"العناية الإلهيّة" في مواجهة كورونا

Rick Szuecs

 

مع استمرار تصاعد موجات فايروس كورونا، وزيادة أعداد المصابين به حول العالم، ما زالت تعبيرات «العناية الإلهيّة» تفرض نفسها بقوّة في فضاءات التواصل العربيّة، من نوع «يا ربّ... دير بالك علينا!»... المتأمّل في هذه التعبيرات سرعان ما يكتشف ما تختزله في طيّاتها، من استخفاف بالوعي الجمعيّ للناس؛ فهي تأتي وكأنّها تؤسّس لشكل مختلف من أشكال التعويل في مواجهة الجائحة، تعويل يُخْرِج الإنسان من دائرة الفعل، ويسخّف من دوره في مواجهة تحدّياته ومحنه، ويجعل دوره مقتصرًا على طلب العناية الإلهيّة الكامنة في الغيب، دون أيّ التفات إلى الأدوار الحقيقيّة المنوطة به.

 

«فكّ السحر عن العالم»

إنّ فهم أسباب ظهور تلك التعبيرات وتصدّرها، مرتبط بملاحظة حالات الاستهتار الجماعيّ الكبيرة بالالتزام بإجراءات الوقاية العامّة؛ فحالات الاستهتار الجماعيّ تلك، ساهم في دفع تلك التعبيرات نحو تصدّر ساحات فضاءات التواصل، كما لو كانت تأتي لتقرّ شكلًا من أشكال الارتداد الجمعيّ، حول كلّ مظهر عقلنة يمكن من خلاله مواجهة الفايروس والحدّ منه ومن تفشّيه، بمنطق معاكس للمقولة الّتي جاء بها ماكس فيبر، حول اتّخاذ العقلنة وسيلة لإزالة النظرة السحريّة عن العالم، والنظر إليه بشكل عقلانيّ ومنطقيّ ورشيد، بعيدًا عن الغيبيّات والميتافيزيقيا. إنّ مقولة «فكّ السحر عن العالم» الّتي جاء بها فيبر تعني في ما تعنيه، ضرورة أن ينتقل الإنسان بنظرته في تفسير العالم، من مرحلة تفسيره بطريقة سحريّة أو لاهوتيّة إلى مرحلة تفسيره بشكل عقلانيّ؛ وهو ما من شأنه أن يقوده إلى رفض كلّ تفسيرات تقوم في تأويلها لحوادثه على الغيبيّات، بعيدًا عن التفسيرات العقلانيّة القائمة على مبدأ السببيّة والعلّة والنتيجة[1].

إنّ مقولة «فكّ السحر عن العالم» الّتي جاء بها فيبر تعني في ما تعنيه، ضرورة أن ينتقل الإنسان بنظرته في تفسير العالم، من مرحلة تفسيره بطريقة سحريّة أو لاهوتيّة إلى مرحلة تفسيره بشكل عقلانيّ...

وانطلاقًا من ذلك، يُطْرَح سؤال حول إذا ما كان ثمّة أيّ مظاهر عقلنة طرأت على السلوكيّات والخطابات الدينيّة في ظلّ كورونا؟ أو بصياغة أكثر دقّة: هل تمكّنت الجائحة من زحزحة النظرة السحريّة، الّتي ينظر بها كثرٌ من أبناء المجتمعات العربيّة إلى العالم؟ وهل فرضت الجائحة في إنتاج  خطاب دينيّ أكثر عقلانيّة؟

 

فقه المقاصد وضدّه

يمكن القول بوجود العديد من مظاهر العقلنة الّتي ميّزت الخطاب الدينيّ الرسميّ في ظلّ كورونا، ومن تلك المظاهر وجود خطاب دينيّ مساند للسياسات الصحّيّة الّتي تبنّتها الحكومات؛ فالعديد من المؤسّسات الدينيّة في المنطقة العربيّة اتّخذت قرارات بإيقاف الشعائر الدينيّة الجماعيّة، أو فرض قيود عليها، ودعت أفراد المجتمعات نحو الالتزام بالإجراءات الحكوميّة المفروضة لمواجهة الجائحة.

ومن مظاهر عقلنة الخطاب الدينيّ الّتي سادت كذلك، تغليب «فقه المقاصد»، وجعل هذا الفقه أولويًّا في الخطاب الدينيّ؛ وهو ما يظهر جليًّا في القرارات الّتي اتّخذتها المؤسّسات الدينيّة، وجرى عبرها الإعلاء من مقصد حفظ النفس والحياة الإنسانيّة، وجعلها مقدّمة على غيرها من المقاصد الأخرى، المتعلّقة بتأدية الشعائر الدينيّة على العموم[2].

إنّ مظاهر العقلنة الّتي سادت الخطاب الدينيّ الرسميّ في ظلّ كورونا، لا تنفي أنّ هناك قطاعًا عريضًا من منتجي الخطاب الدينيّ غير الرسميّ، ممّن جاء خطابهم على النقيض من الخطاب الرسميّ؛ إذ جاء محمّلًا بالعديد من المضامين المضادّة لكلّ عقلانيّة ممكنة، ومن ضمن ذلك ما جاؤوا به في تحليلهم وتفسيرهم لنشوء أزمة كورونا، الّتي أخضعوها لثنائيّة العقاب الإلهيّ في مقابل الرحمة الإلهيّة؛ فلم يروا فيها غير عقاب من الله أنزله على عباده، نظرًا إلى عدم امتثالهم للأوامر الدينيّة، وإقدامهم على فعل النواهي الإلهيّة[3].

