليّة... أيّ طالب فلسطينيّ تريد؟

أوليفير فيتوسي

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

شهد العقد الماضي زيادة غير مسبوقة في عدد الطلّاب الفلسطينيّين من حَمَلَة الجنسيّات الإسرائيليّة في الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة. في البيئات المتعدّدة القوميّات، فإنّ التعليم العالي بين أفراد الأقلّيّات، بعامّة، يُعَدّ ذا أهمّيّة كبيرة ومفصليّة في كيانهم الاجتماعيّ؛ إذ ثمّة اعتقاد بأنّ اكتناز التعليم العالي يمكن أن يكون عاملًا مساهمًا في تعزيز الحالة الاجتماعيّة للأفراد، فيُنظر إلى نظام التعليم العالي بصفته وسيلة للتحرّك الاجتماعيّ والمهنيّ الإيجابيّ لمجموعات الأقلّيّات[1]. في أعقاب هذا الارتفاع في عدد الطلّاب الفلسطينيّين[2]، ازدادت كذلك برامج المرافقة والدعم لهم الّتي تعدّها الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة.

الغرض من هذه المقالة تقديم قراءة نقديّة لبرامج المرافقة والدعم للطلّاب الفلسطينيّين، ووصف المفارقات الكامنة في حضورها. من ناحية، تسهم هذه البرامج بشكل كبير في تكييف الطالب الفلسطينيّ واندماجه في الحيّز الأكاديميّ الإسرائيليّ، ومن ناحية ثانية، قد تقوّض التفكير النقديّ للطلّاب الفلسطينيّين بصفتهم باحثين ومهنيّين مستقبليّين، وتثير انحيازهم للمؤسّسة الأكاديميّة الإسرائيليّة وتعاطفهم معها، وفي ذلك تأثير مباشر في إنتاجهم المعرفيّ والعمليّ. في هذه المقالة أدّعي أنّه إلى جانب نجاح برامج المرافقة في دمج الطلّاب الفلسطينيّين في الحيّز الأكاديميّ، إلّا أنّها قد تؤدّي إلى سلخهم عن هويّتهم الاجتماعيّة السياسيّة.

أودّ التركيز على مجموعة الطلّاب الفلسطينيّين الّذين يختارون دراسة القانون في «جامعة تل أبيب». ينبع الاختيار أوّلًا من تجربتي الشخصيّة خرّيجةً في «كلّيّة الحقوق»، ثمّ نشاطي مركّزةَ برنامج مرافقة ودعم لطلّاب القانون الفلسطينيّين. إضافة إلى ذلك، ينبع هذا الاختيار من افتراض أنّ هذه المجموعة تمثّل نموذجًا صريحًا لمجموعات أخرى من الطلّاب.

 

«لجنة شوحاط» ومثيلاتها

مؤسّسات التعليم العالي هي الفضاء المركزيّ عامّةً، وأحيانًا الأوّل، الّذي يلتقي فيه الطلّاب الفلسطينيّون بالمجتمع الإسرائيليّ، وتحديدًا العلمانيّ، أي مع مقابلهم القوميّ في بلادهم، اليهوديّ حامل الجنسيّة الإسرائيليّة. هذا اللقاء صاقل لشخصيّة الطالب الفلسطينيّ، حيث يكشفه لأوّل مرّة مع مجموعة متنوّعة من الصعوبات والتحدّيات الّتي ستواجهه في السنوات القادمة، والّتي قد ترافقه لبقيّة حياته في السياق الإسرائيليّ.

لم يكن هناك أيّ تمثيل فلسطينيّ بين أعضاء اللجنة [شوحاط]، كما أنّ اللجنة تصرّح بأنّ الغرض الأهمّ من دمج الطلّاب الفلسطينيّين في التعليم العالي "حيويّته" للاقتصاد الإسرائيليّ، وما مِنْ ذكر لمساهمة التعليم العالي تجاه المجتمع الفلسطينيّ نفسه...

من ناحية الدولة، ثمّة لجان مختلفة تُعنى بمناليّة التعليم العالي لِما يُسمّى "مجموعات الأقلّيّة"، ومن بينها المجتمع العربيّ، مثل «لجنة شوحاط». بدأت هذه اللجنة عملها في كانون الثاني (يناير) 2007، بهدف فحص أداء نظام التعليم العالي في إسرائيل، والتوصية بإصلاحات في إدارته. أقرّت اللجنة الحاجة إلى مواصلة تكثيف الجهود لتقريب خرّيجي المدارس الثانويّة من المجتمع الفلسطينيّ للتعليم العالي. على سبيل المثال، ذكر تقرير اللجنة أنّ "إدماج هذه المجموعات في جهاز التعليم العالي، شرط لاستمرار نموّه"[3]. وفي مكان آخر، يُذْكَر في التقرير "ولكن أكثر من حقيقة أنّ هذا الإدماج مهمّ للجهاز؛ فهو ضروريّ وحيويّ للمجتمع والاقتصاد الإسرائيليّ، في سعيهم إلى التحديث والنموّ الاقتصاديّ والمساواة".

