أداء فلسطين – مقاومة الاحتلال وإعادة إنعاش هويّة القدس الاجتماعيّة والثقافيّة عبر الموسيقى والفنون

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

نُشِرَت هذه المقالة البحثيّة بالإنجليزيّة في العدد 25 من مجلّة «Jerusalem Quarterly»، الصادرة عن «مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة» في شتاء 2006، تحت عنوان «التعبير عن فلسطين: مقاومة الاحتلال وإحياء الهويّة الاجتماعيّة والثقافيّة للقدس، من خلال الموسيقى والفنون»، دون نسخة مترجمة للعربيّة.    

نعاود في فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة نشر المقالة مترجمةً إلى العربيّة بعد 15 عامًا، لتحقيقها قيمةً أرشيفيّة وتأريخيّة علميّة، لباحث من خارج فضاء الصراع. ولا سيّما أنّ المقالة تسلّط الضوء على الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في مدينة القدس ومحيطها، بصفته فعلًا مقاومًا، في ظلّ «انتفاضة القدس والأقصى»، حتّى قمعها وإنهائها تمامًا عام 2005. يمكّن نشر هذه المقالة من عقد مقارنة بين المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ، المقدسيّ تحديدًا، في ذلك الحين، وبين واقعه الآنيّ، بحثًا عن الّذي تغيّر وتطوّر، إن كان في مستوى الفاعلين الفلسطينيّين، أفرادًا ومؤسّسات، أو المجتمع الفلسطينيّ وتعاطيه مع الشأن الثقافيّ، أو السلطات الرسميّة الفلسطينيّة، أو في مستوى الاستعمار الإسرائيليّ وتفعيل أدوات هيمنته.

[الصور المرفقة جودتها كما وردت في الأصل].

 

مقاومة الاحتلال بالموسيقى والفنون

تتّخذ مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ أشكالًا عديدة، من أنواع العصيان المدنيّ اليوميّة، حتّى الاشتباك المباشر مع قوّات الاحتلال. بحث الفلسطينيّون الّذين يرزحون تحت الاحتلال عن طرق لا تُعَدّ لمقاومة المشهد الاجتماعيّ السياسيّ الراهن[1]، ويكمن أحد الميادين المبهرة للمقاومة الاجتماعيّة والثقافيّة في حقلَي الثقافة الشعبيّة والفنون. على الرغم من أنّ الموسيقى والتأدية الموسيقيّة أُهْمِلَتا في أحيان كثيرة، لاعتبارهما ظاهرتين مُصاحِبَتَيْن ثانويّتين في الأدبيّات الّتي تناولت الهويّة والوطنيّة الفلسطينيّة، إلّا أنّ دراسات جديدة عن الشرق الأوسط، بدأت - في إعادة صبّ اهتمامها على كيفيّة تشكيل الثقافة الشعبيّة والتأدية الفنّيّة - صيغًا جوهريّة للتفاوض، بشأن السلطة والمقاومة والتفاعل الاجتماعيّ والهويّة[2]. بالاتّساق مع هذا النهج، تسلّط هذه الدراسة الضوء على الجمعيّات الثقافيّة، والمؤسّسات غير الحكوميّة، والمشاريع المستقلّة المعاصرة الّتي تسعى إلى إعادة إحياء القدس، واستعادة مكانتها عاصمةً ثقافيّة للشعب الفلسطينيّ. وتمثّل هذه الموجة الجديدة من النشاط الثقافيّ في القدس (على شكل مهرجانات موسيقيّة، وسينمائيّة، وفنّيّة، وحفلات موسيقيّة، وندوات)، تمثّل جبهة مهمّة على الرغم من إهمالها في الغالب، في النضال من أجل تقرير المصير الفلسطينيّ، والاستمراريّة الثقافيّة للمجتمع الفلسطينيّ.

 

الصفحة الأولى من المقالة بصيغتها الإنجليزيّة المنشورة في «Jerusalem Quarterly»

 

وكان تطوير المؤسّسات الثقافيّة على مدار الـ 15 عامًا المنصرمة - ولا يزال - يحظى بتأثير حقيقيّ في الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة في فلسطين، ويمثّل نموذجًا مهمًّا للمقاومة المدنيّة غير العنفيّة للاحتلال. وضمن هذه المناورة، تحمل البرامج الثقافيّة الّتي تستهدف تعليم الجمهور الفلسطينيّ وترفيهه وتثقيفه، شعورًا بالفخر الوطنيّ وإحساسًا بالانتماء المجتمعيّ. علاوة على ذلك، وفّرت هذه البرامج مُتَنَفَّسًا بنّاء لمعالجة مشاعر الفقدان والاكتئاب، ونزع الحيازة الّتي يسبّبها الاحتلال. وكما أخبرني أحد الأساتذة في «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»: "كلّ ساعة أُدرّس فيها طالبًا هي ساعة لا يكون خلالها في الشارع... من خلال الموسيقى يمكنني حثّ هؤلاء الأطفال على التخلّي عن الحجارة، وحمل آلة موسيقيّة بدلًا من ذلك"[3].

لكنّ الهدف الرئيسيّ من هذه المقالة، لا ينتهي بمجرّد وصف المحاولات لإعادة إحياء الحياة الثقافيّة في القدس والضفّة الغربيّة، بل توسيع آفاق التصوّر المفاهيميّ لأدوات المقاومة الفلسطينيّة وأساليبها؛ فبالمقارنة بمناخ الغضب الطاغي على ما تبثّه وسائل الإعلام العالميّة، يُغْفَل المنسوب الأعلى من النضالات الاجتماعيّة والثقافيّة غير العنفيّة، في الصحافة الأجنبيّة، إذ تتألّف المداولة الفلسطينيّة اليوميّة للحياة تحت الاحتلال، ممّا هو أكثر من رمي الحجارة والمظاهرات. وهي تتضمّن أيضًا تشييد جسور ثقافيّة، وإلهامًا للإنتاج الفنّيّ، وخلقًا للحظات من الأمل والإنجاز في حياوات الأطفال الفلسطينيّين وعائلاتهم. من خلال برامج ثقافيّة وفنّيّة متعدّدة، يستطيع الفلسطينيّون تقويض سيطرة الاحتلال عليهم، واتّخاذ موقف رياديّ لمكافحة التحوير الثقافيّ والاجتماعيّ للقدس وسكّانها الأصليّين.

على وجه التحديد، ستركّز هذه المقالة على ثلاث مؤسّسات ثقافيّة: »معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى«، و»مركز الفنّ الشعبيّ«، و»يبوس للإنتاج«. تعمل هذه المؤسّسات على تقويض سيطرة الاحتلال المادّيّة والثقافيّة، فضلًا على تعزيز الحياة الثقافيّة عبر الموسيقى والرقص والفنون والأفلام وتطويرها. علاوة على ذلك، لكلٍّ منها دورها الفعّال في تطوير العديد من المهرجانات الموسيقيّة والسينمائيّة والفنّيّة في القدس والضفّة الغربيّة. أضحت هذه المهرجانات بالغة الشهرة، وتوفّر رؤًى قيّمة حول كيفيّة عمل الثقافة الشعبيّة على تيسير التفاعل المجتمعيّ وتكوين الهويّة الجماعيّة. مع ذلك، يجب أن يُنْظَر إلى الأمثلة المذكورة هنا على أنّها نماذج مصغَّرة جدًّا لمشروع اجتماعيّ أضخم كثيرًا، تقوده منظّمات شعبيّة متعدّدة، من أجل الحفاظ على الممارسات الثقافيّة الفلسطينيّة الأصلانيّة، وتوسيعها.

