«بلديّة حيفا»... مؤسّسة مدينيّة أنشاها العثمانيّون فنهض المجتمع

شارة بلديّة حيفا عام 1935

 

شهدت الدولة العثمانيّة في النصف الثاني من القرن الـ 19، سلسلة من الإصلاحات تحت مسمّى «التنظيمات»، الّتي بدأ بعضها قبل ذلك بقليل، وفي أمور محدّدة. ومن بين الإصلاحات مأسسة الإدارة المحلّيّة في المدن في أرجاء الدولة، ومن بينها في فلسطين، وكانت حيفا إحداها، وقد وضعت هذه الإصلاحات فكرة الإدارة البلديّة. وجدير ذكره أنّ «البلديّة» مصطلح إداريّ حديث تشكّل في الغرب، ثمّ انتقل إلى الدولة العثمانيّة لاحقًا. في حين أنّ المؤسّسة الإداريّة الّتي أشرفت على تسيير الحياة اليوميّة في المواقع السكنيّة كانت عبارة عن مجلس إدارة القضاء. وصودق على قانون الولايات في الدولة عام 1871، وفيه التوصية بإنشاء مجلس بلديّ في كلّ مدينة، عـلمًا أنّ أوّل بلديّة أُنْشِئت قبل إعلان القانون الرسميّ كانت في العاصمة إستنبول، ثمّ في القدس عام 1863، وتلتها نابلس عام 1869.

 

رئيس كلّ أربع سنوات... أعضاء كلّ سنتين

أمّا بلديّة حيفا، فَيُرَجَّح أنّها أُنْشِئَت عام 1873، وتشكّـل المجلس البلديّ من ستّة أعضاء إلى 12 عضوًا انْتُخِبوا من المواطنين الرجال في سنّ 25 عامًا ففوق، ودافعين ضريبة أملاك بقيمة 50 قرشًا في الحدّ الأدنى. أمّا رئيس البلديّة فعيّنته الحكومة المركزيّة في العاصمة. وامتدّت دورة «المجلس البلديّ» إلى أربع سنوات، وكلّ سنتين يُبَدَّل نصف الأعضاء منعًا للكسب غير القانونيّ وتأكيدًا للنزاهة. ويمكن اعتبار البلديّة رافعة نحو تجذير أسس إداريّة حديثة، وإلى مدًى زمنيّ طويل فيه استمراريّة وديمومة.

 

دار بلديّة حيفا عام 1942

 

ومع انطلاقة بلديّة حيفا للعمل، اتّخذت مقرًّا لها في غرفة صغيرة عند البوّابة الشرقيّة للمدينة القديمة، قريبًا من «السوق المركزيّة» (الحسبة). ومع نموّ المدينة وازدياد عدد سكّانها، انتقلت البلديّة قرابة 13 مرّة إلى أنْ شرعت ببناء مقرّها الواسع قريبًا من «دار السرايا» (الّذي كان قائمًا على أرض «عمارة الصاروخ» الحاليّة)، لكنّ سلطات الانتداب البريطانيّ، بعد احتلال المدينة نهاية الحرب العالميّة الأولى، هدمت «دار السرايا» لإتاحة المجال لمدّ خطوط السكّة الحديد الّتي ربطت مصر بحيفا. ومن أبرز اهتمامات البلديّة في هذه الفترة تنظيف المدينة، وإنارة الأضواء بالكاز، والإشراف على البناء والأسواق.

مع مرور الزمن، اضطرّت البلديّة إلى توسيع مجالات اهتماماتها؛ إذ أولت عناية خاصّة بشقّ الطرقات، وافتتاح مدرسة رسميّة، وإقامة مستشفًى صغير لتوفير الخدمات الصحّيّة للمواطنين.

 

وُجَهاء وأثرياء

وجدير ذكره أنّ «المجلس البلديّ» قد تشكّل من مسلمين ومسيحيّين من العائلات الثريّة والوجيهة والمتنفّذة، ولم يكن لليهود أيّ تمثيل في الفترة العثمانيّة لقلّة عددهم، لكن لم يتأخّر «المجلس البلديّ» في توفير الخدمات والاحتياجات لليهود المقيمين في المدينة.