وفي سياق هذه الاقتباسات من تقرير اللجنة، لا بدّ لنا من ذكر أنّه لم يكن هناك أيّ تمثيل فلسطينيّ بين أعضاء اللجنة، كما أنّ اللجنة تصرّح بأنّ الغرض الأهمّ من دمج الطلّاب الفلسطينيّين في التعليم العالي "حيويّته" للاقتصاد الإسرائيليّ، وما مِنْ ذكر لمساهمة التعليم العالي تجاه المجتمع الفلسطينيّ نفسه. على الرغم من هذا، يجدر الذكر أنّ إحدى نتائج تقرير اللجنة ارتفاع الميزانيّات لدعم مناليّة التعليم العالي في المجتمع الفلسطينيّ.

إلى جانب هذا النشاط من ناحية الدولة، شهدنا في السنوات الأخيرة نشاطًا مكثّفًا في هذا السياق، كذلك من قِبَل الجامعات نفسها، وقد أدّت هذه النشاطات - إلى جانب عوامل أخرى -  إلى زيادة عدد برامج المرافقة للطلّاب الفلسطينيّين، في مختلف الجامعات والكلّيّات في جميع أنحاء البلاد.

 

تحدّيات التكيّف

يواجه الطالب الفلسطينيّ تحدّيات على مستويات عدّة، من مستوى الأسرة إلى المستوى اللغويّ والثقافيّ إلى الاغتراب الوطنيّ[4]. وفقًا لتقرير صادر عن برنامج «سوا من أوّل يوم» لمرافقة الطلّاب العرب التابع لمكتب عميد الطلبة في «جامعة تل أبيب»، تواجه الطلّاب الفلسطينيّين في السنة الأولى أربعة تحدّيات رئيسيّة: تحدّي اللغة، وتحدّي الجيل، وتحدّي الانتقال إلى المدينة، وتحدّي الهويّة القوميّة.

تواجه الطلّاب الفلسطينيّين في السنة الأولى أربعة تحدّيات رئيسيّة: تحدّي اللغة، وتحدّي الجيل، وتحدّي الانتقال إلى المدينة، وتحدّي الهويّة القوميّة.

سوف أتطرّق إلى هذه التحدّيات، ثمّ ألقي النظرة على كيفيّة تعامل برامج مرافقة ودعم الطلّاب الفلسطينيّين معها. وفي النهاية سوف أفصّل ادّعائي بأنّ هذه البرامج قد تقوّض وتحدّد قدرات البحث والتفكير النقديّ عند الطلّاب الفلسطينيّين، بصفتهم باحثين ومهنيّين مستقبليّين، وفي ذلك تأثير انحيازيّ مباشر في إنتاجهم المعرفيّ والعمليّ.

 

أ. تحدّي اللغة

التحدّي الأوّل الّذي يذكره معظم الطلّاب بداية دراستهم هو التحدّي اللغويّ. ببساطة، يعيش معظم المواطنين الفلسطينيّين داخل الخطّ الأخضر في مناطق منفصلة عن المجتمع الإسرائيليّ، حيث لا يوجد سوى عشر مدن يمكن وصفها بـ "المختلطة"، وجميع التجمّعات السكنيّة الأخرى منفصلة؛ إمّا إسرائيليّة وإمّا فلسطينيّة. حيّز القرى والمدن الفلسطينيّة داخل الخطّ الأخضر يُدار بشكل حصريّ في اللغة العربيّة، واللغة العربيّة هي اللغة الأمّ للسواد الأعظم من الفلسطينيّين، ولأنّه ليس ثمّة علاقات تجاريّة ممنهجة بين الإسرائيليّين والقرى العربيّة، مقارنة بالمدن المختلطة وجزء صغير من المدن العربيّة؛ فإنّ العديد من القرى ليس في حاجة إلى ممارسة اللغة العبريّة على الإطلاق؛ لذلك تحضر إلى الحيّز الأكاديميّ الإسرائيليّ نسبة كبيرة من الطلّاب الفلسطينيّين، بلا تجربة سابقة في إدارة الحياة الاجتماعيّة أو الدراسيّة في غير اللغة العربيّة. لكنّما الحيّز الأكاديميّ الإسرائيليّ عبريّ في كلّ تكويناته ومركّباته. على الرغم من تعلّم الطلّاب الفلسطينيّين اللغة العبريّة في المدرسة، لكنّهم لم يخوضوا تجربة إدارة حياة من خلالها، ولم تسنح لهم فرصة لاستخدامها لغةً يوميّة حتّى يصلوا إلى الجامعة أو الكلّيّة.

هكذا، يواجه الطالب الفلسطينيّ لأوّل مرّة اللغة العبريّة بصفتها لغة الحيّز المادّيّ والاجتماعيّ والتجاريّ والتعليميّ في الحيّز الأكاديميّ الإسرائيليّ. يضطرّ الطالب حينذاك إلى اختيار أحد الطريقين: إمّا يتعلّم ويمارس اللغة بسرعة كافية، ليتمكّن من الاندماج في الجامعة أو الكلّيّة، قبل أن يفوته العام الدراسيّ الأوّل، وإمّا يقلّل حاجته إلى اللغة العبريّة إلى الحدّ الأدنى. يكون الخيار الثاني واردًا وأكثر ملاءمة عندما يكون الطالب نفسه يجيد اللغة الإنجليزيّة، ويمكنه إدارة حياة طالب كاملة بها. في الواقع، ينقسم الطلّاب عادةً إلى إحدى طريقين؛ وهو ما يؤثّر بشكل كبير في تجربتهم الدراسيّة ونجاحهم.

