الحركة الطلّابيّة في أراضي 48... ركام الماضي وسيولة الحاضر

نشاط طلّابيّ في جامعة تل أبيب تضامنًا مع الأسرى، 2017 | شاشة

 

نحو المستقبل

حاضر «حركتنا» الطلّابيّة الفلسطينيّة في أراضي 48، وكما تُظهر النقاشات والتساؤلات الّتي تصدر عن الدوائر الطلّابيّة الناشطة في مؤسّسات التعليم العالي الإسرائيليّة، وكأنّه عتبة قالبها سائل، يصعب تأطيرها إلّا بالإشارة إلى الضفّتين اللّتين تحاصرانها: ماضٍ مبهم قد فات، وهو ماضي «لجنة الطلّاب العرب»، ومستقبل غير محسوم لـ «حركة» قد تكون.

حضور الفعل الطلّابيّ بصفته «حركة» مُمَأْسَسَة ذات قوّة تمثيليّة تؤثّر في أرض الواقع، لديها طابع فلسطينيّ موحّد يتجاوز الفئويّة، لا يزال بعيد المنال كما يظهر. ويمكن وصف معظم السجال الّذي يدور بين الطلّاب والطالبات حول هذا الماضي، عن تلك الأيّام الّتي كانت فيها «لجنة الطلّاب العرب» في أوج عصرها الذهبيّ، بـ «الرومانسيّ».

حضور الفعل الطلّابيّ بصفته «حركة» مُمَأْسَسَة ذات قوّة تمثيليّة تؤثّر في أرض الواقع، لديها طابع فلسطينيّ موحّد يتجاوز الفئويّة، لا يزال بعيد المنال كما يظهر.

ليس في وسعي في هذه المساحة، ولا أنوي، تقديم قراءة نقديّة، أو مراجعة تفصيليّة لتاريخ الحركة الطلّابيّة في أراضي 48، أو التطرّق إلى الأسباب والتفاصيل في فشل استمراريّة العمل الوحدويّ المنظّم[1]، لكنّني أسعى إلى إعادة التفكير في الآفاق الّتي يمكن النقد أن يُنْتِجَها، عن طريق تعميق وعينا لمكانة الحاضر الّذي من موقعه نَنْقُد، ومن خلال حياكة هذه المراحل، ربّما، المساهمة في رؤية مستقبل ما. أرغب في الذهاب إلى ما هو أبعد من أن «نتعلّم العبر من الماضي»، نحو أن نفهم ذواتنا المتعلّمة، المنخرطة في حاضر له عوامل تنظيميّة وذاتيّة واجتماعيّة وسياسيّة تميّزه.

 

ركام

وحين نتكلّم عن ماضي «لجنة الطلّاب العرب»، فنحن نتكلّم عن «ركام» له معنيان، الذاتيّ السرديّ، والمادّيّ التقنيّ. هو ركام لأنّه ضبابيّ جدًّا في الوعي الطلّابيّ بسبب القصور في التوثيق والتأريخ. إنّ مراجعة بسيطة للأبحاث الّتي تتناول الحركة الطلّابيّة في أراضي 48، تُبرز هامشيّة دراسة تشكّلاتها؛ فقلّما نقرأ مقالات بحثيّة وعلميّة عن هذا الماضي. ثمّة مساهمات عدّة متواضعة تصدرها الصحافة الفلسطينيّة، تشير إلى عوامل تاريخيّة وحزبيّة فلسطينيّة وإقليميّة أيضًا، لتفسير عوامل ركود الحركة الطلّابيّة[2]، لكنّها تفتقر إلى التعميق العلميّ[3]!

وهو أيضًا «ركام»، لفشله في ترك أيّ أثر بنيويّ ثابت على أساسه يستمرّ العمل المشترك بين الكوادر؛ فالعلاقات بين الكوادر الطلّابيّة تميّزها الحدّة والحساسيّة، وفي مواسم «التناحر الحزبيّ» يختفي ببساطة العمل الوحدويّ. ولا تتجلّى عبثيّة هذه التناحرات بوضوح، أكثر ممّا تجلّى حينما يشير كادر حزبٍ ما إلى الدور التاريخيّ والمركزيّ لحزبه في المساهمة وبناء العمل الوحدويّ، بهدف تسجيل النقاط على ناشطي حزب آخر، وبدلًا من أن يحفّز ذلك التاريخ على التشديد على العمل الوحدويّ، صار يسهم بشكلٍ متناقض لتعزيز القبليّة الحزبيّة.

