كيف تكون التعدّديّة مفتاحًا لتطوّر الذات وتحرّرها؟

 

الإيمان باللّاشعور

لكلّ إنسان متكلّم مساحة يقطن فيها اللاشعور، تتقلّص هذه المساحة من خلال العمل على توسيع الوعي الذاتيّ، ولكن دائمًا يبقى شيء من اللاشعور، وذلك حتّى لو مرّت الذات بشوط طويل تحت التحليل النفسيّ والتحليل النفسيّ الذاتيّ (كما فعل فرويد في بداياته).

الوعي لحقيقة أنّه دائمًا ثمّة ما هو خفيّ وما هو خارج الوعي الذاتيّ، يحفّز الإنسان إلى السعي لتوسيع الوعي والمعرفة، ويخلق الرغبة أيضًا، وهذا يوضّح أهمّيّة وجود الآخر غير المماثل، وإسهامه في توسيع الوعي الذاتيّ والمعرفة والاستمرار قدمًا في البحث عمّا يجهله؛ فهكذا تصبح سيرورة اكتساب المعرفة والوعي الذاتيّ وتوسيعهما جارية تمامًا كالنهر المتجدّد بمياهه النقيّة والعذبة.

أمّا مَنْ لا يؤمن بوجود اللاشعور، فنراه مكتفيًا بالمعرفة الّتي وصل إليها؛ ففي نظره ثمّة مكان وظروف تتيح الوصول إلى المعرفة المطلقة. نراه في دَوْر الملقّن والواعظ، تمامًا كالقدّيسين، هؤلاء الّذين يملكون الخير المطلق...

أمّا مَنْ لا يؤمن بوجود اللاشعور، فنراه مكتفيًا بالمعرفة الّتي وصل إليها؛ ففي نظره ثمّة مكان وظروف تتيح الوصول إلى المعرفة المطلقة. نراه في دَوْر الملقّن والواعظ، تمامًا كالقدّيسين، هؤلاء الّذين يملكون الخير المطلق، ووجود الشرّ لديهم - هذا إن وُجِد -  يكون حالة استثنائيّة نادرة الوجود، والأمر غير محصور على المتعصّبين دينيًّا، إنّما على أصحاب توجّهات أيديولوجيّة أخرى أيضًا، قد تبدو للعيان منطقيّة وعادلة، دون الاكتراث بالآخر أو بالمعرفة والمهارات الّتي يحملها، يرى الأمور حوله وكأنّ الأجوبة عن جميع الأسئلة موجودة في جيبه؛ فلا شيء يمكنه أن يخفى عنه لأنّه لا يؤمن باللاوعي، وإن اكتشف خطأً فَعَلَه يُخْفِه، يخجل منه، ولا يسعى إلى المشاركة في ذلك مع غيره أو أمام الملأ. يتعامل مع الآخر فقط من خلال منظوره الخاصّ، والحكم على الآخر نتيجة هذا المنظور، دائمًا يخرج بتفسير لما يجري حوله، ويخجل من الحديث عمّا يجهله. 

هؤلاء الأشخاص ينظرون إلى الآخر ويحكمون عليه من منظورهم الذاتيّ، الّذي يفتقد الشموليّة والرؤية التعدّديّة للصورة أو الموقف الّذي يواجهونه؛ فهم والآخر يتقاسمان بينهما قطبين من المواقف لا ثالث لهما: سيّئ جيّد، شرّير طيّب، مهنيّ بارع أو مهنيّ سيّئ، صاحب أخلاق أو عديم أخلاق. قلّما تسمعهم يتحدّثون عن تجاربهم الخاصّة، عن أخطائهم أو زلّاتهم؛ فهم يرون الأخطاء والزلّات دليل إدانة ضدّهم يجب إخفاؤه؛ فالآخر هو العدوّ أو الندّ الباحث عن إظهار فشلهم، كي يشعر براحة مع ذاته وعجزه وعدم تطوّره. هذه الفئة تبدو تمامًا كالنهر الراكد، الّذي كان يحمل قديمًا مياهًا عذبة وصافية، لكنّها باتت غير نقيّة ومليئة بالأوساخ.

 

الإيمان بالاختلاف

أحد أهمّ التوجّهات في علم النفس هو التحليليّ الكلاسيكيّ الممثّل بفرويد، مبتكر العلاج النفسيّ التحليليّ، وهو أوّل مَنْ رأى أنّه من خلال الكلام يمكن الإنسان الشفاء والتغلّب على عوارضه النفسيّة. كذلك المحلّل النفسيّ الفرنسيّ جاك لاكان، الّذي رأى نفسه ملتزمًا للمنهجيّة الّتي أسّسها فرويد، اعتبر أنّ للغة دورًا محوريًّا في معرفة اللاوعي واللاشعور، وأشار أيضًا إلى دور اللغة في تشكيل الذات، وإلى أنّ اللاشعور سياسيّ؛ إذ تُكبَت دلالات القهر والاستعباد، وكلّ ما يمكنه أن يشوّه صورة الحاكم القويّ، أو حتّى يشير إلى استبداده، وذلك بفعل الترهيب والتهديد الشديد والمستمرّ، الممارَس على يد الحاكم وأذرعته المختلفة.