 

ب. تحدّي الجيل

يصل معظم الطلّاب الفلسطينيّين الجامعة أو الكلّيّة فور تخرّجهم في المدرسة الثانويّة. هذا بالمقارنة بالطلّاب الإسرائيليّين الّذين يدرسون معهم ويصلون الجامعة في سنّ أكبر، وعادة بعد خدمتهم العسكريّة أو بعد "الرحلة الطويلة" في شرق آسيا أو أمريكا الجنوبيّة. خلال المدرسة الثانويّة، عادةً في الصفّ الحادي عشر أو الثاني عشر، يتقدّم الطلّاب الفلسطينيّون إلى اختبارات البسيخومتري، وبعد التخرّج مباشرة يصبحون طلّابًا في الجامعة أو الكلّيّة. يتطلّب هذا التحوّل الحادّ قدرات تكيّفيّة عالية جدًّا؛ إذ إنّ بين الدراسة في المدارس الثانويّة في المجتمع الفلسطينيّ، أي في اللغة العربيّة أيضًا، والدراسة في جامعة أو كلّيّة إسرائيليّة، فرق كبير جدًّا، ويتطلّب من الطالب الفلسطينيّ التكيّف معه بسرعة كبيرة.

الانتقال إلى المدينة الكبيرة يجلب معه عبئًا اقتصاديًّا كبيرًا، وهو أعلى كثيرًا من العبء الاقتصاديّ الّذي اعتاد المرء العيش فيه في المدينة الفلسطينيّة. في حين أنّ هذه تبدو تحدّيات بسيطة تواجه كلّ شخص طوال حياته...

يشعر الطالب الفلسطينيّ بهذه الفجوة، منذ اليوم الأوّل الّذي يصل فيه الجامعة أو الكلّيّة طالبًا في سنّ الثامنة عشرة، ويلتقي بالطلبة الإسرائيليّين الّذين يبلغون الخامسة والعشرين من العمر، يجاورونه في مقاعد الدراسة ذاتها. إضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ الطالب الفلسطينيّ الّذي يأتي مباشرة من المدرسة الثانويّة، ما زال يؤمن بافتراضات ذات صلة بالحيّز المدرسيّ، لا تتناسب بالضرورة مع مؤسّسة التعليم العالي، مثل أنّ القدرات الذهنيّة تُقاس حسب الجيل؛ فأبناء جيل السابعة عشرة هم طلّاب الصفّ الحادي عشر، وأبناء جيل الثامنة عشرة هم طلّاب الصفّ الثاني عشر؛ يعني هذا أنّ الجيل يحدّد المستوى العلميّ، كما هي الحال في نظام التربية والتعليم في المدارس. هذه المعتقدات قد تشجّع لديه فكرة أنّ الطالب الإسرائيليّ، صاحب اللغة الأمّ العبريّة، والجيل المتقدّم أكثر، يتفوّق عليه منذ البداية.

 

ت. تحدّي الانتقال إلى المدينة

على الرغم من أنّني عاملت المدن الفلسطينيّة على أنّها مختلفة عن القرى، إلّا أنّ هذه المدن في الواقع أقرب إلى القرى منها إلى المدن الإسرائيليّة، أو على حدّ تعبير منار حسن "المدن الفلسطينيّة هي نوع من القرى الحامل"[5]. ونتيجة لذلك، يتفاجأ الطلّاب الفلسطينيّون عند حضورهم إلى المدينة الكبيرة تل أبيب، أو القدس أو حيفا، بأبعادها وأجوائها وروحها المختلفة جدًّا عن القرى أو المدن الفلسطينيّة داخل الخطّ الأخضر.

الانتقال إلى المدينة ينطوي على تغييرات جذريّة للغاية في أسلوب حياة الطالب الفلسطينيّ؛ أوّلًا من المهمّ ملاحظة أنّه - في معظم الأحيان - هذه أوّل تجربة له خارج بيت والديه، ومن ثَمّ يتلقّى الطالب نفسه المسؤوليّة الكاملة عن حياته، الّتي تشمل الاهتمام بالطعام والإقامة والغسيل والعمل، وجدول الأعمال بشكل عامّ. التغيير الآخر الّذي يحدث في حياة الطالب الفلسطينيّ هو المسؤوليّة الاقتصاديّة؛ فالانتقال إلى المدينة الكبيرة يجلب معه عبئًا اقتصاديًّا كبيرًا، وهو أعلى كثيرًا من العبء الاقتصاديّ الّذي اعتاد المرء العيش فيه في المدينة الفلسطينيّة. في حين أنّ هذه تبدو تحدّيات بسيطة تواجه كلّ شخص طوال حياته، إلّا أنّه من المهمّ أن نتذكّر أنّ الطالب الفلسطينيّ تواجهه جنبًا إلى جنب مع جميع التحدّيات الأخرى في نفس الوقت، دون أيّ فترة تأقلم سابقة، أو تجربة في أيٍّ منها بشكل منفصل.