لا تتوفّر لدينا مصادر مؤكّدة حول شخصيّة أوّل رئيس بلديّة، إلّا أنّ المؤرّخين والباحثين في هذا الأمر أجمعوا الرأي على أنّ نجيب أفندي ياسين أوّل رئيس للبلديّة في الفترة بين 1873 و1877، ثمّ خلفه أحمد أفندي شلبي من 1878 إلى 1881، وهو تركيّ الأصل، هاجرت عائلته وأقامت في مدينة عكّا، وكان لها مساهمات في التجارة والإدارة المحلّيّة، وانتقل إلى حيفا لأغراض التجارة واستقرّ فيها. أمّا رئيس البلديّة الثالث فهو مصطفى بك الصلاح، تولّـى رئاسة البلديّة بين 1881 و1884، وهو من عائلة ثريّة جدًّا ذات أملاك موزّعة في المدينة وخارجها. وتولّى عدد من أبناء العائلة مناصب ووظائف إداريّة وقضائيّة في المدينة وغيرها من المدن. وهو نفسه تولّى منصب «مدير ناحية قرى الناصرة» في الفترة الّتي سبقت تولّيه رئاسة البلديّة، ونتيجة لكسبه خبرة مهنيّة مشهودًا لها، عيّنته الدولة في هذا المنصب.

 

أعضاء بلديّة حيفا في الثلاثينات

 

برج الساعة والحمّام

أمّا الّذي تولّى رئاسة البلديّة من بعده فهو مصطفى باشا الخليل، ولمدّة طويلة نسبيًّا مقارنة بسابقيه؛ إذ بدأها في عام 1885 وأنهاها في 1903. مصطفى باشا من قرية كفر لام الواقعة إلى الجنوب من مدينة حيفا، وهُجِّرت على يد القوّات الصهيونيّة عام 1948، وأقاموا مكانها مستعمرة «هَبونيم». وقد امتلك أراضي زراعيّة في قريته وقرًى مجاورة، وعيّنته الدولة ملتزِمًا لجباية الضرائب، إلى جانب تجارته في بيع الحبوب ومنتجات الألبان في أسواق حيفا. وسرعان ما ارتقى في السلّم الاجتماعيّ ثمّ في السلّم الوظيفيّ، فعيّنته الدولة عضوًا في «مجلس القضاء». وتقرّب مصطفى الخليل من العائلات المرموقة في المدينة، إذ تزوّجت ابنته فاطمة من حسن شكري، الّذي سيصبح رئيسًا للبلديّة في وقت لاحق. وشهدت فترة رئاسته بعض التطوّرات في المدينة، ومن بينها تطوير الميناء القديم، وبناء حمّام عموميّ حمل اسمه، ولا يزال موجودًا في حيّ «وادي الصليب». ثمّ عمل جاهدًا على بناء برج الساعة قرب «مسجد الجرينة» في البلدة القديمة، تكريمًا لذكرى مرور 25 عامًا على جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على كرسيّ السلطنة، أسوة ببلديّات أخرى في فلسطين وغيرها، بادرت إلى تطبيق الفكرة ذاتها؛ أي بناء أبراج ساعات في مدنها. وعُرِف عنه كرمه واهتمامه بالعائلات الفقيرة والمحتاجة، وخاصّة خلال النصف الثاني من الحرب العالميّة الأولى حين انتشرت المجاعة، علاوة على الأمراض والأوبئة؛ فقد وزّع الحبوب على المحتاجين. توفّي في نهاية الحرب العالميّة الأولى، ودُفِنَ في مقبرة «البكوات» المجاورة لمبنى «إدارة سكّة الحجاز» مقابل «عمود فيصل» في الجهة الشرقيّة للمدينة.

 

ربط الساحل الفلسطينيّ بالعمق السوريّ

وتولّى من بعده رئاسة البلديّة جمال صادق من 1904 إلى 1910، وهو من عائلة تركيّة الأصل، والده كان حاكم حيفا في ثمانينات القرن الـ19. وعُيِّن الأب حاكمًا في مدن أخرى في ولايات أخرى في المنطقة، إلّا أنّ العائلة استمرّت في الإقامة في مدينة حيفا.

وفي فترة رئاسة صادق كان تمديد «الخطّ الحديديّ الحجازيّ»، من مدينة درعا في جنوب سوريا إلى حيفا، وهذه كانت نقطة تحوّل مركزيّة في تنشيط عجلة الاقتصاد في المدينة والجوار. هذا المشروع المهمّ الّذي ربط الداخل السوريّ بالساحل الفلسطينيّ، شكّل رافعة اقتصاديّة لقطاعات مختلفة زراعيّة وصناعيّة وتجاريّة، وسرّع في تطوير مدينة حيفا، وأيضًا في فتح بوّابة الساحل الفلسطينيّ على البحر المتوسّط من أبوابه الواسعة، علمًا أنّ الموانئ الّتي كانت قائمة أدّت أدوارها، إلّا أنّها قديمة وأُصيبت بالترهّل والتكلّس.