 على مدار 70 عامًا خلت، وبالعودة إلى التسجيلات الميدانيّة الأرشيفيّة الأولى للموسيقى في فلسطين، نجد أنّ الموسيقى والتأدية الموسيقيّة مثّلتا نمطين نموذجيّين لتكوين الهويّة الجماعيّة الفلسطينيّة ومقاومة الاحتلال الاستعماريّ

 

الموسيقى الفلسطينيّة وفنون المقاومة

يجب أن تُفْهَم الاتّجاهات الجديدة للنضال الثقافيّ الّتي أهتمّ بها في هذه الورقة، ضمن خطاب مقاومة فلسطينيّ أوسع؛ فعلى مدار 70 عامًا خلت، وبالعودة إلى التسجيلات الميدانيّة الأرشيفيّة الأولى للموسيقى في فلسطين، نجد أنّ الموسيقى والتأدية الموسيقيّة مثّلتا نمطين نموذجيّين لتكوين الهويّة الجماعيّة الفلسطينيّة ومقاومة الاحتلال الاستعماريّ[4]. أدّت التأدية الموسيقيّة الأصلانيّة دورًا اجتماعيًّا وثقافيًّا مهمًّا ضمن المكوّنات المحلّيّة والإقليميّة والوطنيّة. على سبيل المثال، كان الموسيقيّ/ المغنّي/ الشاعر الّذي عُرِفَ دوره بالمحكيّة بالشعر المرتجل، أو الحادي، شخصيّة محوريّة في الاستعراض الحيّ في المجتمع، حيث كان يؤدّي فنّه في الأعراس الأصلانيّة التقليديّة، وحفلات الخطوبة، واحتفالات الطهور، وغيرها من المناسبات الدينيّة والتقويميّة. وأُلْقِيَ الشعر المرتجل في معظمه، فوق الأنماط الموسيقيّة الأساسيّة وداخلها، مثل الدلعونا والعتابا والجفرا، الّتي شكّلت في ما بعد أساس تطوير أغنية الانتفاضة الفلسطينيّة. على وجه التحديد، كان دور الشعر الترفيه وإلهام المجتمع، من خلال ارتجال الكلمات الأبرز اجتماعيًّا، والتعليقات السياسيّة على مجموعة متنوّعة من القضايا. كان أكثرها شيوعًا الأغاني الّتي تمدح الأبطال التاريخيّين، والّتي تحيي ذكرى أحداث معيّنة، وتمجّد المجتمع المحلّيّ والأمّة والأرض والشعب. ضمن بيئات الاستعراض هذه (من خلال الغناء والرقص الجماعيّين)، كان المشاركون يجتمعون معًا لتكوين العلاقات وتحويلها، وتأكيد هويّتهم المحلّيّة، وفهرسة الأحداث التاريخيّة والتجارب الجماعيّة الّتي تجعلهم مجتمعًا. وكان معنى أن تكون فلسطينيًّا يتحدّد إلى حدّ كبير من خلال التعبير المستمرّ عن هذه الطقوس والممارسات الثقافيّة الموسيقيّة، كما يتّضح من رقصات الدبكة والسحجة والحِدايَة[5]. كان للتفاعل المجتمعيّ الّذي عزّزته التأدية الموسيقيّة تأثير بالغ القوّة داخل الحدود الاجتماعيّة والجغرافيّة وعبرها. من خلال النشاط المادّيّ والرمزيّ للبيئة الموسيقيّة، كان الأفراد يشكّلون ويتحدّون ويعزّزون العديد من المصطلحات الّتي عرّفتهم مجتمعًا، وسط الضغوط الهائلة للانتهاك الاستعماريّ.

بعد عام 1967، نشأت حركة واسعة النطاق تسعى إلى الحفاظ على التراث الشعبيّ، والموسيقى، والفنون، والعادات والتقاليد الفلسطينيّة. وتَصَدَّر هذه الحركة أساسًا شباب وطنيّون يسعون إلى إعادة تشكيل الماضي «الفلكلوريّ» الفلسطينيّ في خدمة الدولة الوطنيّة المنشودة. وسرعان ما كرّست الجمعيّات السياسيّة الفلسطينيّة الرسميّة وغير الرسميّة، في جميع أنحاء الأراضي المحتلّة والعالم العربيّ، موارد جمّة لإنتاج الإرثيّات الفلكلوريّة (كالتطريز، والموسيقى، والأدب، والشعر، والحرف اليدويّة، إلخ). وأنتج المؤرّخون والشعراء والفنّانون الوطنيّون مجلّدات من النصوص المتخصّصة بالتأريخ للشعب الفلسطينيّ وماضيه ونضالاته ضدّ الهيمنة الأجنبيّة، بوصفها جزءًا من المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، اتّسمت هذه الوثائق بطابع انتقائيّ إلى حدّ كبير في تقديمها؛ إذ كان يُنْظَر فيها إلى الشعب الفلسطينيّ على أنّه متجانس تاريخيًّا، أي موحّد أصلانيًّا وروحيًّا وفعليًّا[6]. وفي عمليّة التأميم هذه، كانت الموسيقى والتأدية الموسيقيّة مركزيّتين في التعبير عن نوع من النقاء الجماليّ الفلسطينيّ المعرّف بممارسات القرية التقليديّة. وكان أقوى هذه الممارسات يكمن في تصنيف الرقص الخطّيّ الفلسطينيّ، أو الدبكة وألحانها وإيقاعاتها وخطواتها المناسبة الّتي أُعيد تشكيلها في كينونة ثقافيّة موحّدة. ورغم أنّ الأدلّة الأرشيفيّة تشير إلى وجود طيف واسع من ممارسات الدبكة في جميع أنحاء بلاد الشام، إلّا أنّ الفلكلوريّين في هذه الفترة كانوا مصرّين تمامًا على الطرق «الأصيلة» الّتي يجب أن تؤدّى بها الدبكة. ومن خلال إصداراتهم المختلفة، وضع العديد من الباحثين والفلكلوريّين الفلسطينيّين نصب أعينهم، مهمّة «وضع سياسات» النشاط الفنّيّ في الضفّة الغربيّة والشتات المجاور، في محاولة لتعريف الفلكلور الفلسطينيّ «الأصليّ» والحفاظ عليه[7]. مع ذلك، من حيث الشكل والمحتوى والجماليّات، فإنّ ما حوفِظَ عليه في الواقع كان متأثّرًا في الغالب بالتكوين الاجتماعيّ والانتماء السياسيّ وجغرافيا المكان، وبالتركيز على الممارسات القرويّة في الضفّة الغربيّة قبل عام 1948.

وضمن هذا المجتمع الكوزموبوليتانيّ الناشئ حديثًا، ظهر كلّ من «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»، و«يبوس للإنتاج»؛ إذ بحث عشّاق الثقافة من المثقّفين والموهوبين عن طرق للزجّ بفلسطين في المشهد الفنّيّ العالميّ.

وبحلول أوائل الثمانينات، أعاد الموسيقيّون والشعراء الفلسطينيّون صياغة الكثير من أنواع الأغاني الأصلانيّة ذات الطابع التشاركيّ، وحوّلوها إلى أغانٍ وطنيّة تصلح للإنتاج والتوزيع الضخمين. وأتاح اختراع شريط «الكاسيت» الموسيقيّ للمغنّين والشعراء الفلسطينيّين بثّ أغانيهم في أنحاء الضفّة الغربيّة والشتات المجاور. وعلى مدار أعوام الانتفاضة الأولى (1987-1993)، نما أنموذج أغاني المقاومة هذا تصاعديًّا، ولا يزال يتمتّع حتّى يومنا هذا بشعبيّة في أوساط الشباب الفلسطينيّ في جميع أنحاء المنطقة. وتتوفّر شرائط «كاسيت» موسيقيّة تبلغ 20 عامًا من العمر، لأشهر مغنّي المقاومة مثل سميح شقير، وأحمد قعبور، و«فرقة العاشقين»، و«فرقة بلدنا»، في الأكشاك المحاذية للشوارع حتّى اليوم. وفي حين أنّ هؤلاء الموسيقيّين أنفسهم قد وجدوا صعوبة كبيرة في عبور الحدود الدوليّة (أعربيًّا كان ذلك أم عالميًّا)، إلّا أنّ موسيقاهم وأصواتهم كانت تُسْمَع بسهولة في كلّ منطقة عبر تسجيلات غير مرخّصة رخيصة الثمن. وتبقى الآثار الثقافيّة لهذه الأشرطة في سيرورة تعزيز الانتماء الوطنيّ لدى الشباب الفلسطينيّ، وتأريخ النضال الفلسطينيّ وإحيائه، موضوع أبحاث مستقبليّة[8]. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّه في كلّ مرحلة من مراحل التاريخ الفلسطينيّ، أدّى الموسيقيّون والكتّاب وفنّانون آخرون دورًا أساسيًّا في النضال من أجل تقرير المصير.