 

ث. تحدّي القوميّة

هذا التحدّي الأكثر تعقيدًا الّذي يواجه الطلّاب الفلسطينيّين في الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة. إنّ التربية السياسيّة والقوميّة للفلسطينيّ محدودة للغاية في المدارس العربيّة، والطلّاب الّذين نشؤوا في بيئة مسيّسة فقط، يأتون إلى الجامعة أو الكلّيّة مع تصوّرات وطنيّة وسياسيّة واضحة وراسخة، بينما معظم الطلّاب يأتون إليها بدافع الرغبة في الاندماج في سوق العمل والاقتصاد الإسرائيليّ، بعد ذلك يميلون إلى التركيز بشكل أكبر على تطوّرهم الشخصيّ وحياتهم الشخصيّة الفردانيّة، على حساب دورهم في مشروع الإنتاج المعرفيّ الفلسطينيّ، أو في المشروع السياسيّ التثقيفيّ بعامّة.

الطلّاب من السنوات المتقدّمة، مقارنة بالطلّاب في عامهم الدراسيّ الأوّل، يبدؤون في المشاركة في الأنشطة السياسيّة المختلفة (...) والتفسير المحتمل لهذه القضيّة أنّ رغبتهم في التأقلم في المجتمع الإسرائيليّ، تتناقص مع تعرّضهم لمزيد من الاغتراب في الأوساط الأكاديميّة الإسرائيليّة...

في هذا السياق، يجب النظر في وجود ظاهرة أخرى مثيرة للاهتمام، وهي أنّ الطلّاب من السنوات المتقدّمة، مقارنة بالطلّاب في عامهم الدراسيّ الأوّل، يبدؤون في المشاركة في الأنشطة السياسيّة المختلفة، مثل الحركات الطلّابيّة الفلسطينيّة المستقلّة أو الكوادر الحزبيّة. والتفسير المحتمل لهذه القضيّة أنّ رغبتهم في التأقلم في المجتمع الإسرائيليّ، تتناقص مع تعرّضهم لمزيد من الاغتراب في الأوساط الأكاديميّة الإسرائيليّة. على سبيل المثال، عندما تقع حادثة تُصَنّف بأنّها "أمنيّة على خلفيّة قوميّة"، تزداد التوتّرات بين الطلّاب الفلسطينيّين والإسرائيليّين، حتّى الطلّاب الّذين ظنّوا أنّهم أصدقاء قبل الحادثة يشعرون بعداء معيّن، لأنّ كلّ طرف يرى الصورة بشكل مختلف. ما يحدث بالفعل أنّه خلال عامهم الأوّل، يختبر الطلّاب الفلسطينيّون حدثًا واحدًا على الأقلّ من هذا القبيل، وكجزء من الخطاب حول الحدث، يُشْعِر التوتّر الطالبَ الفلسطينيّ بأنّه "الآخر"، بغضّ النظر عن مدى محاولاته للانخراط في الحيّز الإسرائيليّ العامّ في الجامعة أو الكلّيّة. نتيجة لذلك، يختار جزء كبير من الطلّاب البقاء ضمن المجموعة الداخليّة، والتواصل مع أنشطة الكوادر السياسيّة الفلسطينيّة.

في ضوء التحدّيات الأربعة الرئيسيّة الّتي ذكرتها أعلاه، ليس من شكّ في أهمّيّة برامج مرافقة ودعم الطلّاب الفلسطينيّين، تلك الّتي ستساعدهم على التعامل مع هذه التحدّيات.

 

نموذج: برنامج المرافقة والدعم للطلّاب العرب في «كلّيّة الحقوق - جامعة تل أبيب»

سأتناول برنامج مرافقة ودعم الطلّاب الفلسطينيّين في «كلّيّة الحقوق - جامعة تل أبيب»، بصفته نموذجًا لأحد هذه البرامج المتوفّرة في عدد من الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة.

نلاحظ أنّه في السنوات الأخيرة كان ثمّة ارتفاع كبير للغاية في عدد الطلّاب العرب الفلسطينيّين الّذين يلتحقون بـ «كلّيّة الحقوق – جامعة تل أبيب». وحسب منشور على الموقع الإلكترونيّ للكلّيّة، فقد ورد أنّه "في السنوات الأخيرة، أصبح نسيج الطلّاب في الكلّيّة يقترب من إظهار التنوّع الكبير في المجتمع الإسرائيليّ".

تُشير البيانات إلى أنّه في العام الدراسيّ 2012-2013، انضمّ نحو 15 طالبًا فلسطينيًّا إلى «كلّيّة الحقوق - جامعة تل أبيب»، وتصاعد هذا العدد على مرّ السنوات، وصولًا إلى 57 طالبًا منضمًّا في العام الدراسيّ 2019-2020.

