لا أحبّ الكتابة عن القدس

سوق القدس | Aleksei Ivanov

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

حين طلب منّي الزملاء في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة أن أكتب في موضوع القدس، استعجلت ووعدتهم أن أسعى، لكن بعد إنهاء المراسلة، شعرت بأنّني لا أطيق الكتابة عن القدس، بخلاف شغفي بهذه المدينة وحبّي لأهلها اللاجئين والنازحين والباقين.

بما أنّنا نعيش في زمن السلام الاقتصاديّ، وتسارع التطبيع السلطويّ العربيّ، فقد بتنا نتمنّى أن تطبّع غالبيّة الأنظمة العربيّة مع فلسطين، بقدر ما تطبّع مع الصهيونيّة وإسرائيل، وأن تكفّ عن ملاحقة القوى الشعبيّة الناشطة وترهيبها حين تُناصِر فلسطين وقدسها، وتناهض مسلسل المهانة، أو أن تمارس هذه الأنظمة التطبيع مع شعوبها على الأقلّ، بقدر ما تتدافع للتطبيع مع دولة الاستعمار؛ فقد حضرتني قصيدة مظفّر النوّاب، أو صرخته أمام الهزيمة وتهاوي النظام الرسميّ العربيّ، وتحوّله إلى نهج فيض الكلام والتغنّي و«التنافخ شرفًا» بكرامة الأمّة، عوضًا عن شحّ الفعل، وفي مسعًى للتستّر على التواطؤ، لتنطلق كلمات الشاعر وبصوته الهازئ والغاضب والحزين:

القدس عروس عروبتكم

فلماذا أدخلتم كلّ زناة الليل إلى حجرتها؟

 ووقفتم تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها

وسحبتم كلّ خناجركم

وتنافختم شرفًا

وصرختم فيها أن تسكت صونًا للعرض

فما أشرفكم!

أولاد القحبة، هل تسكت مغتصَبة؟

 

زمن الكتابة حاسم أحيانًا، فهو يحوي جزءًا من سياق المكان والحال. سأعود إلى أوائل عام 2010 حين كنت في «اتّحاد الجمعيّات العربيّة»، وقد قرّرنا مع «مؤسّسة التعاون» و«مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة» و«جامعة بير زيت» تنظيم أنشطة، في إطار «القدس عاصمة الثقافة العربيّة» الّذي انبثق عن السلطة الفلسطينيّة بقرار من «جامعة الدول العربيّة».

وصلت قبل الموعد في ذاك المساء، وشاهدت على الباب الزجاجيّ لقاعة الاحتفال بيانًا يتضمّن أمرًا إداريًّا من شرطة إسرائيل يحظر النشاط، ويحيل ذلك إلى «اتّفاقيّة باريس» الفلسطينيّة الإسرائيليّة من عام 1994...

اجتهدنا لإضفاء قيمة إضافيّة على موضوع تتكرّر مناقشته ويُتداول ذكره في كلّ يوم، إلى درجة استنفاد المعنى، أو للتعويض عن معنًى مفقود بعد أن داسه احتلالان، فوجدنا في السياق جوابًا، إذ استقرّ الرأي على تنظيم ثلاث فعاليّات حول القدس بالتزامن، وذلك كي تجمع الشعب الفلسطينيّ وتؤكّد على البُعد العربيّ. واخترنا الأمكنة لتنطلق من «جامعة بير زيت» في الضفّة الغربيّة، و«مركز محمود درويش» في الناصرة، وبيروت. وجرى لاحقًا تتويج مجمل الفعاليّات السنويّة بحفل تكريم الناشطين والناشطات الّذين أبدعوا في فعاليّات «القدس عاصمة الثقافة العربيّة».