وفي السنوات الّتي تلت توقيع «اتّفاقيّة أوسلو» (1994-2000)، تغيّرت الجماليّات الثقافيّة في الضفّة الغربيّة بشكل هائل. نتيجة لذلك، استُبدل انتشار موسيقى المقاومة بأغاني المصالحة والسلام والتعاون[9]. وفي مختلف أنحاء الضفّة الغربيّة، انفتح المجتمع الفلسطينيّ بشكل لا بأس فيه على الإعلام الخارجيّ (الموسيقى، والأفلام، والأدب)، وعلى الاستهلاك الثقافيّ (مقاهي الإنترنت، ودور عرض الأفلام، والمطاعم العالميّة، ومراكز التسوّق)، وتغيّرت الحياة الثقافيّة خاصّة في أماكن مثل القدس ورام الله وبيت لحم، حيث سعت طبقة وُسْطى كوزموبوليتانيّة متنامية إلى الوصول إلى وسائل الإعلام الغربيّة. وازدهر مسعى مؤسّسات ثقافيّة حديثة النشوء تخضع للرعاية المباشرة من «السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة» أو المنظّمات الأجنبيّة غير الحكوميّة، في إعلاء أشكال ثقافيّة جديدة. وأمست دروس رقص الباليه، وأفلام الكونغ فو، والمسلسلات الأميركيّة، ذات شعبيّة متزايدة. وأدّى انتشار القنوات الفضائيّة والإنترنت إلى توسيع دائرة السلع الثقافيّة المتاحة، ما تسبّب بانفتاح مجتمعات كانت مغلقة سابقًا على عالم كوزموبوليتانيّ. وبدأت عروض الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة تُعْقَد في القدس، وشُيِّدَت مسارح ثقافيّة ومتاحف فنّيّة حديثة على مستوى التقدّم الجاري في بيت لحم ورام الله.

وضمن هذا المجتمع الكوزموبوليتانيّ الناشئ حديثًا، ظهر كلّ من «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»، و«يبوس للإنتاج»؛ إذ بحث عشّاق الثقافة من المثقّفين والموهوبين عن طرق للزجّ بفلسطين في المشهد الفنّيّ العالميّ. وكان إنشاء معهد موسيقيّ وطنيّ لتعليم الشباب والأطفال الفلسطينيّين الموسيقى الغربيّة الكلاسيكيّة والعربيّة، بمنزلة خطوة منطقيّة لتعزيز الجماليّات الكوزموبوليتانيّة والممارسات الفنّيّة. وعلى النحو ذاته، عبر استقدام أفضل الموسيقيّين العالميّين لتقديم عروض في القدس، بدأت «يبوس للإنتاج» بتغذية السلوكيّات الجماليّة لمجتمع كوزموبوليتانيّ اعتاد أنماط الموسيقى العالميّة أكثر من اعتياده على الموسيقى التشاركيّة المحلّيّة الّتي سادت لدى الأجيال السابقة. علاوة على ذلك، عبر إنشاء منظّمات ثقافيّة فلسطينيّة حصرًا، كان مديرو هذه المؤسّسات يوفّرون المناليّة للفنون ووسائل الإعلام الدوليّة بما يتجاوز المشهد الثقافيّ الإسرائيليّ.

الخنق للمجتمع الفلسطينيّ والاستدخال للمخالطيّة الاجتماعيّة المشتركة، الّتي فرضتها شبكة من حواجز التفتيش الإسرائيليّة والقيود المفروضة على الحركة، هو بالضبط حيثيّة السيطرة الّتي تدّعي المنظّمات الثقافيّة المذكورة في هذه المقالة محاربتها.

في أعقاب انهيار عمليّة السلام مع انطلاق انتفاضة الأقصى في أيلول (سبتمبر) 2000، عاد المجتمع الفلسطينيّ بسرعة إلى الوضعيّة الثوريّة السابقة؛ إذ أدّى حظر التجوال والإغلاقات والعنف وتقييدات الحركة، إلى تعطّل صارخ لحياة المجتمع الفلسطينيّ. وفعليًّا، أُغْلِقَ جميع دور السينما، والمقاهي، والمساحات العامّة الأخرى المخصّصة للاستهلاك الثقافيّ والاجتماعيّ، وأُجْبِرَ الجمهور الفلسطينيّ على المكوث في المنازل لمشاهدة أحداث الانتفاضة الجديدة تتفتّح على القنوات الفضائيّة. وكان لـ «الاستدخال الاجتماعيّ» هذا، تأثير دائم وعميق في المجتمع الفلسطينيّ[10]؛ إذ شُلَّت حركة العائلات، وأصبح أفرادها يعتمدون فقط على التلفاز والأفلام وألعاب الفيديو والإنترنت، للوصول إلى العالم الخارجيّ. وهذا الخنق للمجتمع الفلسطينيّ والاستدخال للمخالطيّة الاجتماعيّة المشتركة، الّتي فرضتها شبكة من حواجز التفتيش الإسرائيليّة والقيود المفروضة على الحركة، هو بالضبط حيثيّة السيطرة الّتي تدّعي المنظّمات الثقافيّة المذكورة في هذه المقالة محاربتها.

 

«معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»

منذ تأسيسه عام 1990، يدرّس «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى» الموسيقى العربيّة والغربيّة الكلاسيكيّة، لطلّاب فلسطينيّين يسكنون في القدس والضفّة الغربيّة. ومع أنّ الدورة الافتتاحيّة ضمّت 40 طالبًا وثلاثة مدرّسين فقط، فإنّ المعهد يحتفي اليوم بأكثر من 400 طالب، و22 مدرّسًا يتوزّعون على ثلاثة أفرع (في بيت لحم، والقدس، ورام الله)[11]. وعلى مدار كلّ عام دراسيّ، ينظّم المعهد مئات النشاطات، وسلسلة عروض موسيقيّة أسبوعيّة، ودورات رئيسيّة، وحفلات موسيقيّة صغيرة، ومعسكرات صيفيّة للتدريب الموسيقيّ، ونشاطات طلّابيّة أخرى. ويتمثّل الهدف الأساسيّ للمعهد بتوفير تدريب موسيقيّ لمعلّمي المدارس في الإطار المحلّيّ، والطلّاب الفلسطينيّين الشباب الّذين لولا خدمات المعهد ما كان بإمكانهم الوصول إلى فرصة دراسة الموسيقى[12]. إضافة إلى ذلك، أسهم المعهد بشكل كبير في تطوير المشهد الموسيقيّ الفلسطينيّ المحلّيّ، عبر إنشاء مناهج دراسيّة موسيقيّة في مدارس المنطقة، معزّزًا الوعي العامّ تجاه الموسيقى ومكانتها، ومؤمّنًا منحًا لفنّانين فلسطينيّين يافعين وموهوبين، للدراسة في الخارج.

مع ذلك، يكمن المشروع الأكثر طموحًا للمعهد، في تشكيل أوركسترا سيمفونيّة وطنيّة مؤلّفة بالكامل من موسيقيّين فلسطينيّين من جميع أنحاء العالم. وهذا المشروع الّذي بدأ تدريباته الرسميّة في خريف 2005، يجسّد الجولة الدوليّة الأولى لأوركسترا فلسطينيّة بالكامل. وعن ذلك قال عازف الكمان باسل خوري: "أن أكون قادرًا على النظر إلى المسرح من حولي، واعيًا أنّ كلّ فرد في المجموعة فلسطينيّ، هو بمنزلة حلم تحقّق بالنسبة إليّ. أنّى ذهبنا يقال لنا إنّنا ‘مختلفون‘، لكنّنا سنعزف على هذا المسرح بروح شخص واحد"[13]. وبالمثل، يرى منظّم الأوركسترا محمّد فاضل أنّ هذا المشروع يقدّم "فرصة رائعة للموسيقيّين الفلسطينيّين للتأدية، وربّما الاشتراك بجولة دوليّة، لكنّه يقدّم فرصة أيضًا للمجتمع الدوليّ لتعرّف مواهب الموسيقيّين الفلسطينيّين المنتشرين في جميع أنحاء العالم... نأمل من خلال الأداء معًا كأوركسترا وطنيّة أن نضع وجهًا جديدًا للنضال الفلسطينيّ"[14]. تتطلّب لوجستيّات هذا المسعى أن يجتمع موسيقيّون من دول كثيرة للتمرين والأداء. في البداية، ستواظب الأوركسترا على الاجتماع في العاصمة الأردنيّة عمّان، لضمان تقليل الإشكاليّات المتعلّقة بتأمين التأشيرات، والحصول على أذونات الحركة.