ومن مظاهر اللاعقلنة الّتي أنتجها العديد من الفاعلين الدينيّين غير الرسميّين، معارضتهم القرار الّذي اتّخذته المؤسّسات الدينيّة الرسميّة بإغلاق أماكن العبادة، ومنع تأدية الشعائر الدينيّة الجماعيّة...

ومن مظاهر اللاعقلنة الّتي أنتجها العديد من الفاعلين الدينيّين غير الرسميّين، معارضتهم القرار الّذي اتّخذته المؤسّسات الدينيّة الرسميّة بإغلاق أماكن العبادة، ومنع تأدية الشعائر الدينيّة الجماعيّة؛ إذ أصدروا العديد من الفتاوى الّتي تعارض إغلاق دور العبادة، وحثّوا الناس على الاحتجاج، بحجّة أنّها أماكن من شأنها أن تساعد في مواجهة الجائحة، عبر التضرّع إلى الله وطلب الرحمة منه. وهي في مجملها مواقف وفتاوى تقدّم خطابًا معزولًا عن العلم، ويأتي في طرف مناقض له[4].

 

سطوة المعتقد الشعبيّ

إنّ ملاحظة مظاهر اللاعقلنة، الواضحة في خطاب العديد من الفاعلين الدينيّين غير الرسميّين في المنطقة العربيّة، تأتي بما يدلّل على صحّة الادّعاء الّذي أوردته المختصّة بالأنثروبولوجيا، أستاذة العلوم الدينيّة في «الجامعة اليسوعيّة» في بيروت رولا تلحوق، الّتي قالت في إطار تعقيبها على هذا الشأن: "في أحيان كثيرة، يتمسّك الناس بمعتقدات شعبيّة خاطئة، أكثر من تمسّكهم بالعقيدة الدينيّة الأصليّة، وغالبًا يكون لتلك المعتقدات سلطة على الشعب أقوى من سلطة التعليم الرسميّ. وطغيان المعتقدات الشعبيّة في التعاطي مع الوباء المستجدّ ليس صادمًا، فحتّى يومنا هذا نجد أناسًا يتعلّقون بخرافات متوارثة عن عبادات وثنيّة قديمة، ولا علاقة لها بالأديان السماويّة". وحسب تلحوق، فإنّ ثمّة العديد من المعتقدات الشعبيّة الصغيرة، الّتي لا وجود لها في النصوص الدينيّة والكتب المقدّسة والشرائع، ومع ذلك لها سطوة كبيرة، ويصرّ الناس على التمسّك بها من منطلقات لها علاقة بالعاطفة الدينيّة وليس المعتقد المُرَسْمَن[5].

إنّه ذلك الخطاب الّذي تأتي فيه تعبيرات «العناية الإلهيّة» كما لو كانت تميمة دعائيّة تُخْرِج الإنسان من دوائر التأثير في مصيره، وتجعله خاضعًا بالكلّيّة لمقادير الاستعانة بالغيبيّ...

إنّ كلام تلحوق السابق يمكن الاستناد عليه في تفسير العديد من مظاهر اللاعقلنة الّتي سادت الخطاب الدينيّ؛ فهو خطاب لا مشكلة لديه في التخفّف من كلّ إطار عقائديّ راسخ ومُثْبَت بالنصوص والقواعد الفقهيّة، وهو يطالب بفتح دور العبادة وتأدية الشعائر الجماعيّة، دونما أيّ التفات حقيقيّ للمقاصد أو النصوص الشرعيّة، الّتي يضجّ قلبها بأحكام وفتاوًى تراعي الواقع، وتساند الحقائق العلميّة السائدة والمنتَجة فيه. إنّه ذلك الخطاب الّذي تأتي فيه تعبيرات «العناية الإلهيّة» كما لو كانت تميمة دعائيّة تُخْرِج الإنسان من دوائر التأثير في مصيره، وتجعله خاضعًا بالكلّيّة لمقادير الاستعانة بالغيبيّ؛ تلك المقادير الّتي – ويا للمفارقة! - تدعو الإنسان إلى سلوك طرق استعانة عقلانيّة واعية ومدركة، ينبذ عبرها الإنسان عجزه وراء ظهره، ويمضي لتحمّل مسؤوليّته تجاه مصيره.

يبدو أنّنا نحو «فكّ السحر عن العالم»، سيكون أمامنا الكثير لنفعله، حتّى ننجو!

..........

إحالات:

[1]  ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة، ط1 (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، 2011)، ص 395.

[2]  محمّد البسيوني، "سياسة الأمل - اتّجاهات دعم الخطاب الدينيّ الرسميّ لمكافحة «كورونا»"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة، 12/4/2020، شوهد في 30/09/2020، في: https://bit.ly/31vsqYo

[3]  المرجع نفسه.

[4]  المرجع نفسه.

[5]  سناء الخوري، العبادة في زمن كورونا: لماذا لا يصدّق المؤمنون أنّهم عُرضة للعدوى؟، بي بي سي، 10/3/2020، شوهد في 30/09/2020، في: https://bbc.in/3gDERYs.

 

 

إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

تعليقات Facebook