«النقص» شكّل ممارسة طلّابيّة ذات نوعيّة جديدة، فيه تصبح أبسط الأمور كالحشد، وحتّى إيجاد غرفة للاجتماع، تصبح مغامرة روتينيّة؛ كالاجتماع على كراسي المقاهي المغلقة بعد الدوام، في الظلام والبرد.

و«الركام» ملموس، أي أنّه حاضر في نقصه، يُرى يوميًّا خلال التجربة الطلّابيّة، حزبيّة كانت أو لا: عدم توفّر التمويل، والعفويّة في التنسيق، حيث تُبنى العلاقات وتُفَكّ بين المجموعات بشكل مستمرّ، والصعوبة في المراكمة على السوابق، ونقص في الدعم الإعلاميّ، وعدم وجود مساحات للاجتماعات، وانعدام المجال الخدماتيّ، وغيرها من أمور يجب أن تتوفّر في طبيعة الحال لكلّ ما يمكن تسميته «حركة طلّابيّة». هذا «النقص» شكّل ممارسة طلّابيّة ذات نوعيّة جديدة، فيه تصبح أبسط الأمور كالحشد، وحتّى إيجاد غرفة للاجتماع، تصبح مغامرة روتينيّة؛ كالاجتماع على كراسي المقاهي المغلقة بعد الدوام، في الظلام والبرد.

 

سيولة

إنّ علاقة الحاضر «الناقص» بالماضي «الوفير»، ليست نقيضة ثنائيّة فحسب، بل إنّ هذا الماضي أَنْتَجَ بتراكم نجاحاته وإخفاقاته واقعًا جديدًا له ميّزاته الشكليّة والذاتيّة: تجربة وممارسة تحكمها «السيولة» التنظيميّة والفكريّة. إذن، ما الّذي يوفّره لنا السياق الموضوعيّ والذاتيّ الراهن من فرص بناء مستقبل؟ للإجابة عن ذلك علينا أن نخوض بتعمّق أكبر في ميّزات هذه السيولة، بكونها ناتجة عن وضع راهن تحاول في سياقه الإجابة عن الأسئلة الّتي تطرحها المرحلة.

أبرز ما يمكن رؤيته في الوضع الراهن، نفور نسبيّ بين الطلّاب من الانضمام إلى الأحزاب، وهذه الظاهرة ليست - كما يقرؤها البعض - دلالة على تراجع الوعي السياسيّ عند الجيل الشابّ والمتعلّم؛ فكما يمكننا المشاهدة في المقابل، صعود دور المنتديات والمجموعات الثقافيّة اللّاحزبيّة، الّتي هي بنفسها مسيَّسة بامتياز. ولهذا أثر تنظيميّ وفكريّ في ما يمكننا تسميته «الحاضر السائل».

ترى هذه المجموعات نفسها عاملةً في سياق سياسيّ، ومساهمة في إنشاء البنى التحتيّة الّتي على أساسها تقوم الحركة الطلّابيّة. كما يمكن ادّعاء أنّها في الكثير من الأحيان (وهنا أخاطر في أن أدخل في المناكفة العبثيّة المذكورة أعلاه) عملت بصفتها محفّزًا على العمل الجماعيّ ما بين الكوادر؛ فالعلاقة الاجتماعيّة الّتي تُقام عليها هذه الأطر تحوي «المستقلّ» و«المُحَزَّب» بكلّ أطيافه: الليبراليّ، والشيوعيّ، والقوميّ، والأمميّ، والمُسَيَّس، وغير المُسَيَّس... وهي أيضًا مساحة حقيقيّة يجري فيها الاختلاف والنقاش لتطوير آفاق فكريّة نظريّة فلسطينيّة أوسع، نقاش غير محكوم من قِبَل الحسابات السياسيّة الخارجيّة؛ فحيث هي أطر تدّعي نفسها فلسطينيّة، وملتحمة مع هموم شعبها ومساعيه، وفي ظلّ غياب مشروع وطنيّ جامع، وطغيان الخلافات الدوغمائيّة غير المنتجة بين  الأحزاب بالنسبة إلى ما هي «فلسطين» فعلًا، وما «مساعي الشعب» فعلًا، تُفَعِّل هذه المساحات نقاشًا جدّيًّا وغير متناهٍ بين الشباب مجتمعين، بالنسبة إلى مسألة «الإجماع الفلسطينيّ»، أي أنّ بعكس الخلافات العقيمة بين الأحزاب، الّتي تتّسم بالبلاغيّة (والتكفيريّة الوطنيّة في بعض الأحيان) الّتي لا يمكنها إلّا أن تنتج ممارسة وحدويّة يرادف فيها العمل المشترك المساومة المرحليّة.