 

أوركسترا الشباب الفلسطينيّ في جرش، الأردنّ. آب (أغسطس) 2005. عدسة رؤوف حاجّ يحيى

 

على هذا الأساس، تقدّم الأوركسترا الوطنيّة الفلسطينيّة نموذجًا مميّزًا للمقاومة. أوّلًا، من خلال البحث عن فنّانين فلسطينيّين من جميع أنحاء العالم والتواصل معهم، يعمل المعهد على إنشاء شبكة من الموسيقيّين تتمحور في لبّها حول الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة المشتركة بين أعضائها. وهذا المشروع الأوّل من نوعه الّذي يقوم بخطوة مماثلة، وسيمثّل نقطة انطلاق لمزيد من التعاون بين المشاركين. ثانيًا، تجسّد الأوركسترا الوطنيّة الفلسطينيّة أوّل محاولة واسعة النطاق للتشابك مع مجتمع الفنون الدوليّ، بصفتها مجموعةً فلسطينيّة بحتة. يعتقد المنظّمون أنّ الأوركسترا ستكون رمزًا للشتات الفلسطينيّ والنضال الوطنيّ. ثالثًا، إذا ما نجحت الأوركسترا في التجوال في أنحاء أوروبّا كما تخطّط، فإنّها ستوفّر منصّة لمناقشة القضيّة الفلسطينيّة والاحتلال الإسرائيليّ. والأهمّ من ذلك، خلال هذه المناقشة، ستقدّم الأوركسترا الوطنيّة الفلسطينيّة «وجهًا جديدًا» للمجتمع الدوليّ. وهذا الوجه الفلسطينيّ الجديد، الّذي يتجلّى في أشكال وطنيّة مؤسّسيّة، كالأوركسترا، وفرق كرة القدم، والأناشيد الوطنيّة، والأعلام، والمطبخ، وما إلى ذلك، هو وجه يألفه الجمهور الكوزموبوليتانيّ الغربيّ، وبإمكانه أن يتماهى معه بسهولة. وبينما تؤدّي المجموعة روائع من المعياريّة الراسخة للموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة، فإنّها تُظْهِر في جوهرها أنّ هذه الفرقة الفلسطينيّة تتشارك في ما يُسمّى «الجماليّات الحضاريّة» للعالم الكوزموبوليتانيّ، حيث يستطيع الفنّانون الفلسطينيّون الموهوبون تأديتها والتنافس فيها على المسرح الدوليّ. وكما قال منظّم الأوركسترا محمّد فاضل: "نريد أن نُظْهِر للعالم أنّنا قادرون على النضال من أجل حرّيّتنا بطريقة سلميّة، وفي هذه الحالة من خلال الموسيقى"[15]. أخيرًا، يهدف تشكيل الأوركسترا الوطنيّة الفلسطينيّة إلى التأثير في المجتمع الفلسطينيّ المحلّيّ؛ إذ إنّ قادتها عازمون على إنشاء فرقة قادرة على مواجهة نظرائهم الإسرائيليّين ومنافستهم، لتوفّر بذلك فرصًا ومصدر فخر للموسيقيّين الفلسطينيّين الشباب، والمجتمع بأكمله.

 

مشهد من «فوانيس»، وهو عرض موسيقيّ لأطفال عُقِد في مدينة رام الله، في آب (أغسطس) 2004، بالتعاون مع «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى». عدسة ستيف سابيلا.

 

«مركز الفنّ الشعبيّ»

مع أنّها أقلّ بروزًا، إلّا أنّ شبكات المنظّمات المجتمعيّة الشعبيّة، المكرّسة لتدعيم أشكال الفنون والممارسات الثقافيّة التقليديّة الفلسطينيّة ورعايتها، تحظى بفاعليّة مماثلة. وقد يكون «مركز الفنّ الشعبيّ» أكثر هذه المؤسّسات نشاطًا في الضفّة الغربيّة، من موقعه في مدينة البيرة. ومنذ تأسيسه في الانتفاضة الأولى عام 1987، شكّل المركز موردًا أساسيًّا لسكّان رام الله والبيرة والقرى المحيطة. فبالإضافة إلى تقديمه دروس الرقص والموسيقى الشعبيّتين، والبرامج الفنّيّة لساعات ما بعد الدوام المدرسيّ، وتوفيره مسرحًا سينمائيًّا، شرع المركز مطلع عام 2001 في تطوير منهاج فنون استعراضيّة مخصّص للأطفال في المجتمعات العرضة للصدمات النفسيّة. ويوفّر كلٌّ من «إبداع تحت الحصار»، وسلسلة ورشات «من أجل الأطفال فقط»، مئات التدريبات الفنّيّة المختلفة في مجالات الرسم والموسيقى والرقص، صُمِّم جميعها مَصْدرَ إلهام لـ «الإبداع، والتواصل، والتعاون، والاستمراريّة» في حياوات الأطفال الفلسطينيّين[16].

وفي دليل البرنامج، يكتب المساهم نيكولاس رو: "لقد كان أثر الانتفاضة منهكًا للغاية. وكان ثمّة قرارات يوميّة حول الخروج والاحتجاج مباشرة ضدّ الإسرائيليّين، وربّما التعرّض للقتل أو الإصابة، أو إغلاق الأبواب والمكوث داخل المنازل لمشاهدة كلّ شيء على شاشات التلفاز. ولم تكن الحاجة إلى النشاط الإبداعيّ بهذا الحجم من قبل، ومع ذلك أُغْلِقَت القنوات المعتادة لها. وأُلْغِيَ جميع برامج ما بعد الدوام المدرسيّ تقريبًا، وامتلأ التلفزيون المحلّيّ بالصور المستمرّة للمذبحة، وكان كلّ مجتمع يعاني من خسائر بما في ذلك فقدان الأطفال الّذين قُتِلوا على أيدي الجنود الإسرائيليّين، وتأثّرت كلّ عائلة بمنع الآباء من الوصول إلى أماكن عملهم بسبب الحواجز ونقاط التفتيش. وأُصيب النموّ الإبداعيّ بالشلل، وكان جيل آخر من الفلسطينيّين على وشك أن يفقد التفاؤل بطفولة واضحة ومستقبل صحّيّ. كان توفير الانفراجة للأطفال أكثر أهدافنا إلحاحًا".

وضمن الأنشطة الموصوفة أعلاه، شُجِّع الأطفال على التعبير عن أنفسهم بأساليب مختلفة. من خلال الرسم والطلاء والموسيقى والرقص، يتعلّم المشاركون العمل بشكل جماعيّ وتعاونيّ لتحقيق أهداف المجموعة. وفي تمارين أخرى، شُجِّع المشاركون على إنشاء المشاريع الفنّيّة وَسيلَةً للتأمّل الذاتيّ والتنفيس. في كلّ حالة، صُمِّمت التدريبات للمساعدة في تسكين مشاعر الاكتئاب واليأس. إضافة إلى ذلك، تعيد التدريبات ترميم الشعور بالانتماء والترابط، بين الأطفال الّذين كانوا شهود عيان على العواقب المدمّرة مع الانتفاضة. وأجبرت الأخطار الّتي ألمّت بالأطفال، على بقائهم بين جدران منازلهم لساعات طويلة أو حتّى أسابيع متواصلة. وتتصدّى الورشات الّتي صمّمها «مركز الفنّ الشعبيّ» للاستدخال الّذي طرأ على الحياة الاجتماعيّة مباشرة، وتوفّر لحظات تنفيس للأطفال وأسرهم. خلال الأشهر العشرة الأولى من الانتفاضة، وصلت ورشات «من أجل الأطفال فقط» إلى 12 ألف طفل فلسطينيّ، في القدس والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. خلال أكثر من 800 ساعة اتّصال، دُرِّب 250 مُيسِّرًا لورش العمل المحلّيّة لمواصلة هذه الأنشطة، ونُشِرَ هذا البرنامج ووُزِّعَ اليوم دوليًّا، من أجل أن تستخدمه مجتمعات أخرى عرضة للصدمات النفسيّة في مختلف بقاع الأرض.