إدراكًا أنّ الطلّاب الفلسطينيّين تواجههم تحدّيات فريدة أثناء دخولهم «كلّيّة الحقوق» - وهذا ينطبق أيضًا على المجالات الأخرى بالطبع، وليس فقط القانون - وهي تحدّيات هيكليّة ولفظيّة بشكل أساسيّ، وضعت «كلّيّة الحقوق» برنامجًا لمرافقة ودعم مرتاديها من الطلّاب الفلسطينيّين. يتضمّن البرنامج مكوّنات مصمّمة حصرًا لتلبية الاحتياجات الخاصّة للطالب الفلسطينيّ، في كلٍّ من السنوات الثلاث لنيل الدرجة العلميّة، على النحو المفصّل أدناه:

في المرحلة الأولى، يتبلور تركيز البرنامج على التأقلم في «كلّيّة الحقوق»، واكتساب المهارات الدراسيّة والمساعدة الأكاديميّة والمهارات اللغويّة. يعمل البرنامج في هذه المرحلة على مستويات عدّة: قبل بداية العام الدراسيّ، يقدّم البرنامج دورة صيفيّة ينكشف فيها الطلّاب لورشات عمل حول القانون الإسرائيليّ. هي دورة تدريبيّة مكثّفة، تكشف الطالب للمواضيع الأساسيّة والمساقات الّتي سوف يدرسها في عامه الأوّل.

وخلال العام الدراسيّ، يدير البرنامج مشروع توجيه شخصيّ يمكّن الطلّاب الّذين يحتاجون إليه، بسبب التحدّيات اللغويّة، من الحصول على توجيه ومرافقة شخصيّة على مدار العام، يقدّمه مرافقون من طاقم التدريس والبحث في الكلّيّة. هذا علاوة على نشاطات أخرى مثل ورشة الإعداد والتحضير للامتحانات، ولقاءات أسبوعيّة لمراجعة الموادّ الدراسيّة، وغيرها. هذا إلى جانب المنح الدراسيّة التشجيعيّة الّتي تقدّمها الكلّيّة لطلّاب السنتين الأولى والثانية، بناءً على تفوّقهم الدراسيّ.

في المرحلة الثانية، يركّز المشروع على كشف الطلّاب ودمجهم في برامج الكلّيّة المختلفة: العيادات القانونيّة، والمجلّات البحثيّة، والتطوّع، وغيرها من الوظائف الأكاديميّة كالمساعدة البحثيّة والتعليميّة للمحاضرين. المرافقة في هذه المرحلة تشمل أيضًا المساعدة في كتابة السيرة الذاتيّة، وعمليّة البحث عن مكاتب يمكن الطلّاب التقدّم إليها من أجل التدريب والتخصّص في القطاعين العامّ والخاصّ.

على الرغم من أنّ جوهر هذا البرنامج كلّه وسبب وجوده، يرجعان إلى التفرّد الوطنيّ والثقافيّ للطالب الفلسطينيّ، ما زلنا نلاحظ أنّ المكوّن الثقافيّ - السياسيّ عنصر غائب عن مكوّنات البرنامج.

إضافة إلى النشاط العمليّ مع الطلّاب، يقدّم البرنامج أيضًا سلسلة من المحاضرات يلقيها محامون من القطاعين العامّ والخاصّ. خلال المحاضرات، يشارك المحامون قصصهم الشخصيّة ويتحدّثون عن طبيعة عملهم ونشاطهم في مجالات القانون المختلفة. الغرض من اللقاءات كشف الطلّاب على مختلف مجالات العالم القانونيّ، خلال فترة المقابلات الّتي يجتازونها في السنة الثالثة من الدراسة.

في المرحلة الثالثة، يقدّم البرنامج دعمًا للطلّاب في القبول لمكاتب القانون الأفضل من أجل التدريب فيها، جزءًا من نظام التوظيف. يقدّم البرنامج دعمًا للطلّاب في تخطيط حياتهم المهنيّة القانونيّة، مع التركيز على اختيار التخصّص المناسب والقبول إليه في السنة الثالثة.

 

تمثّل ثقافيّ... لا اندماج

يتبيّن من الوصف أعلاه لبرنامج مرافقة ودعم للطلّاب الفلسطينيّين في «كلّيّة الحقوق – جامعة تل أبيب»، أنّ ثمّة محاولات مختلفة للتعامل مع التحدّيات المتنوّعة الّتي تواجه الطلّاب ومعالجتها. من ناحية أخرى، على الرغم من أنّ جوهر هذا البرنامج كلّه وسبب وجوده، يرجعان إلى التفرّد الوطنيّ والثقافيّ للطالب الفلسطينيّ، ما زلنا نلاحظ أنّ المكوّن الثقافيّ - السياسيّ عنصر غائب عن مكوّنات البرنامج.

إضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ التعامل الّذي يبرز من برامج المرافقة والدعم، تعاملٌ مع مجموعة أقلّيّة مختلفة، وأنّ المتوقّع والمطلوب من هذه المجموعة التكيّف مع الظروف الراهنة في المؤسّسة الأكاديميّة الإسرائيليّة. وكما ذكرت، ما من إشارة في أيّ مرحلة إلى هويّة الطالب الفلسطينيّ بصفتها هويّة قوميّة وطنيّة، والتعامل معه فقط بناءً على أنّه "الآخر" أو "الأجنبيّ"، الّذي يأتي من مجتمع ضعيف ثمّة حاجة إلى مساعدته على التكيّف مع البيئة الجديدة!