تقرّر إجراء الاحتفال في «فندق الإمبسادور» في القدس. حضرتُ من حيفا في ليلة ماطرة وعاصفة. وبطبيعة أنّ القادمين من بعيد يحضرون قبل أهل المكان، خاصّة إذا تيسّرت حركة السير في «عابر إسرائيل»، وهو الطريق الإستراتيجيّ الّذي يحاصر المدى أمام شعب ويفتحه أمام شعب آخر، ويستحقّ وقفات، لكن ليس في هذا النصّ.

وصلت قبل الموعد في ذاك المساء، وشاهدت على الباب الزجاجيّ لقاعة الاحتفال بيانًا يتضمّن أمرًا إداريًّا من شرطة إسرائيل يحظر النشاط، ويحيل ذلك إلى «اتّفاقيّة باريس» الفلسطينيّة الإسرائيليّة من عام 1994، المكمّلة لـ «معاهدة أوسلو» الّتي تحظر على «السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة» إجراء أيّ نشاط داخل إسرائيل، وبما أنّ لجنة «القدس عاصمة الثقافة العربيّة» منبثقة عن السلطة الفلسطينيّة، وبما أنّ القدس تخضع لـ «قانون الضمّ» الاحتلاليّ، فهذا يكفي لتبرير قرار الحظر.

لم أتفاجأ من المنشور، بل حتّى لم أتفاجأ من أنّه موقَّع من ضابط شرطة، منحته دولة الاستعمار - إمعانًا في اللاندّيّة - صلاحيّات تشمل حظر نشاط للسلطة الفلسطينيّة؛ فقد أعددت نفسي لمواجهة لا بدّ من أن تجري لفرض النشاط على الشرطة وكسر أوامرهم؛ فالقدس برمزيّتها تستحقّ المواجهة لتكريمها.

حضر المنظّمون، بمَنْ فيهم موظّف كبير في ديوان الرئاسة ولفيف من المسؤولين، واستبشرت خيرًا بأنّ المواجهة قاب قوسين أو أدنى. التفت رئيس الوفد ومرافقوه إلى المنشور الملصق على باب قاعة الاحتفال، قرؤوه، وإذ بهم يديرون ظهورهم للانتقال إلى «الفندق الوطنيّ» في المدينة المحتلّة!

وفي لحظة، تحوّلت المواجهة إلى الحلبة الفلسطينيّة، والسعي إلى إقناع السادة بأن يتريّثوا حتّى نواجه أوامر الاستعمار بالرفض، وبإمكاننا فرض التراجع عليهم. وإن لم يحصل ذلك فعلى الأقلّ نخوض معركة حول القدس...

وفي لحظة، تحوّلت المواجهة إلى الحلبة الفلسطينيّة، والسعي إلى إقناع السادة بأن يتريّثوا حتّى نواجه أوامر الاستعمار بالرفض، وبإمكاننا فرض التراجع عليهم. وإن لم يحصل ذلك فعلى الأقلّ نخوض معركة حول القدس، وفي المعركة - حتّى لو خسرناها - تكريم لـ «عاصمة الثقافة العربيّة»، والمعركة أحيانًا تكون ثقافة.

اتّصلت على الفور بالنائب السابق طلب الصانع؛ لأنّه قد أصرّ قبل يوم على إجراء نشاط شعبيّ احتفاليّ لحزبه في باقة الغربيّة، وبالتعاون مع السلطة الفلسطينيّة، ونجح في كسر أوامر الشرطة ووزير الأمن الداخليّ الّذين حظروا النشاط. بدأ الأخير بالاتّصالات واستغلال حصانته البرلمانيّة، واضطررت خلال دقائق إلى إعادة الاتّصال به، وطلب عدم مواصلة جهوده.

لقد استعجل المنظّمون ومسؤول رئاسة السلطة بالخروج من الفندق، ودعوة الجميع إلى الموقع البديل، وطلبوا أن ننطلق على وجه السرعة؛ لأنّهم طلبوا للتوّ من الفندق البديل إعداد وجبة عشاء، وفي الحقيقة كنت في حاجة إلى وجبة عشاء، فقد كنت أشعر بالجوع!