كانت عروض الموسيقى والرقص الاحتفاليّة قد جفّت خلال الانتفاضة، احترامًا لمَنْ فقدوا أعزّاءهم. لكن عام 2005، قرّر مديرو المركز أنّ الوضع السياسيّ يستلزم إحياء المهرجان من أجل "إثبات (أنّ الفلسطينيّين) سيستمرّون في الاستمتاع بالعروض الثقافيّة، والتواصل مع بقيّة العالم، والتمسّك بأحلامهم... ومقاومة الاضطهاد من خلال النضال الثقافيّ"

إضافة إلى برنامج «من أجل الأطفال فقط»، أعاد «مركز الفنّ الشعبيّ» في صيف 2005، عقد «مهرجان فلسطين الدوليّ» تحت شعار «كسر آخر في الجدار»، احتفاءً بالذكرى السنويّة الأولى لصدور قرار «محكمة العدل الدوليّة» الّذي بتّ بعدم قانونيّة الجدار الإسرائيليّ بموجب القانون الدوليّ، وبوجوب إزالته. وأُقيم «مهرجان فلسطين الدوليّ» لأوّل مرّة عام 1993، في محاولة لتعزيز الوحدة الداخليّة، وتخفيف العزلة الثقافيّة الّتي شعرت بها المجتمعات الفلسطينيّة الخاضعة للاحتلال. على مدار الأعوام السبعة الّتي تلت ذلك، تطوّر المهرجان ليصبح أحد أرقى النشاطات الثقافيّة في فلسطين، ويستضيف فنّانين من جميع أنحاء العالم. لكن مع تصعيد الانتفاضة وتشديد القيود على الحركة، أُرْجِئ المهرجان من عام 2000 إلى عام 2004. ونشأ جدل حول مدى صوابيّة عقد مثل هذه النشاطات في ظلّ المصاعب الهائلة والمعاناة المستمرّة. كانت عروض الموسيقى والرقص الاحتفاليّة قد جفّت خلال الانتفاضة، احترامًا لمَنْ فقدوا أعزّاءهم. لكن عام 2005، قرّر مديرو المركز أنّ الوضع السياسيّ يستلزم إحياء المهرجان من أجل "إثبات (أنّ الفلسطينيّين) سيستمرّون في الاستمتاع بالعروض الثقافيّة، والتواصل مع بقيّة العالم، والتمسّك بأحلامهم... ومقاومة الاضطهاد من خلال النضال الثقافيّ"[17].

 

 

في إدراك متأخّر، ربّما كانت إعادة إحياء المهرجان عام 2005 سابقة لأوانها؛ إذ فاقمت نشاطات البرنامج الّتي كان من المزمع عقدها في كلٍّ من نابلس وقلقيلية، فاقمت التوتّرات السياسيّة الّتي كانت قائمة أصلًا بين منظّمي المهرجان وداعميه من ناحية، وناشطي «فتح» في نابلس، وقيادة «حماس» المنتخبة حديثًا في قلقيلية من الناحية الأخرى. ففي قلقيلية اعترض مسؤولو المدينة على نوعيّة الموسيقى الّتي شملها المهرجان، وتركيبة الجمهور الّتي دمجت بين الرجال والنساء. وفي مقابلة مع «هيئة الإذاعة البريطانيّة» (بي بي سي)، صرّح متحدّث باسم مجلس المدينة بأنّ نشاطات المهرجان الّتي كان من المزمع أن تُعْقَد في الهواء الطلق، حُظِرت من أجل «حماية القيم المحافظة للمدينة»[18]. وأدان منظّمو المهرجان هذا القرار. أمّا في نابلس، فقد صدرت المعارضة عن ناشطي حركة «فتح» في الشوارع، فصيل الرئيس السابق ياسر عرفات. وانتهى العرض الرئيسيّ قبل أن يبدأ، بينما غادر المغنّون المسرح في ظلّ جموح الجمهور في خناقات ورمي كراسيّ وإطلاق نار في الهواء. وأثبتت السياسة المحلّيّة، وتحديدًا المواجهة بين السلوكات الجماليّة والثقافيّة المتفاوتة، أنّها تشكّل عقبة أكبر من أن يتغلّب عليها منظّمو المهرجان.

 

«يبوس للإنتاج»

منذ عام 1995، تطوّرت مؤسّسة «يبوس للإنتاج» الّتي تتّخذ من وسط القدس الشرقيّة مقرًّا لها، لتصبح من أكثر المؤسّسات الثقافيّة نشاطًا وتأثيرًا في فلسطين. والمؤسّسة الّتي أطلقتها مجموعة من الفنّانين والمتحمّسين الثقافيّين، تأسّست من أجل تعزيز الحياة الثقافيّة وإحيائها في المدينة، وكان هدفها الرئيسيّ تقوية الحياة الثقافيّة الفلسطينيّة، واستعادة موقع القدس عاصمةً تاريخيّة للتبادل الدينيّ، والاجتماعيّ، والثقافيّ. ويُعتبر «مهرجان القدس السنويّ»، و«مهرجان الفيلم العربيّ»، أهمّ نشاطين لـ «يبوس». ومن هذين المشروعين نما «مهرجان القدس» ليتحوّل إلى منتدًى مرموق دوليًّا للأداء الموسيقيّ العالميّ. واليوم، في عامه العاشر، يجمع مهرجان القدس موسيقيّين من دول عديدة، في أسبوع من العروض والندوات والحواريّات والدورات الرئيسيّة. ومن ثَمّ يقدّم هؤلاء الموسيقيّين في سلسلة من الفعاليّات برفقة فنّانين وطلّاب فلسطينيّين. كان للتعاون الناتج عن ذلك، بين الموسيقيّين الدوليّين والمحلّيّين، تأثيرات عديدة مهمّة.

أوّلًا: يفيد هذا التعاون في استقدام فرق موسيقيّة عالميّة لتقديم عروض لجمهور مقدسيّ، محاصر بالاحتلال ويفتقر إلى قدرة الوصول إلى النشاطات الاجتماعيّة الثقافيّة. ثانيًا: داخل هذا الوسط، يحصل الفنّانون الفلسطينيّون المحلّيّون على فرص ضروريّة لتقديم عروضهم وإظهار مهاراتهم، إلى جانب بعض أشهر موسيقيّي العالم. وينجم عن الشراكات بين الفنّانين الفلسطينيّين المحلّيّين ونظرائهم العالميّين غالبًا، علاقات مهنيّة مستمرّة، وإمكانيّات لزيادة فرص التأدية في الخارج. والأهمّ من ذلك، عبر تراصف المواهب المحلّيّة والدوليّة، ينكشف الموسيقيّون الفلسطينيّون على أفكار ومفاهيم جديدة حول الموسيقى، وهو ما يعزّز الجماليّات المحلّيّة، ويطوّر مجتمعًا فنّيًّا أكثر رقيًّا. في أثناء إقامتهم، يتبرّع فنّانون كثر بوقتهم من خلال استضافة ورش عمل، وجلسات موسيقيّة، ومحاضرات مع طلّاب فلسطينيّين. واحتفى برنامج عام 2005 بفنّانة التانغو الأرجنتينيّة بولا إستريلا، وعازف العود التونسيّ أنور براهم، وفرقة الفلامنكو الإسبانيّة «هيرينسيا»، وعازفي الإيقاع الكوريّين دولسوري. يتحدّد التطوّر الإضافيّ في الموسيقى الفلسطينيّة، إلى حدّ كبير، من خلال علاقتها المستمرّة بالموسيقى والأنماط الموسيقيّة في مختلف أنحاء العالم. نظرًا إلى عجز العديد من الموسيقيّين الفلسطينيّين عن الدراسة في الخارج، فإنّه من خلال هذا المهرجان، يمكن مؤسّسة «يبوس» أن تنقل الموسيقى العالميّة إلى القدس بكفايَة.

باتّباع المقاربات الدقيقة الّتي طرحها باحثون مثل غرامشي، ووليامز، وهال، وأبادوري، نجد أنّ الثقافة الشعبيّة مضمار رئيسيّ لتؤمّن من خلاله الهيمنة، وتوطّن (Naturalize) السلطة، وبعدها إتاحة تخريب السلطة...

ثالثًا: يستفيد الموسيقيّون الفلسطينيّون بشكل هائل من الانكشاف العالميّ الّذي يكتسبونه من نشاط كهذا؛ فقد استخدمه العديد من الموسيقيّين الفلسطينيّين الّذين شاركوا في هذا المهرجان كنقطة انطلاق للتقدّم في حياتهم المهنيّة. ويلاحظ عازف العود الفلسطينيّ أحمد الخطيب أنّه "بدون مهرجانات كهذه، سيكون من المستحيل تقريبًا أن نسمع موسيقى عالميّة ذات جودة عالية، وأن نقدّم أداء لمثل هذا الجمهور المحلّيّ المتحمّس"[19]. هنا يكتسب الفنّانون الفلسطينيّون تجربة أدائيّة قيّمة أمام قاعة جمهور كبير. ووفقًا لمديرة «يبوس»، رانيا إلياس: "نحاول جاهدين جلب فنّانين مشهورين، لكنّنا في الوقت ذاته نمنح الفرصة للآخرين ليأتوا... نحن نوفّر مسرحًا للفنّانين الفلسطينيّين الشباب لتقديم عروضهم، ومن ثَمّ نجمع هؤلاء الفنّانين معًا لكي يتعلّموا من بعضهم بعضًا"[20].