نجاح البرنامج يتمثّل في النهاية في انخراط الطالب الفلسطينيّ في سوق العمل وحقل القانون الإسرائيليّ؛ وهو ما يذكّرنا مباشرة بأهداف «لجنة شوحاط» المذكورة أعلاه. يبدو أنّ برامج المرافقة والدعم تقوم على الافتراض المعلَن بأنّ الطالب الفلسطينيّ يجب أن يتعلّم التكيّف مع المؤسّسة الأكاديميّة الإسرائيليّة من أجل الاندماج فيها، ولا يوجد أيّ ذكر لأنّ هذه المؤسّسة تحتاج هي إلى أن تتكيّف مع الطالب الفلسطينيّ.

يبدو أنّ برامج المرافقة والدعم تقوم على الافتراض المعلَن بأنّ الطالب الفلسطينيّ يجب أن يتعلّم التكيّف مع المؤسّسة الأكاديميّة الإسرائيليّة من أجل الاندماج فيها، ولا يوجد أيّ ذكر لأنّ هذه المؤسّسة تحتاج هي إلى أن تتكيّف مع الطالب الفلسطينيّ.

ينقسم موضوع الاندماج في إطار بحث التربية والتعليم للمجموعات العرقيّة المختلفة، في المجتمعات المتعدّدة القوميّات، إلى أربعة أنواع مختلفة، وفقًا لنموذج بيري للتثاقُف[6]: (1) الامتصاص أو التمثّل الثقافيّ (Assimilation): يتمثّل بالقبول والانخراط في المجتمع المهيمن ونبذ المجتمع الأصليّ. (2) الاندماج (Integration): يتمثّل بالقبول في المجتمع المهيمن، مع الحفاظ على المجتمع الأصليّ. (3) الانفصال (Separation): النفور من المجتمع المهيمن، والمحافظة على المجتمع الأصليّ. (4) التهميش (Marginalization): رفض المجتمع المهيمن والأصليّ معًا.

كما بيّنت أعلاه، تدّعي برامج التوجيه أنّها تسعى إلى تشجيع الاندماج (Integration) عند الطلّاب الفلسطينيّين، لكن في الممارسة العمليّة، فإنّ نظرة ناقدة على هيكلها ومركّباتها تبرهن أنّها تشجّع على الامتصاص أو التمثّل الثقافيّ (Assimilation) أكثر من الاندماج (Integration).

 

"النقطة السوداء"

كما يتبيّن، لا يوجد أيّ عنصر في برنامج التوجيه يشجّع الطلّاب على الحفاظ على ارتباطهم الاجتماعيّ الوطنيّ بالمجتمع الّذي أتوا منه. علاوة على ذلك، لا يوجد أيّ ذكر لمنظومة القوى، الّتي تقوم عليها العلاقة بين المجتمع الفلسطينيّ والطابع الصهيونيّ للأكاديميّة الإسرائيليّة، وهذا يصبح أكثر أهمّيّة عند دراسة التحدّي السياسيّ والوطنيّ، الّذي ينشأ في سياقه الطلّاب الفلسطينيّون.

تُشير نسبة كبيرة من طلّاب السنة الأولى إلى تحفّظات حول المشاركة والنشاط في الأحداث السياسيّة في الجامعات والكلّيّات، خوفًا من تهديد مواصلة دراستهم، ويؤكّد بعضهم حتّى على قلقهم إزاء مستقبلهم. هذه الحقيقة مستمدّة من الإشراف الاجتماعيّ والسيطرة على التاريخ الوطنيّ الفلسطينيّ، ويؤثّر هذا القلق أيضًا في التاريخ الشخصيّ للطالب؛ إذ يُبلوِر مسار حياته المهنيّة وخياراته الشخصيّة والاجتماعيّة، ويُبلوِر تجاربه وتحدّياته في الأوساط الأكاديميّة الإسرائيليّة. طوال سنوات نموّه ومراهقته، حُذِّر الشابّ الفلسطينيّ من المشاركة السياسيّة، إن كان من الفضاءات الاجتماعيّة الّتي يترعرع فيها، أو الحيّز العائليّ، أو البيئة المدرسيّة، أو المجتمع بعامّة؛ جميعها تربّيه على رسالة مفادها أنّ المشاركة السياسيّة الوطنيّة قد تؤشّر عليه بصفته مشتبهًا في أعين جهاز الأمن العامّ «الشاباك».

على سبيل المثال، أتذكّر العديد من القصص الّتي رُوِيت لي في المدرسة الثانويّة، عن الطلّاب الّذين جرى "التأشير عليهم" من قِبَل «الشاباك» بـ "نقطة سوداء". وتعني هذه "النقطة" المراقبة المستمرّة والتدخّل النشط المصمّم لمنع تطوّرهم الشخصيّ، عبر منع  قبولهم في الجامعات والكلّيّات مثلًا، أو تعليقه. من المحادثات الّتي أجريتها مع الطلّاب الفلسطينيّين جزءًا من نشاطي بصفتي مركّزة في برنامج المرافقة والدعم، علمت أنّ قصص "النقطة السوداء" ظاهرة منتشرة تؤثّر في العديد من الشباب الفلسطينيّ. إنّ التركيز على الدراسة المهنيّة والوظائف الشخصيّة، حتّى في السياق الأكاديميّ، يؤدّي إلى الابتعاد عن البحث والعمل النقديّ الّذي يمكن أن يكون "خطيرًا"، ومن ثَمّ يؤدّي إلى "النقطة السوداء" نفسها؛ وبالتالي فإنّ الرقابة والسيطرة الاجتماعيّة تقيّدان التفكير التفكيكيّ والنقديّ بين هؤلاء الطلّاب.