في لحظة، أبلغت المسؤول الكبير بأنّني لن أرافقهم، بل إنّ وجهتي العودة إلى حيفا، وذلك احتجاجًا.

في طريق عودتي شعرت بالتعب الجسديّ، الناتج عن الساعة المتأخّرة والسياقة في الجوّ الماطر والعاصف والجوع، وشعرت أيضًا بالراحة النفسيّة من قراري. استحوذ على تفكيري طوال ساعتين ونيّف موضوع أمر الحظر، والسهولة غير المعقولة في إصداره، لكن استحوذت على ذهني أكثر السهولة غير المعقولة أكثر في الانصياع إليه. كيف يحصل نمط سلوكيّ فلسطينيّ كهذا، في حدث كان من شأنه أن يكون تتويجًا لفعاليّات «القدس عاصمة الثقافة العربيّة»؛ فالثقافة في سياق القدس من المتوقّع أن تشمل روح الشعب الثائرة، لا روح «اتّفاقيّة باريس» المذكورة الّتي لا علاقة للشعب بها، وأن تحتكم إلى الحقّ الفلسطينيّ لا إلى أمر إداريّ من ضابط احتلاليّ شرطيّ صغير. تذكّرت القائد فيصل الحسينيّ، وكيف شكّل ندًّا للاستعمار، وواجهه وقاد إحدى أهمّ ملاحم المقاومة الشعبيّة السلميّة، الّتي أحرجت الاستعمار في كلّ مواجهة، وجعلته يتراجع على الرغم من سطوة جبروته.

فكّرت لو كان للكلام وزن، فإنّ كمّ الكلام الهائل حول القدس كان من شأنه أن يحرّرها... لكنّ الكلام الفارغ من روح الشعب لا وزن له، مهما ازداد ترديده.

ثمّ اطمأننت حين استدركت أنّ أهل القدس وأحياءها لا علاقة لهم بهذا المشهد؛ فهو غريب عن روحهم، وليس مثل ثقافة الصمود في حالات التراجع...

ثمّ اطمأننت حين استدركت أنّ أهل القدس وأحياءها لا علاقة لهم بهذا المشهد؛ فهو غريب عن روحهم، وليس مثل ثقافة الصمود في حالات التراجع، وليس مثل المعركة مع الطغيان في حالات الأمل و«الغضب الساطع». وأهل القدس صامدون وصامدات، وليس مثل الناس حامية للحقّ وناطرة للأمل، وحين أذكر أهل القدس فهي ليست بسكّانها فحسب، بل بكلّ شعبنا الفلسطينيّ وشعبنا العربيّ، وبكلّ الأنصار والنصيرات للحقّ والعدالة في العالم. لتستحوذ «زهرة المدائن» الفيروزيّة الرحبانيّة على ما تبقّى من مسار عودتي:

"عيوننا إليك ترحل كلّ يوم ترحل كلّ يوم

تدور في أروقة المعابد

تعانق الكنائس القديمة

وتمسح الحزن عن المساجد".

***
"الطفل في المغارة وأمّه مريم وجهان يبكيان

 يبكيان لأجل مَنْ تشرّدوا

لأجل أطفال بلا منازل، لأجل من دافع واستُشهد في المداخل

واستُشهد السلام في وطن السلام

وسقط العدل على المداخل".

 

سقط العدل... حاليًّا. 