 

كتاب حول وضع صور رؤساء بلديّة حيفا في مقرّها المنشأ حديثًا عام 1942

 

اغتيال

أمّا رفعت الصلاح فتولّى إدارة بلديّة حيفا لسنة واحدة فقط عام 1910، علمًا أنّه كان عضوًا في «مجلس القضاء»، وفي المحكمة الشرعيّة للمدينة. خلفه إبراهيم الخليل عام 1911، وهو ابن مصطفى باشا الخليل، وبقي في منصبه حتّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى عام 1914. ولم تشهد فترته مشاريع خاصّة، إذ استمرّت المبادرات الخاصّة لإقامة مؤسّسات تعليميّة وطبّيّة تابعة للكنائس والأديرة، وهذه أسهمت في تحسين الوضع التعليميّ للمدينة ولسكّانها. وجدير ذكره هنا أنّ إبراهيم الخليل اهتمّ بمصالحه الشخصيّة، ولا سيّما إدارته للعقارات الكثيرة الّتي خلّـفها له والده، ومن بينها «قصر الباشا»، وهو المبنى الكبير الكائن مهجورًا في حيّ «وادي الصليب».

وتولّـى الخليل رئاسة «الجمعيّة الإسلاميّة» في المدينة مع انطلاق الثورة الفلسطينيّة الكبرى عام 1936، إلّا أنّه اغتيل في الرابع من أيلول 1937 عند مدخل بيت العائلة المذكور، وساد اعتقاد أنّ القاتل كان مرسَلًا من طرف المفتي أمين الحسيني، على خلفيّة خلافات سياسيّة وحزبيّة.

 

الثلاثينات... سيطرة اليهود

مع بداية الحرب العالميّة الأولى، عيّنت الدولة العثمانيّة لرئاسة البلديّة حسن شكري، الّذي دامت رئاسته نحو 19 عامًا متقطّعة؛ فالرجل من مواليد 1876 في القدس لعائلة تعود أصولها إلى القفقاز، حيث هاجر أجداده في بداية القرن الـ 19 إلى إستنبول، وتقرَّب أبناؤها من قيادة الدولة فَعُيِّن بعض رجالها في مناصب إداريّة.

وكان عبد الله باشا شكري، جدّ حسن شكري، مندوبًا للسلطان في دمشق، وهناك تزوّج من امرأة شركسيّة ولدت له أربعة أبناء وبنتًا، أحدهم أحمد شكري الّذي تولّى كوالده سلسلة من المناصب الإداريّة في الدولة، منها قائمقام لمدينتي صيدا والناصرة، ثمّ لمدينة حيفا، حيث انتقلت العائلة للسكن والعيش فيها.

 

حيفا ليلًا عام 1940

 

أكمل حسن شكري دراسته العليا في إستنبول، وتقرّب من رجال الدولة الكبار، وبفضل خاله خيري باشا، طبيب السلطان الشخصيّ، عُيِّن في عدد من المناصب الإداريّة، منها سكرتير «مجلس بلديّة عكّا»، ثمّ مسؤولًا عن ماليّة المدينة والقرى المحيطة بها، وتميّز بكونه رجل إدارة بعيدًا عن الحياة السياسيّة الّتي بدأت تنشط في أواخر العهد العثمانيّ، وفي مقدّمتها ارتفاع الأصوات المندّدة بالمشروع الصهيونيّ الآخذ بالتمدّد أكثر وأكثر. وعُرِفَ عنه وعن حميه مصطفى باشا الخليل تقرّبهما من اليهود. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخليل باع مساحات من الأراضي لليهود في المناطق القريبة من حيفا. هذا التوجّه من طرف حسن شكري نحو التعاون مع اليهود زاد نفوذهم في البلديّة في فترة الانتداب، إلى درجة أنّهم وجّهوا مصوّتيهم إلى انتخابه وتعيين شابتاي ليفي نائبًا له، وبالتالي بسط سيطرة اليهود بالكامل على البلديّة مع نهاية الثلاثينات.