قصص "النقطة السوداء" ظاهرة منتشرة تؤثّر في العديد من الشباب الفلسطينيّ. إنّ التركيز على الدراسة المهنيّة والوظائف الشخصيّة، حتّى في السياق الأكاديميّ، يؤدّي إلى الابتعاد عن البحث والعمل النقديّ الّذي يمكن أن يكون "خطيرًا"...

إذا كان الأمر كذلك، فإنّ التعليم الأكاديميّ الإسرائيليّ، وأساليب التدريس فيه، يؤثّر في تطوّر الطالب الفلسطينيّ باحثًا ومهنيًّا، وفي كيفيّة ارتباطه بإنتاج المعرفة. مثل الفكرة الكامنة وراء "النقطة السوداء" وإسقاطاتها على الطالب، قد تكون الأوساط الأكاديميّة نفسها هي الّتي تحدّ من التفكير التفكيكيّ والنقديّ بين هؤلاء الطلّاب؛ بما معناه، ربّما تعزّز الجامعة أو الكلّيّة التميّز الأكاديميّ الفردانيّ، وتعزّز قيم النجاح والتأثير الاقتصاديّ على حساب المصالح الاجتماعيّة. ومن ثَمّ، بدلًا من كونها موقعًا للتفكير المدنيّ والسياسيّ، وربط القضايا الاجتماعيّة والقانونيّة ببعضها، وتثقيف حقوقيّين وناشطين اجتماعيّين بواسطة آليّات القانون، فإنّها تصبح أداة لتعزيز الاغتراب والانسلاخ المجتمعيّ، من أجل المصلحة الفردانيّة.

في هذا السياق، من المثير للاهتمام ملاحظة أنّه على الرغم من أنّ النسبة المئويّة للطلّاب الفلسطينيّين في الجامعات والكلّيّات الإسرائيليّة تتزايد، إلّا أنّ الجزء الأكبر من الزيادة يكون في الكلّيّات والأقسام الدراسيّة الّتي تضمن موقعًا في السوق، أي وظيفة. لا يمكن ملاحظة هذا الارتفاع في الأقسام الدراسيّة الّتي تُعنى بدراسة النظريّة والنقد، كما هي الحال في العلوم الإنسانيّة والأدبيّة والاجتماعيّة على سبيل المثال. هذه الحقيقة مرتبطة بالظاهرة نفسها الّتي ذكرتها أعلاه؛ إلى جانب الاعتبارات الاقتصاديّة، يجري اختيار مجال الدراسة في ظلّ تهديد "النقطة السوداء"، المؤشّرة والمحذّرة للطالب الفلسطينيّ، على عدم المخاطرة بدراسة مجال نظريّ نقديّ.

إنّ قصص "النقطة السوداء"، والشعور بالإشراف والمراقبة الّذي تخلقه، تخلق نوعًا من «البانوبتيكون الفوكوياني» الشموليّ الّذي يحيط بالطالب الفلسطينيّ طوال تجربته الأكاديميّة، ويتحكّم في خياراته لمسيرة حياته البحثيّة والمهنيّة. من ناحية، الدراسة باللغة العبريّة تحدٍّ بالنسبة إليه، وهو يبحث عن أطر لممارسة لغته الأمّ، اللغة العربيّة. ومن ناحية أخرى، فإنّ المشاركة في مثل هذه الأطر تستلزم أيضًا المشاركة السياسيّة؛ لأنّ معظمها يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالكوادر السياسيّة والوطنيّة في الجامعة، مثل الكوادر الطلّابيّة للأحزاب العربيّة؛ كادر «جفرا - التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ» وكادر «الجبهة الطلّابيّة»، و«حركة رؤية» الإسلاميّة. كلّ مشاركة في أحد هذه الكوادر تستحضر الكيان السياسيّ المستمرّ للطالب؛ وهو ما قد ينفّره منها.

تقيّم الكوادر السياسيّة الفلسطينيّة الطالب وفقًا لمستوى نشاطه ومشاركته السياسيّة، بينما زملاؤه الإسرائيليّون، يقيّمونه نسبة إلى مدى ابتعاده عن المشاركة السياسيّة...

من منظور آخر للقضيّة، يمكن ملاحظة أنّ الطالب نفسه يتعرّض لانتقادات من كلا الجانبين؛ الفلسطينيّ والإسرائيليّ في الحيّز الأكاديميّ، حيث تقيّم الكوادر السياسيّة الفلسطينيّة الطالب وفقًا لمستوى نشاطه ومشاركته السياسيّة، بينما زملاؤه الإسرائيليّون، يقيّمونه نسبة إلى مدى ابتعاده عن المشاركة السياسيّة، والوقوف على الحياد السياسيّ. يُشْتَرَط على الطالب الفلسطينيّ أن يكون حذرًا في اختياراته؛ إذ يُفحَص من كلا الاتّجاهين والإشراف الاجتماعيّ والسيطرة عليه، وهذا يؤثّر في مشاركته السياسيّة، ومن ثَمّ في قدرته على أن يتحوّل إلى باحث أو مهنيّ ناقد أو مسيّس.