أبرز ما يمكن رؤيته في الوضع الراهن، نفور نسبيّ بين الطلّاب من الانضمام إلى الأحزاب، وهذه الظاهرة ليست - كما يقرؤها البعض - دلالة على تراجع الوعي السياسيّ عند الجيل الشابّ والمتعلّم؛ فكما يمكننا المشاهدة في المقابل، صعود دور المنتديات والمجموعات الثقافيّة اللّاحزبيّة

أدّعي أنّ لهذه المساحات دورًا أساسيًّا في بناء آفاق الحركة الطلّابيّة؛ لأنّها تُفَعِّل اختلاف منتج خلّاق لمفاهيم جديدة، يمكن على أساسها بناء قواعد قيميّة وممارسات مشتركة لعمل طلّابيّ فلسطينيّ عصريّ.

 

تفعيل التناقضات

النشوء المتسارع لهذه الأشكال من التنظيم، شكّل أيضًا أرضًا خصبة لتفعيل التناقضات غير المحسومة، ومكانتها بالنسبة إلى الحركة الطلّابيّة والقضيّة الوطنيّة بشكل عامّ، مثلًا، مكانة قضيّة العدالة الاجتماعيّة. بدراسة متواضعة، لكن جدّيّة، تطرح هبة يزبك تساؤلًا بالنسبة إلى نجاح الكوادر الطلّابيّة التقدّميّة، عبر تاريخ لجان الطلّاب العرب، في تطبيق فكرها حول العدالة الاجتماعيّة، من خلال سلوكيّاتها ومبناها التنظيميّ وأنشطتها، وتظهر كيف أنّه على الرغم من مركزيّة الطالبات في صفوف الحركة الطلّابيّة في أراضي 48 تاريخيًّا، غير أنّ هذه الحركات "لم تضمن التمثيل الفعليّ والمتساوي للطالبات في كتلها، كما لم تأخذ على عاتقها دمج قضايا النوع الاجتماعيّ وقضايا المرأة وقضايا المجتمع عامّة على أجندتها وأنشطتها بالشكل الكافي، بما ينسجم مع متطلّبات المرحلة"[4]. وتنسب الباحثة جزءًا من أسباب هذه الظاهرة إلى التشديد على دور الكوادر في التفاعل السياسيّ التقليديّ، على حساب دورها في إعادة بناء المجتمع ومفاهيمه.

لكنّنا، من خلال النظر إلى الكتل الطلّابيّة التثقيفيّة في «جامعة تل أبيب» مثلًا، مثل «منتدى إدوارد سعيد» و«منتدى الحقوق»، نرى مساحة تعيد صياغة هذه المفاهيم ومركزيّتها، بهدف تشكيل خطاب اجتماعيّ جامع لأعضاء الكوادر الطلبة والجيل الشابّ. ما يمكن رؤيته ممارسةً العدل الاجتماعيّ فيها ليس موضوعًا ثانويًّا، حيث نضوج القناعة بأنّ على القوى السياسيّة الشبابيّة الفاعلة أن تؤدّي دورًا طلائعيًّا متحدّيًا، يعيد تعريف الانتماء أو عدم الانتماء إلى الحركة الوطنيّة على أساس هذه القيم، لتشدّد على كون التحرّر الاجتماعيّ جزءًا عضويًّا من التحرّر الوطنيّ.