عام 2002، حمل «مهرجان القدس» شعار «أغاني الحرّيّة»، وجمع موسيقيّين من جميع أنحاء العالم يتخصّصون في موسيقى المقاومة الاجتماعيّة والسياسيّة. ومُنِحَ التقليد الراسخ لأغنية المقاومة الفلسطينيّة بعد ذلك مركز الصدارة، إلى جانب تقاليد المقاومة لموسيقيّين من أوروبّا وأفريقيا وأمريكا الشماليّة. ويعكس أداؤهم مجالًا متنوّعًا من الأنماط الفنّيّة والجماليّات الّتي تُقَدَّم في إطار خطاب مشترك، يتأسّس على مقاومة الاستعمار والهيمنة الأجنبيّة. وعلى ذاك، عُدَّ النضال الفلسطينيّ من أجل تقرير المصير، كما عبّرت عنه الموسيقى، ضمن ظاهرة مقاومة أوسع للاستعمار. وأسهم التشابك والتعاون مع الموسيقيّين على أساس هذه الخلفيّة في توليد مشاعر الصداقة والحميميّة بين المشاركين[21]. مع ذلك، ربّما كان الأثر الأقوى لهذا المهرجان، إتاحة صوت عامّ لأغنية المقاومة الفلسطينيّة؛ إذ إنّه على مدار تاريخها، كانت موسيقى المقاومة تُنْتَج وتُوَزَّع وتُسْتَهْلَك بشكل أساسيّ في المساحات السرّيّة؛ فقد تعرّض الموسيقيّون والمنتجون، وحتّى أولئك الّذين امتلكوا شرائط «كاسيت» لأغاني الانتفاضة، تعرّضوا للسجن وللتعذيب، حتّى في العالم العربيّ، بسبب ما اعتُبر سلوكًا سياسيًّا «تحريضيًّا». وأخذ برنامج «مهرجان القدس» الّذي عُقِدَ تحت عنوان «أغانٍ للحرّيّة» أشكال الفنّ الّتي كانت سرّيّة تاريخيًّا، وقدّمها على المسرح في الحيّز العامّ. ومن ثَمّ يمكن الاحتفاء بهذه الموسيقى باعتبارها شكلًا من أشكال الفنون الوطنيّة، بدلًا من التشهير بها باعتبارها غير قانونيّة وخطيرة اجتماعيًّا.

 

جماليّات تأدية جديدة، أشكال مقاومة جديدة

باتّباع المقاربات الدقيقة الّتي طرحها باحثون مثل غرامشي، ووليامز، وهال، وأبادوري، نجد أنّ الثقافة الشعبيّة مضمار رئيسيّ لتؤمّن من خلاله الهيمنة، وتوطّن (Naturalize) السلطة، وبعدها إتاحة تخريب السلطة[22]. بالعزوف عن نظريّات أكثر تقليديّة، تدّعي أنّ السلطة مُلك الدولة وطبقاتها المسيطرة وتُمارَس من خلالهما، طوّر هؤلاء الباحثون نمط تفكير ينظر إلى السلطة بوصفها بنية مشتركة، تُصاغ عبر علاقات دائمة التبدّل داخل مجموعات عديدة وبينها. وبالطبع، فإنّه في الصراع على المكانة، تنشأ أنماط الهيمنة وتُوَطَّن عبر قوًى اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة متعدّدة. وتبادل التوافق المتغيّر باستمرار، المصوغ بواسطة طرائق مختلفة وعبرها، هو الّذي يكمن وراء فرضيّة السلطة والمقاومة هذه. في الموسيقى، تجري عمليّة التفاوض حول هذه البنية المتراصفة للهيمنة والتهديم، بشكل ملحوظ، عبر سياسات الهويّة وبنية المعطيات الجماليّة البديلة. بوصفهما مساحة للاشتباك السياسيّ والاجتماعيّ، تؤدّي الموسيقى والتأدية الموسيقيّة دورًا أساسيًّا في تشكيل الهويّات الجماعيّة والتكوينات الاجتماعيّة وكذلك في العلاقات بينها. لطالما ادّعى علماء الموسيقى العرقيّة أنّه من خلال التأدية، يصوغ المشاركون مفاهيمهم لذواتهم ويدركونها، بواسطة الصيغ المتعدّدة للطبقة، والجنس، والدين، والعرق، والزمان، والحيّز، وعبرها. وبانسجام مع ما سبق، تتيح التأدية للمشاركين تشكيل حقائق جماليّة بديلة رمزيًّا، تخرّب هياكل الهيمنة أو تعيد تعريفها. على سبيل المثال، ضمن الدبكة، أو حفل موسيقيّ، أو حفل زفاف، وبغضّ النظر عن الزمان أو المكان، بالإمكان للشعب الفلسطينيّ أن يتحقّق من خلال الغناء والرقص الجماعيّ للمشاركين فيها. إنّه لمن خلال الموسيقى، يُخْلَق هذا الواقع البديل، وحتّى لو كان ذلك بشكل مؤقّت وراهن، فإنّه يهدّم ويعيد تعريف الهيمنة القائمة.

لطالما أدّت الموسيقى في حركة التحرّر الفلسطينيّة، دورًا فعّالًا في إضفاء الطابع الوطنيّ على العامّة، وبأساليب متعدّدة في أوقات مختلفة؛ إذ استخدم الشعر الفلسطينيّ قبل عام 1948 الموسيقى والشعر، للتعبير عن مشاعر المجتمع ضمن سياق موسيقيّ تشاركيّ...

لطالما أدّت الموسيقى في حركة التحرّر الفلسطينيّة، دورًا فعّالًا في إضفاء الطابع الوطنيّ على العامّة، وبأساليب متعدّدة في أوقات مختلفة؛ إذ استخدم الشعر الفلسطينيّ قبل عام 1948 الموسيقى والشعر، للتعبير عن مشاعر المجتمع ضمن سياق موسيقيّ تشاركيّ. لاحقًا، كان اعتماد هذه الأغاني الشعبيّة ذاتها من قِبَل وطنيّين يسعون إلى تعزيز انتماءات سياسيّة وأيديولوجيّة مختلفة. وتكمن قوّة هذه الأغاني في قدرتها على فهرسة تاريخ مشترك، ومرجعيّة لممارسة ثقافيّة تُعَدّ أصيلة لتأكيد الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة. واليوم، يبذل الفلسطينيّون المشتَّتون في جميع أنحاء العالم، مجهودًا هائلًا في الحفاظ على هذه الممارسات، من خلال العديد من المؤسّسات الثقافيّة. ويتجلّى ذلك بوضوح في عدد مجموعات الدبكة الفلكلوريّة النشطة في جميع أنحاء الشتات الفلسطينيّ[23]. ولطالما كانت الموسيقى والرقص أساسيّين في مسعى الفلسطينيّين إلى الحفاظ على هويّتهم الوطنيّة الجماعيّة. وبالمثل، فبالنسبة إلى الفلسطينيّين الّذين يعيشون تحت الاحتلال اليوم، اتّخذت الموسيقى والتأدية الموسيقيّة، أشكالًا جوهريّة فعّالة لبناء الأمّة ومقاومة الهيمنة الإسرائيليّة. مع ذلك، على النقيض من التقليد الراسخ لأغاني الانتفاضة وشرائط الكاسيت الّتي انتشرت في الثمانينات وأوائل التسعينات، طوّر الفلسطينيّون اليوم إلى حدّ كبير، أشكالًا جديدة من النضال الثقافيّ، تنسجم بشكل أكبر مع الجماليّات والميول الثقافيّة العالميّة. لذلك، على سبيل المثال، يُعاد تشكيل أنواع الأغاني والرقصات التشاركيّة الأصلانيّة بشكل روتينيّ، لِمُلاءَمَتها للأداء المسرحيّ المنظّم، بمجرّد التمرين الصارم على الرقصات ذات الطبيعة المرتجلة، وتأليف نصوص الأغاني مسبقًا. ويُعَدّ تطوير المنظّمات والمهرجانات الثقافيّة الرسميّة في حدّ ذاته، انعكاسًا لجماليّة تعدّديّة محدّدة تقدّر أشكال الفنّ الاستعراضيّ، والحفاظ على «الثقافة التقليديّة». وأمّا المنظّمات الثقافيّة الّتي نوقشت في هذه المقالة، فهي امتداد مباشر لهذه الحركة.