 

الرئيس الأوّل زمن الانتداب

بعد احتلال الجيش البريطانيّ لفلسطين عام 1918، انتهى الحكم العثمانيّ الّذي دام أربعة قرون، وأعلنت بريطانيا عن استمرارها في تبنّي نُظُم إداريّة كان معمولًا بها في الحكم السابق، وفي مقدّمتها البلديّات.

اختير عبد الرحمن الحاجّ رئيسًا لبلديّة حيفا بين 1920 و1927، وهو ابن لعائلة ثريّة من قرية كفر لام، جنوبيّ حيفا، في الأصل، وامتلك والده عبد الله مساحات من الأراضي في عين غزال والطيرة، وداخل مدينة حيفا القديمة، وأشغل منصبًا في إدارات البلديّة نهاية القرن الـ 19.

كان الحاجّ محسوبًا على معسكر المجلسيّين، أي من مناصري المفتي الحاجّ أمين الحسيني، وتميّزت رئاسته للبلديّة بمشروعين رئيسيّين: تمديد أنابيب ومجاري الصرف الصحّيّ في عدد من أحياء المدينة، ووضع أسس بناء محطّة شركة الكهرباء، والشروع بتمديدات الخطوط الكهربائيّة.

كان الحاجّ محسوبًا على معسكر المجلسيّين، أي من مناصري المفتي الحاجّ أمين الحسيني، وتميّزت رئاسته للبلديّة بمشروعين رئيسيّين: تمديد أنابيب ومجاري الصرف الصحّيّ في عدد من أحياء المدينة، ووضع أسس بناء محطّة شركة الكهرباء

عَصْرَنَة

ممّا لا شكّ فيه أنّ فرض «قانون البلديّات» قد أسهم في مأسسة الخدمات، ووضع حدًّا، نوعًا ما، لهيمنة العائليّة في تولّي مناصب إداريّة مركزيّة وذات أهمّيّة في الفضاء العامّ. ثمّ إنّ البلديّة سارت وفقًـا لأسس حديثة متأثّرة بأنظمة مشابهة في أوروبّا، وقد جبت الضرائب، وفي مقدّمتها «المسقّفات» لتكوين ميزانيّة للبلديّة، لتصرف على مشاريعها ومبادراتها المختلفة.

وفي حقيقة الأمر أنّ البلديّة بشكلها التمثيليّ ومشاريعها الخدميّة، مثّلت انتقالًا نوعيًّا إلى مجتمع حضريّ حديث ومعاصر، على الرغم من أنّها خطوة قد جاءت متأخّرة، نوعًا ما، في نهاية الفترة العثمانيّة، إلّا أنّها وضعت أسسًا لمؤسّسة مدينيّة، تسعى إلى الخدمة على قواعد مغايرة لتلك الّتي كانت قائمة ومعمولًا بها.

ولا بدّ من الإشارة هنا، إلى أنّ حكومة الانتداب البريطانيّ استمرّت في تبنّي النموذج العثمانيّ للبلديّة، مع إحداث تغييرات تتعلّق بانتخاب رئيسها وأعضائها، مؤكّدة بذلك أنّ هذا النموذج لاقى نجاحًا ورواجًا، وما زال قائمًا، ليس فقط في فلسطين، بل في سائر المناطق الّتي كانت خاضعة للحكم العثمانيّ أيضًا.

 

 

تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «الساحل الفلسطينيّ»، بالتعاون بين جمعيّة الثقافة العربيّة وفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ورمّان الثقافيّة، في إطار «مهرجان المدينة للثقافة والفنون» 2020.

 

 

 

جوني منصور

 

محاضر في قسم التاريخ بالكلّيّة الأكاديميّة 'بيت بيرل'، يعمل في حقل التربية والتعليم منذ 37 عامًا، ناشط اجتماعيّ وسياسيّ في أطر مختلفة. له إصدارات وأبحاث عديدة في مجال التاريخ، منها: 'شوارع حيفا العربيّة'، 'الاستيطان الإسرائيليّ'، 'مسافة بين دولتين'، 'إسرائيل الأخرى'، 'الخطّ الحديديّ الحجازيّ'، 'الأعياد والمواسم في الحضارة العربيّة'، 'المدينة الفلسطينيّة في فترة الانتداب البريطانيّ'، 'المؤسّسة العسكريّة في إسرائيل'، 'حيفا، الكلمة التي صارت مدينة'، 'خارطة حيفا العربيّة'.

 

 

تعليقات Facebook