 

أسئلة مختلفة

هذه السيولة هي ليست تحدّيًا فقط، بل حيّز ممارساتيّ أنتج زخمًا من الإبداع والتفكير في ماهيّة المصلحة الجماعيّة الّتي على أساسها نحشد ونحرّك بصفتنا «حركة»؛ فهذه الأشكال التنظيميّة الجديدة يمكنها أن تثير النقاش المستمرّ حول ما هو الجماعيّ؛ إذ التفاوتات تُقَدِّم ولا تُؤَخِّر، وبإمكانها أيضًا أن توفّر آفاقًا جديدة. يمكن للمؤسّسات متعدّدة الأدوات والأدوار بناء الحركة الطلّابيّة من «تحت إلى فوق»، أي عبر خلق شبكات معرفيّة وتحريكيّة ثابتة في حدّ ذاتها، تتّخذ من القاعدة الطلّابيّة أساسًا لها؛ وهو ما يضمن ديمومة الحركة ودورها الفعّال في التأثير  والتغيير. إنّ انحصار الحركة في دور استنساخ المواقف وارتباطها التبعيّ بعوامل سياسيّة خارجيّة وهرميّة، كما نرى حين نستحضر الماضي، تخلخل الحركة، وتسهم فقط في أن تضيف من طبقات العمل الروتينيّ على تراكم الركام. وهذه نقطة أساسيّة يجب الانتباه إليها حين نستحضر الماضي، أي أنّ الأسئلة الّتي حاولت الإجابة عنها الحركة الطلّابيّ تنظيميًّا وفكريًّا كانت مختلفة في الماضي؛ فالعوامل التاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والموضوعيّة والذاتيّة للقضيّة الفلسطينيّة كانت مختلفة. فربّما من جهة، «أوسلو» وآفاق مرحلة «الحلّ السلميّ» وموتها، ومن جهة أخرى الانتفاضتان الأولى والثانية، صاغت الوعي الفلسطينيّ الطلّابيّ والشبابيّ.

اليوم أسئلتنا مختلفة جذريًّا، وعلى أجوبتنا أن تكون كذلك أيضًا. فقدان أيّ مشروع جماعيّ، وبروز الأزمات الاجتماعيّة...

اليوم أسئلتنا مختلفة جذريًّا، وعلى أجوبتنا أن تكون كذلك أيضًا. فقدان أيّ مشروع جماعيّ، وبروز الأزمات الاجتماعيّة، وطغيان التآمر الدوليّ من جهة، ومن جهة أخرى صحوة الشباب، وصعود التحرّك اللامركزيّ، وتحديدًا للأفعال النسويّة، تشكّل حاضرنا. في النهاية، الموضوع ليس إرجاع ما كان، إنّما دراسة الماضي نقديًّا مع التمركز بالحاضر؛ كي ننطلق منه صوب هدف جماعيّ واضح، لفرض مستقبل جديد.

..........

إحالات:

[1] على الرغم من كون تعميق هذا السجال بأبحاث مجتهدة تخوض تفاصيل الحراك ملحّ في مرحلتنا هذه، أوكّل ذلك لغيري من أصحاب شأن يحافظون على أرشيفات تاريخيّة لم ترها أعين الطلبة حتّى الآن.

[2] هذا النوع من الفراغ، يؤثّر أيضًا بشكل سلبيّ؛ إذ نفتقد المرجعيّات لفحص المصداقيّة، وذلك بدوره يعطي مجالًا لأبحاث منحازة وانتقائيّة تشكّل سرديّات تعمل وفق مصالح حزبيّة.

[3] ثمّة استثناءات مثل البحث الّذي أنجزه الدكتور مهنّد مصطفى بعنوان «الحركة الطلّابيّة العربيّة في الجامعات الإسرائيليّة»، بالطبعة الأولى سنة 2002، والثانية سنة 2011. أو دراسة هبة يزبك القصيرة عن تحدّيات الحركة الطلّابيّة تاريخيًّا في دمج النساء، حيث تشير حتّى هي إلى صعوبة إيجاد المصادر الموثوقة.

[4] هبة يزبك، «تمثيل النساء وقضاياهنّ في العمل الطلّابيّ الفلسطينيّ في الجامعات الإسرائيليّة»، في كتاب دراسات: النساء الفلسطينيّات في إسرائيل، ص 72-73.

 

 

أمير مرشي

 

 

 

ناشط طلّابيّ في «جامعة تل أبيب»، عضو سابق مؤسّس في «منتدى إدوارد سعيد» الطلّابيّ.

 

 

 

 

تعليقات Facebook