رغم ذلك، عندما تتعارض الجماليّات العالميّة مع السياسات المحلّيّة، غالبًا ما يولّد ذلك نقاشًا عامًّا. ويكشف التصادم الّذي حدث في صيف 2005 بين «مهرجان فلسطين الدوليّ» والمشاعر العامّة في نابلس وقلقيلية، عن أوضاع الصراع الفلسطينيّ الداخليّ حول قضايا تخصّ الثقافة والجماليّات. ولا شكّ في أنّ قدرة وصول هذه المؤسّسات الثقافيّة إلى تطوير الموسيقى والرقص الفلسطينيّ وإنعاشهما، تعكس محدوديّات الطبقة والتكوين الاجتماعيّ. ولتحقيق هذه الغاية، لمّا تحقّق هذه المهرجانات بعد، الأثر الاجتماعيّ المنشود، وتواصل نضالها ضدّ العقبات الاجتماعيّة السياسيّة الإسرائيليّة والفلسطينيّة.

 مع ذلك، يقدّم انتشار النضال الثقافيّ المتجلّي في تطوير المهرجانات الموسيقيّة والفنّيّة المذكورة أعلاه، نقيضًا مذهلًا للنموذج التقليديّ للسلطة والمقاومة في فلسطين. فعلى المستوى الثقافيّ، تفتح هذه المهرجانات المجتمع الفلسطينيّ على أفكار ومفاهيم جديدة للموسيقى، بينما توفّر في الوقت ذاته، فرصًا ضروريّة لانخراط الموسيقيّين المحلّيّين وتفاعلهم مع المسرح العالميّ. وأمّا اقتصاديًّا، فهي توفّر وظائف أساسيّة وفرصًا لطواقم الإنتاج. ناهيك عن أنّ المهرجانات تحقن الاقتصاد المحلّيّ مباشرة برأس المال القادم على أشكال تكاليف الإنتاج، ومكان عقدها، والنقل، والإقامة، والإضاءة، والصوت، والتسهيلات. وأمّا المصالح التجاريّة المحلّيّة، فتستفيد بشكل غير مباشر، مع امتلاء المطاعم والمقاهي بالزبائن، قبل العرض وبعده. اجتماعيًّا، تشجّع المهرجانات العائلات على الخروج والاستمتاع بمطاعم ومقاهي الحيّ؛ ففي القدس، اختفى المشهد الاجتماعيّ النابض بالحياة، المتجسّد بدور السينما والمسارح والمقاهي والمتنزّهات ببطء مع الانتفاضة. وتوفّر سلسلة الحفلات الموسيقيّة الأسبوعيّة وغيرها من الأحداث الثقافيّة مساحة اجتماعيّة خارج المنازل، تشتدّ حاجتها لدى العائلات؛ فالخوف من الخروج شلّ جزءًا كبيرًا من المجتمع الفلسطينيّ. وتلخّص مديرة «يبوس»، رانية إلياس المشكلة على النحو الآتي:

"إنّ مكانًا مثل ‘مهرجان القدس‘، وسلسلة الحفلات الموسيقيّة الأسبوعيّة، و‘مهرجان الفيلم العربيّ‘، وأيّ شيء آخر ننظّمه، هو مكان للتواصل الاجتماعيّ بين الناس... نحن نناضل ضدّ إجبار الناس على المكوث في منازلهم... خائفين من مغادرة منازلهم، وجالسين يشاهدون ما يحدث من خلال التلفاز. إنّه لجزء من نضالنا أن نتيح للناس أملًا لمواصلة حياتهم في القدس. حتّى وجودنا في الشوارع شكل من أشكال المقاومة"(24).

يقدّم نموذج النضال الثقافيّ هذا، بديلًا بنّاء للانخراط في النضال الفلسطينيّ. وبالنسبة إلى الكثيرين، تخلق المهرجانات الموسيقيّة، والحفلات الموسيقيّة، والندوات «حقائق على الأرض» بالغة القوّة، وهي أنّ الحياة الثقافيّة الفلسطينيّة مستمرّة في النموّ والتطوّر...

يقدّم نموذج النضال الثقافيّ هذا، بديلًا بنّاء للانخراط في النضال الفلسطينيّ. وبالنسبة إلى الكثيرين، تخلق المهرجانات الموسيقيّة، والحفلات الموسيقيّة، والندوات «حقائق على الأرض» بالغة القوّة، وهي أنّ الحياة الثقافيّة الفلسطينيّة مستمرّة في النموّ والتطوّر على الرغم من المصاعب الهائلة. والأهمّ من ذلك، أنّ هذه المهرجانات لها دور فعّال في إعطاء مساحات ثقافيّة لتكوين هويّة وطنيّة فلسطينيّة مشتركة. على خشبة المسرح قد يؤدّي الفلسطينيّون ويغنّون ويقولون ما لا يستطيعون قوله وفعله في الشوارع. إنّه واقع جماليّ بديل، حيث يمكن فلسطين - كرمز ثقافيّ - أن تتحقّق في الأداء الفنّيّ.

 

 

ديفيد أ. ماكدونالد، مرشّح للدكتوراة في «علم الموسيقى العرقيّة» في «جامعة إلينوي» في أوربانا شامبين.

..........

إحالات:

[1] أُجري البحث في هذه المقالة بدعم من «جامعة إلينوي»، ولجنة «فولبرايت – هايز»، و«المركز الأميركيّ للأبحاث الشرقيّة» في عمّان. أودّ أن أشكر «المركز الأميركيّ للأبحاث الشرقيّة» لتزويده بمكان للعيش وأماكن للبحث، والمساحة المكتبيّة، وموارد المكتبة أثناء كتابة هذه المقالة. بالإضافة إلى ذلك، أودّ أن أشكر دونا بوكانان، وكين كونو، ورانية إلياس، وسهيل خوري، وخالد قطامش، ومحمّد يعقوب، وسامر توتة، ومحمّد فاضل، على أفكارهم واقتراحاتهم.

[2] انظر على سبيل المثال مقالة «الثقافة الشعبيّة، والتاريخ العلائقيّ، ومسألة السلطة في فلسطين وإسرائيل» للباحثين ريبيكا ل. شتاين، وتيد سويدنبرغ. «مجلّة الدراسات الفلسطينيّة» (بالإنجليزيّة) المجلّد 33، رقم 4 (2004): 5-20، بالإضافة إلى مجلّدها المحرّر القادم «فلسطين، إسرائيل، وسياسة الثقافة الشعبيّة» (مطبعة جامعة ديوك، 2005)، ووالتر أرمبرست، محرّر Mass Mediations: New Approaches to Popular Culture in the Middle East and Beyond. (University of California Press, 2000).

[3] سامر طوطح (مدرّس بمعهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى)، في نقاش مع المؤلّف، 31 أيار (مايو) 2005.

[4] يعود تاريخ التسجيلات الميدانيّة الأولى للموسيقى الفلسطينيّة إلى أوائل الثلاثينات، وتكشف الروايات الأولى المكتوبة عن الأغنية الفلسطينيّة عن مجموعة مثيرة للاهتمام من التعليقات الاجتماعيّة والسياسيّة. انظر: Gustav Palastinischer Diwan: Als Beitrag zur Volkskunde Palastinas (Leipzig: JC Hinrichsche Buchhandlung 1901). Aapeli Saarisalo, "Songs of the Druzes: Transliterations, Translations, and Comments," Studia Orientalia 4/1 (1932): 1-144. تعكس الموضوعات والأشكال الشعريّة للموسيقى من هذه المحفوظات والوثائق قضايا ملحّة، تتعلّق بالبنية الاجتماعيّة والعمليّة السياسيّة والزحف الأجنبيّ، والحرب، والأمثال، وإحياء ذكرى الأبطال العرب والمسلمين العظام. يمتدّ هذا التقليد من التعليق الاجتماعيّ والسياسيّ في الموسيقى إلى الوقت الحاضر، من خلال تطوير أغنية الانتفاضة الشعبيّة، وأغاني السلام، وعروض الرقص الفلكلوريّ.