 

آليّات جديدة... بديلة ومستقلّة

لا شكّ في مساهمة برامج المرافقة والدعم للطلّاب الفلسطينيّين في فتح الأبواب لهم، ونجاحها النسبيّ في ذلك، ومع ذلك فلا بدّ لنا من طرح السؤال حول التربية للتفكير النقديّ وقيم الانتماء المجتمعيّ والوطنيّ، وهي قيم بالغة الأهمّيّة لتقدّم المجتمع الفلسطينيّ.

ويتبيّن من إلقاء نظرة على مختلف مكوّنات برنامج المرافقة والدعم للطلّاب الفلسطينيّين في «كلّيّة الحقوق - جامعة تل أبيب»، أنّ معظم الجوانب تؤكّد محاولات البرنامج لدفع الطلّاب للامتصاص والتمثّل الثقافيّ، والانخراط في سوق العمل القانونيّ في إسرائيل. الطموح والرغبة في دمج الطلّاب في الأنشطة المختلفة للكلّيّة، ومرافقتهم في عمليّة القبول للتخصّصات، واستيعابهم في المجتمع المدنيّ، نشاطات غاية في الأهمّيّة في السياق الفردانيّ والتطوّر الشخصيّ للطالب، وفي هذا السياق هو توجّه مُرَحَّب به، لكن في غياب الإعداد النقديّ، يمكن هذه الخطوة أن تصبح تهديدًا على الهويّة الوطنيّة والثقافيّة للطلّاب الفلسطينيّين، ثمّ على إنتاجهم البحثيّ والمهنيّ النقديّ.

نجح برنامج المرافقة والدعم للطلّاب الفلسطينيّين، في «كلّيّة الحقوق - جامعة تل أبيب»، في القيام بالخطوة الأولى، وهي الإتيان بالطلّاب الفلسطينيّين إلى الكلّيّة ودمجهم فيها. الآن، التحدّي هو في المرحلة الثانية: منحهم صوتًا، والاستفادة منه لزيادة قدرة الكلّيّة على أن تكون مساحة حاسمة، تُثَقِّف للتغيير الاجتماعيّ من خلال الأدوات والآليّات القانونيّة.

معظم الجوانب تؤكّد محاولات البرنامج لدفع الطلّاب للامتصاص والتمثّل الثقافيّ، والانخراط في سوق العمل القانونيّ في إسرائيل...

هذا البرنامج نموذج بإمكانه على برهنة نجاحه، من خلال صوت طلّابه ونجاحهم وتميّزهم في السنوات الأخيرة، لكن في التفكير البعيد الأمد، حول مستقبل الطالب الفلسطينيّ، إن كان في دراسة القانون، أو في دراسة أيّ موضوع آخر، فلا بدّ من بناء آليّات جديدة وتأسيسها، وربّما بديلة ومستقلّة، لإكسابه الأدوات النقديّة المطلوبة، من أجل بناء جيل جديد من الباحثين والمهنيّين القادرين على قيادة حقل الإنتاج المعرفيّ والمهنيّ الفلسطينيّ بطريقة نقديّة، في المستقبل القريب.

..........

إحالات:

[1] Mariam David, “Equity and diversity: towards a sociology of higher education for the twenty‐first century?”, British Journal of Sociology of Education, 28(5) (2007), pp. 675-690.‏

[2] لا تستخدم مؤسّسات التعليم العالي الإسرائيليّة تعريف "فلسطينيّة/ ة" في وصف الطلّاب الفلسطينيّين حملة الجنسيّة الإسرائيليّة، إنّما تستخدم ألفاظًا مثل "العرب" أو "أبناء الأقلّيّات" أو تصفهم وفق التصنيف الطائفيّ المُعْتَمَد في الخطاب الرسميّ الإسرائيليّ.

[3] “Report of the public committee of examination of the organizational structure of higher education institutions in Israel”, 21/02/2007, Retrieved from: https://bit.ly/2RIIkue [Hebrew].

[4] Daphna Golan & Nadera Shalhoub-Kevorkian, “Community-engaged courses in a conflict zone: A case study of the Israeli academic corpus”, Journal of peace education, 11(2) (2014), pp.181-207.‏

[5] Manar Hassan, Invisible: Women and the Palestinian Cities, Tal Kochavi, (Jerusalem: Van Leer, 2017) [Hebrew].

[6] John W.Berry, “Immigration, acculturation, and adaptation”, Applied psychology, 46(1) (1997) , pp. 5-34.‏

 

 

آلاء حاجّ يحيى

 

 

محامية، مركّزة برنامج مرافقة الطلّاب العرب في «كلّيّة الحقوق - جامعة تل أبيب» (2017 - 2020). حاصلة على البكالوريوس والماجستير في المحاماة وعلم الاجتماع والإنسان. زميلة بحث في «جامعة ييل»، الولايات المتّحدة.

 

 

تعليقات Facebook