التوجّه التحليليّ يرى أنّ كلّ فرد في المجتمع أو خارج المجتمع، ذاتٌ لها بوصلتها الخاصّة وحكمتها الأصيلة الفريدة والمتميّزة عن الآخرين، الآتية من تاريخها الذاتيّ وتجاربها، من خلال الحياة الّتي عاشت، والّتي بالإمكان اكتشافها (اكتشاف الذات) والوعي بها في سياق مجتمعيّ فيه إيمان - ولو داخليًّا فقط - بفرضيّة أنّه يجب أن تكون مساواة حقيقيّة بين جميع أفراد المجتمع.

هذا التوجّه يرى أنّه لا يمكننا التحرّر إن لم نعمل على احتواء التعدّديّة داخلنا؛ وذلك من خلال تواصل النفس مع أجزائها المختلفة، عن طريق عدم الاكتفاء بالانصياع للجهاز الدفاعيّ الأوّليّ غير الناضج، الفاصل (Split)، والسعي إلى احتواء التعدّديّة داخل النفس...

هذا التوجّه يرى أنّه لا يمكننا التحرّر إن لم نعمل على احتواء التعدّديّة داخلنا؛ وذلك من خلال تواصل النفس مع أجزائها المختلفة، عن طريق عدم الاكتفاء بالانصياع للجهاز الدفاعيّ الأوّليّ غير الناضج، الفاصل (Split)، والسعي إلى احتواء التعدّديّة داخل النفس. يمكننا الوصول إلى احتواء التعدّديّة داخلنا فقط، من خلال تقبّل وجود الذوات الأخرى المختلفة عنّا أيًّا كانت؛ الذوات صاحبة الميول الجنسيّة المغايرة مثلًا، المختلفة من ناحية الجندريّة، الذوات اللواتي يتبعن ديانات أخرى، وصاحبات أيديولوجيا مختلفة، واختلافات عديدة أخرى.

إذن، تقبّل الآخر غير المماثل والتعامل معه لا يأتيان من موقع محسّن للآخر أو مانح للحرّيّة، أي من موقع متعالٍ، إنّما من إيمان عميق بأنّ هذا الاختلاف صحّيّ، ويخدم تطوّر الذات، وتوسيع وعيها قبل أن يخدم الآخر المختلف وحقّه في الوجود، تمامًا كالنهر الجاري الّذي تطرّقت إليه أعلاه.

 

ذاتنا وذاتهم

نحن أبناء شعب نعيش منذ سنين طويلة تحت الاحتلال، وتحت محاولات عديدة ومستمرّة لمحو هويّتنا الفلسطينيّة وإلغائها، ذلك لأنّها تشير - أو حتّى ترمز - إلى جرائم المحتلّ وأعماله غير الإنسانيّة، على أقلّ تعبير، تجاهنا؛ وهو ما يهدّد صورته المتخيّلة والمتغنّاة للصهيونيّ المعمّر الأرض، البنّاء النشيط، صاحب الأخلاق، الّذي يؤمن  بحقوق الإنسان وبالعدل والمساواة بين البشر، وبأنّه عن طريق العمل الشاقّ الشريف يمكن الفرد الوصول إلى مبتغاه، وينبذ الظلم ونهْب الآخر.

السياسة الإسرائيليّة المتّبعة تجاهنا على مرّ السنين تضعنا بمكانة الآخر الشفّاف غير المرئيّ، في حال إفلاتنا من القتل الفعليّ وإخراجنا من دائرة الأحياء. إذن، فالآخر المغاير للذات الصهيونيّة هو نحن أبناء الشعب الفلسطينيّ. الذات الصهيونيّة المعترف بها، الظاهرة بشكل جليّ وبارز في أغلب المنتديات المهنيّة العالميّة؛ إذ لا يمكن أن تشترك في مؤتمر لتتحدّث عن معاناة الفلسطينيّين دون أن يتطرّق أحدهم إلى الذات الصهيونيّة، ومعاناة ما عاشت من خلال تاريخها مرورًا بالهولوكوست.

أمّا مفتاح تحرّرنا وتطوّرنا نحن الفلسطينيّين، فهو بتلاحمنا وتواصلنا مع بعضنا بعضًا، كذوات مختلفة ومتعدّدة الجوانب، وتقبّلنا للآخر، والإقرار باختلافاتنا، والتعدّديّة داخل مجتمعنا، أنّ الآخر المغاير، رؤيته وتقبّله هو المفتاح لتطوير الذات وتحرّر الشعوب...