[5] لمزيد من القراءة عن الممارسات الموسيقيّة الفلسطينيّة الأصليّة، بما في ذلك تلك المذكورة هنا:

 Dirgham Sbait, “The Improvised-Sung Poetry of the Palestinians,” (Ph.D. diss, University of Washington, 1982), Abdellatif Barghouti, “Arab Folk-songs from Jordan” (Ph.D. diss, University of London, 1963), Amnon Shiloah, “A Group of Arabic Wedding Songs From the Village DeyrAl-Ass ad,” in Studies in Marriage Customs (Jerusalem: The Magnes Press, 1974) 267-296, Patrick Lama, La Musique Populaire Palestinienne (Paris: Editions du Temoignage Chretien, 1982), Amatzia Bar-Yosef, “Traditional Rural Style under a Process of Change: The Singing Style of the Hadday, Palestinian Folk Poet Singers,” Asian Music 29/2 (1998), and Dalia Cohen and Ruth Katz, Palestinian Arab Music: A Maqam Tradition in Practice (Chicago: University of Chicago Press, 2006).

[6] انظر إلى: Rashid Khalidi, Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (New York: Columbia University Press, 1997); Ted Swedenburg, “The Palestinian Peasant as National Signifier,” Anthropological Quarterly 63/1 (1990): 304-316; and Julie Peteet, Landscape of Hope and Despair (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2005).

[7] ثمّة مجموعة كبيرة من الأدبيّات الّتي تحدّد وتُعَرِّف ما يُعتبر ممارسات فلسطينيّة «نقيّة». في العديد من الحالات على مدار العشرين عامًا الماضية، اصطدم الموسيقيّون والراقصون الّذين سعوا إلى متابعة اتّجاهات فنّيّة جديدة، بالعديد من فلكلوريّي «الحرس القديم» هؤلاء. للحصول على تحليل موجز وموثوق لهذه العمليّة، يُرجى الاطّلاع على  Elke Kaschl, Dance and Authenticity in Israel and Palestine - Performing the Nation (Boston: Brill Press 2003).

[8] David McDonald, “My Voice is My Weapon: Music and Nationalism in the Palestinian Resistance Movement,” (forthcoming Ph.D. diss., University of Illinois Urbana Champaign, 2006).

[9] Nasser al-Taee, “Voices of Peace and the Legacy of Reconciliation: Popular Music, Nationalism, and the Quest for Peace in the Middle East,” Popular Music 21/1 (2002): 41-62.

[10] (Stein and Swedenburg (2004.

[11] موقع «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى» الإلكترونيّ، http://ncm.birzeit.edu/.

[12] سهيل خوري (مدير «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»)، مقابلة مع المؤلّف، 11 شباط (فبراير) 2004.

[13] باسل خوري، في نقاش مع المؤلّف، حزيران (يونيو) 2005.

[14] محمّد فضل (أستاذ في «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»)، مقابلة مع المؤلّف، 11 أيّار (مايو) 2005.

[15] فضل (2005).

[16] نيكولاس رو، «إبداع تحت الحصار: عقد ورشات فنّيّة في المجتمعات العرضة للصدمات» (البيرة، فلسطين، 2003). لمعلومات إضافيّة حول برنامج «من أجل الأطفال فقط»، يُرجى زيارة موقع «مركز الفنّ الشعبيّ» الإلكترونيّ، //www.popularartcentre.org/appeal/appeal.html 

[17] «مركز الفنّ الشعبيّ»، «مهرجان فلسطين الدوليّ» 2005: "إحياء تقليد مميّز للفنّ من أجل الحرّيّة في فلسطين المحتلّة"، مجلّة This Week in Palestine (حزيران/ يونيو 2005): 28.

[18] خالد العمايرة، «الحفلات الفلسطينيّة تثير الفتنة»، الجزيرة، 10 تمّوز (يوليو) 2005. بي بي سي، «مجلس حماس يحظر مهرجان الموسيقى»، المملكة المتّحدة، 1 تمّوز (يوليو) 2005.

[19] أحمد خطيب، مقابلة مع المؤلّف، 14 حزيران (يونيو)، 2004.

[20] رانية إلياس (مديرة «يبوس للإنتاج»)، مقابلة مع المؤلّف، 9 حزيران (يونيو)، 2005.

[21] أعرب العديد من الموسيقيّين الفلسطينيّين الّذين شاركوا في «مهرجان القدس» عام 2002، عن فخرهم بمشاركة المسرح مع موسيقيّين عالميّين يؤدّون موسيقى مقاومة مستوحاة من السياسة. كان الحصول على هذه التصريحات في محادثات عدّة غير رسميّة مع موسيقيّين منتسبين إلى «معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»، في شباط (فبراير) 2004.

[22] Jennifer Ladkani, “Dabke Music and Dance and the Palestinian Refugee Experience: On the Outside Looking In,” (Ph.D. diss., Florida State University, 2001).

[23] إلياس (2005).

 

 

* تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

 

خالد السيّد

 

 

ناشط سياسيّ، يعمل محرّرًا ومترجمًا مستقلًّا بالتعاون مع عدد من المشاريع الصحافيّة والثقافيّة.

 

 

 

مواد الملف

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملفّ

لا أحبّ الكتابة عن القدس

لا أحبّ الكتابة عن القدس

المقدسيّون وقضاياهم في الرواية العربيّة

المقدسيّون وقضاياهم في الرواية العربيّة

الوقف في القدس... المكانة والتحدّيات القانونيّة

الوقف في القدس... المكانة والتحدّيات القانونيّة

الرباط والمرابطات: تحوّلات النضال الشعبيّ في القدس

الرباط والمرابطات: تحوّلات النضال الشعبيّ في القدس

"زفّة وزغرودة يا بنات" ... أغانٍ تراثيّة بمزاجٍ مقدسيّ

مركز جماهيريّ في القدس... لماذا يوزّع حاويات نفايات على الفلسطينيّين؟

مركز جماهيريّ في القدس... لماذا يوزّع حاويات نفايات على الفلسطينيّين؟

تطييف يهود القدس... سياسات الاختراق المبكر

تطييف يهود القدس... سياسات الاختراق المبكر

سهيل خوري: فلسطينيّ يعزف بيتهوفن... يهدّد إسرائيل | حوار

سهيل خوري: فلسطينيّ يعزف بيتهوفن... يهدّد إسرائيل | حوار

يحصل في القدس... يشجّعون التشجير ويقلعون الأشجار!

يحصل في القدس... يشجّعون التشجير ويقلعون الأشجار!

مقدسيّون بلا قدس... حاجز قلنديا وكفر عقب

مقدسيّون بلا قدس... حاجز قلنديا وكفر عقب

نادرة شلهوب كيفوركيان: ذهاب عبير إلى المدرسة فعل مقاوم | حوار

نادرة شلهوب كيفوركيان: ذهاب عبير إلى المدرسة فعل مقاوم | حوار

بالشمع الأحمر... هكذا أغلقت إسرائيل أكثر من مئة مؤسّسة مقدسيّة

بالشمع الأحمر... هكذا أغلقت إسرائيل أكثر من مئة مؤسّسة مقدسيّة

القدس في الأغنية العربيّة... حنين للحنٍ حرّ

القدس في الأغنية العربيّة... حنين للحنٍ حرّ

«إيليا للأفلام القصيرة»... وُلد في القدس ويحلم بالعالميّة | حوار

«إيليا للأفلام القصيرة»... وُلد في القدس ويحلم بالعالميّة | حوار

تقسيم الأقصى... توفيق بين الخلافات اليهوديّة على القدسيّة

تقسيم الأقصى... توفيق بين الخلافات اليهوديّة على القدسيّة

القدس في أدب الطفل... أيّ مستوًى مطلوب؟

القدس في أدب الطفل... أيّ مستوًى مطلوب؟

رند طه... أن تكوني راقصةً من القدس وفيها | حوار

رند طه... أن تكوني راقصةً من القدس وفيها | حوار

مناهج «المعارف»... هل يستطيع المقدسيّون مقاومة الأسرلة وحدهم؟

مناهج «المعارف»... هل يستطيع المقدسيّون مقاومة الأسرلة وحدهم؟

القدس في الأرشيفات الفرنسيّة

القدس في الأرشيفات الفرنسيّة

"باب الأسباط": قراءة سوسيولوجيّة للهبّة وانتصارها

سياحتان في القدس... محوًا وتحرّرًا

سياحتان في القدس... محوًا وتحرّرًا

يصنعون أفراحًا في القدس

يصنعون أفراحًا في القدس

هكذا تسيطر إسرائيل على تعليم المقدسيّين

هكذا تسيطر إسرائيل على تعليم المقدسيّين

أوجاع القدس... من «رامي ليفي» حتّى الإمارات والبحرين

أوجاع القدس... من «رامي ليفي» حتّى الإمارات والبحرين

تعليقات Facebook