 

* تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

أمير مخّول


 

أسير سياسيّ فلسطينيّ محرّر. عمل قبل اعتقاله مديرًا لـ "اتّجاه - اتّحاد الجمعيّات الأهليّة"، كما شغل منصب رئيس لجنة الحرّيّات المنبثقة عن لجنة المتابعة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1948. يكتب المقالة السياسيّة والثقافيّة في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

مواد الملف

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملفّ

المقدسيّون وقضاياهم في الرواية العربيّة

المقدسيّون وقضاياهم في الرواية العربيّة

الوقف في القدس... المكانة والتحدّيات القانونيّة

الوقف في القدس... المكانة والتحدّيات القانونيّة

الرباط والمرابطات: تحوّلات النضال الشعبيّ في القدس

الرباط والمرابطات: تحوّلات النضال الشعبيّ في القدس

"زفّة وزغرودة يا بنات" ... أغانٍ تراثيّة بمزاجٍ مقدسيّ

مركز جماهيريّ في القدس... لماذا يوزّع حاويات نفايات على الفلسطينيّين؟

مركز جماهيريّ في القدس... لماذا يوزّع حاويات نفايات على الفلسطينيّين؟

تطييف يهود القدس... سياسات الاختراق المبكر

تطييف يهود القدس... سياسات الاختراق المبكر

سهيل خوري: فلسطينيّ يعزف بيتهوفن... يهدّد إسرائيل | حوار

سهيل خوري: فلسطينيّ يعزف بيتهوفن... يهدّد إسرائيل | حوار

يحصل في القدس... يشجّعون التشجير ويقلعون الأشجار!

يحصل في القدس... يشجّعون التشجير ويقلعون الأشجار!

مقدسيّون بلا قدس... حاجز قلنديا وكفر عقب

مقدسيّون بلا قدس... حاجز قلنديا وكفر عقب

أداء فلسطين – مقاومة الاحتلال وإعادة إنعاش هويّة القدس الاجتماعيّة والثقافيّة عبر الموسيقى والفنون

أداء فلسطين – مقاومة الاحتلال وإعادة إنعاش هويّة القدس الاجتماعيّة والثقافيّة عبر الموسيقى والفنون

نادرة شلهوب كيفوركيان: ذهاب عبير إلى المدرسة فعل مقاوم | حوار

نادرة شلهوب كيفوركيان: ذهاب عبير إلى المدرسة فعل مقاوم | حوار

بالشمع الأحمر... هكذا أغلقت إسرائيل أكثر من مئة مؤسّسة مقدسيّة

بالشمع الأحمر... هكذا أغلقت إسرائيل أكثر من مئة مؤسّسة مقدسيّة

القدس في الأغنية العربيّة... حنين للحنٍ حرّ

القدس في الأغنية العربيّة... حنين للحنٍ حرّ

«إيليا للأفلام القصيرة»... وُلد في القدس ويحلم بالعالميّة | حوار

«إيليا للأفلام القصيرة»... وُلد في القدس ويحلم بالعالميّة | حوار

تقسيم الأقصى... توفيق بين الخلافات اليهوديّة على القدسيّة

تقسيم الأقصى... توفيق بين الخلافات اليهوديّة على القدسيّة

القدس في أدب الطفل... أيّ مستوًى مطلوب؟

القدس في أدب الطفل... أيّ مستوًى مطلوب؟

رند طه... أن تكوني راقصةً من القدس وفيها | حوار

رند طه... أن تكوني راقصةً من القدس وفيها | حوار

مناهج «المعارف»... هل يستطيع المقدسيّون مقاومة الأسرلة وحدهم؟

مناهج «المعارف»... هل يستطيع المقدسيّون مقاومة الأسرلة وحدهم؟

القدس في الأرشيفات الفرنسيّة

القدس في الأرشيفات الفرنسيّة

"باب الأسباط": قراءة سوسيولوجيّة للهبّة وانتصارها

سياحتان في القدس... محوًا وتحرّرًا

سياحتان في القدس... محوًا وتحرّرًا

يصنعون أفراحًا في القدس

يصنعون أفراحًا في القدس

هكذا تسيطر إسرائيل على تعليم المقدسيّين

هكذا تسيطر إسرائيل على تعليم المقدسيّين

أوجاع القدس... من «رامي ليفي» حتّى الإمارات والبحرين

أوجاع القدس... من «رامي ليفي» حتّى الإمارات والبحرين

تعليقات Facebook