لا يمكن الذات الإسرائيليّة أن تتطوّر قدمًا وتحتوي التعدّديّة داخلها من دوننا نحن، الفلسطينيّين، دون أن تواجه جرائمها بحقّنا وما سبّبته من هدم لنا؛ فمفتاح التطوّر المجتمعيّ، وتلاحم الشرخ الأخلاقيّ الّذي يعاني المجتمع الإسرائيليّ منه، ومن ثَمّ الخروج من حالة الركود والفساد الّتي يعيشها، كامنة بأيدينا نحن، وذلك رغم قوّة جيشهم وقوّة اقتصادهم ووسع تحالفاتهم حول العالم.

أمّا مفتاح تحرّرنا وتطوّرنا نحن الفلسطينيّين، فهو بتلاحمنا وتواصلنا مع بعضنا بعضًا، كذوات مختلفة ومتعدّدة الجوانب، وتقبّلنا للآخر، والإقرار باختلافاتنا، والتعدّديّة داخل مجتمعنا، أنّ الآخر المغاير، رؤيته وتقبّله هو المفتاح لتطوير الذات وتحرّر الشعوب. تحرّرنا وتطوّرنا مشروطان بتوسيع الوعي الذاتيّ وتقبّل التعدّديّة.

وذلك يمكن الوصول إليه حسب تجربتي وتوجّهي الذاتيّ، من خلال سيرورة التحليل النفسيّ، ومعرفة تقنيّات العمل من خلاله. قد يكون ثمّة مسارات أخرى للوصول إلى ذلك، لكنّي لست مطّلعة عليها في هذا الوقت، وأدعو الزملاء ذوي التجارب والخبرة المختلفة للكتابة حول ذلك، ما قد يسهم في توسيع معرفتنا جميعًا.

 

مبادرة... لعلّ

نظرًا إلى قلّة الكتب في علم النفس التحليليّ، المترجمة بشكل جيّد إلى اللغة العربيّة، ونظرًا إلى أنّ هذه الكتابات مركّبة ومتعدّدة الأبعاد، يصعب أحيانًا الوصول إليها وفهمها من خلال القراءة المنفردة، بادرنا في «الشبكة الفلسطينيّة العالميّة للصحّة النفسيّة» إلى تكوين مجموعة قراءة في كتابات فرويد الأساسيّة. وقد أتت هذه المبادرة أيضًا بسبب قلّة المعرفة والممارسة العمليّة للتحليل النفسيّ وتقنيّات العمل، حسب هذا التوجّه، في فلسطين التاريخيّة بعامّة، حيث لا تتعدّى التجارب العلميّة والعمليّة بالتحليل النفسيّ بضعة مختصّين في المجال.

لا يمكن الذات الإسرائيليّة أن تتطوّر قدمًا وتحتوي التعدّديّة داخلها من دوننا نحن، الفلسطينيّين، دون أن تواجه جرائمها بحقّنا وما سبّبته من هدم لنا...

وهنا أجد من المناسب التعريف بالشبكة، الّتي ترى في نفسها نواة لحركة شاملة، تستقطب وتستثمر الطاقات المعرفيّة والفكريّة الفلسطينيّة في مجال الصحّة النفسيّة والعلاج النفسيّ في فلسطين التاريخيّة والعالم، من أجل إنسان حرّ، ووطن حرّ، وعالم حرّ. تطمح الشبكة الّتي أُعْلِنَت مبادرة إقامتها في التاسع من شهر حزيران (يونيو) 2019، والّتي تجمع من خلال عملها وفعاليّاتها مهنيّين فلسطينيّين، ذوي اختصاصات مختلفة في مجالات الصحّة النفسيّة، إلى أن تكون بيتًا مهنيًّا جامعًا لكلّ الفلسطينيّين العاملين في هذا المجال، في مختلف أماكن وجود الفلسطينيّين. كما تسعى إلى تعزيز التواصل والإثراء المهنيّ المتبادل والمتواصل، بين أبناء شعبنا في جميع أماكن وجودهم؛ إذ نرى أنّ الطريق إلى التحرّر من الاحتلال والعبوديّة والظلم يمرّ عبر التواصل مع الذات، من خلال توسيع الوعي الذاتيّ.

 

 

منال أبو حقّ

 

 

من مدينة الرملة، تعمل معالجةً نفسيّة. ناشطة في مؤسّسات حقوقيّة تُعنى بحقوق الأطفال والحياة تحت الاحتلال الإسرائيليّ، تحاضر وتبحث في موضوع العلاقة بين النفسيّ والسياسيّ، وهي عضو مؤسّس في «الشبكة الفلسطينيّة العالميّة للصحّة النفسيّة». 

 

 

تعليقات Facebook