الجنديّة المصريّة: من نَزْعِ فأس الفلّاح حتّى عسكرة المشاعر

صورة قادر أقسوي

 

لو أنّك تعيش في مصر، وخطت قدماك وسط «ميدان رمسيس» بالقاهرة، ودقّقت نظرك في السائرين، فوجدت شابًّا يافعًا يلبس «أفرول» للجيش المصريّ، ويحمل «بُؤجته» ذاهبًا أو عائدًا من خدمته العسكريّة الّتي يقضيها، فوقّفته وسألته: هل تحبّ الخدمة العسكريّة؟ فإنّك ستجده عمومُا يحبّ الجيش المصريّ، ولكن إن خيّرته في أن يستمرّ في خدمته العسكريّة حتّى تنتهي أو تنتهي الآن، فماذا سيكون ردّه؟ وإن قابلته منذ 50 عامًا فماذا ستكون إجابته؟ ومن هنا، نبحث في مشاعر الجنديّة المصريّة، منذ تأسيس جيش مصر الحديث بواسطة باشويّة محمّد علي، الوالي العثمانيّ على مصر، مرورًا بحقبة ما بعد 1952 وسيطرة الجيش المصريّ على حكم مصر، بل دخوله معارك حربيّة عدّة ضدّ الاحتلال الخارجيّ، وصولًا إلى ما بعد حزيران (يونيو) 2013. نبحث في وجدان الجنديّ المصريّ، وفقًا للمتغيّرات والمنعطفات النفسانيّة والتاريخيّة الّتي مرّ بها في تلك الحقب.

 

الفلّاح الّذي نُزِعَت فأسه

قبل نحو مئتي عام، تحديدًا في كانون الثاني (يناير) من عام 1924، وقف باشا مصر محمّد علي في انزعاج قائلًا: "يا للهول! هل بذلنا كلّ هذا الجهد في جلب هؤلاء العبيد بصحّة جيّدة، قادرين على العمل من مناطق بعيدة؛ لا لشيء إلّا لكي يموتوا بيننا وأمام أعيننا؟"، وهذا بسبب ما سمعه بشأن موت قرابة ألف عبد سودانيّ، كان قد أرسل ضبّاطه الأتراك والألبان كي يأتوا بهم مقيّدين من السودان إلى معسكر تدريب الجيش في أسوان، لكنّهم ماتوا قبل أن يصلوا نظرًا لمشقّة الطريق. من هنا جاءت فكرة تجنيد المصريّين، نظرًا إلى سهولة نقلهم من القاهرة والمحافظات الأخرى إلى مراكز التدريب التابعة للجيش[1].

كان أوّل سبيل سلكه الفلّاح المصريّ، هو الهجرة والفرار من القرية، الّتي يسمع أهلها أنّ مبعوثي التجنيد قد دخلوها، فيهجرون القرية بأكملها، ويتركون الأرض الخصبة دون مزارع حتّى تبور...

كان في بال الباشا أن يجنّد 4 آلاف فلّاح مصريّ فقط، وذلك عوضًا عن الخسائر البشريّة الّتي حدثت بسبب رحلات نقل العبيد من السودان، ولكن مع الوقت توسّع الأمر ليصبح الفلّاح المصريّ جنديًّا أساسيًّا في جيش الوالي الحديث، وخاصّة في الفتوحات الّتي ذهب إليها الوالي، تحديدًا «حرب سوريا» (1931-1933) الّتي عُرِفَت بـ «الحرب المصريّة العثمانيّة». كان التجنيد الإجباريّ والحياة الميريّة للفلّاح المصريّ شيئًا استحال عليه تقبّله؛ لذلك بدأ الفلّاح المصريّ في إجراء تكتيكاته في مواجهة مبعوثي الباشا، للقبض عليهم وتجنيدهم رغمًا عنهم[2].

كان أوّل سبيل سلكه الفلّاح المصريّ، هو الهجرة والفرار من القرية، الّتي يسمع أهلها أنّ مبعوثي التجنيد قد دخلوها، فيهجرون القرية بأكملها، ويتركون الأرض الخصبة دون مزارع حتّى تبور، فلا تنال سلطة الباشا جسد الفلّاح المصريّ لتجنيده، ولا تحصل على خير أرضه الّتي بارت؛ فتتحوّل الخسارة إلى خسارتين. أمّا الطريقة الثانية فهي تشويه الجسد بحيث لا ينال شروط التجنيد في الجيش؛ ولذلك يستبعد صاحب الجسد من التجنيد. بدأت سبل التشويه بقطع إصبع صغير من اليد أو القدم، أو تكسير صفّ الأسنان الأماميّ، حتّى إن وجدوا أنّ تلك السبل لا تعفيهم من الالتحاق، فبدأت زوجاتهم بفقء عيونهم، أو رشّ سمّ الفئران في العيون حتّى يصيبهم العمى، أو تعجيز أجسادهم بعاهة تظلّ طيلة العمر مرافقة لهم[3].

وسط قبضة يد الباشا الحديديّة، وإصراره على بناء جيش حديث تكون من أعمدته أجساد المصريّين، على الطراز الانضباطيّ الأوروبّيّ. كان نصيب مَنْ يفعل تلك التكتيكات أو يساعد في فعلها، أن يعاقَب إمّا بالسجن وإمّا بالشنق وإمّا بالجلد، حيث يحكي المؤرّخ المصريّ أمين سامي باشا، في الجزء الثاني من سلسلته المعنونة «تقويم النيل»، عن انتشار سمّ الفئران المستخدم للعمى؛ لذا صدر منشور من الباشا بمنع العطّارين من بيع هذا السمّ، والّذي يشتريه يُقْبَض عليه ويُرْسَل إلى السجن، تحديدًا «ليمان الإسكندريّة»، للعمل هناك بقيّة حياته[4]

ومع أنّها استطاعت أسر أجساد المصريّين، على حدّ وصف السياسيّ الأميركيّ تيموثي ميتشل، إلّا أنّ وجدان الفلّاح المصريّ لم يعبّر يومًا ما، طيلة عقود الباشويّة في الولاية، عن حبّ جيش مصر وحبّ الحرب من أجل التوسّع والانتصار...

ظلّت جولات الكرّ والفرّ بين السلطة العثمانيّة الباشويّة والفلّاح المصريّ مستمرّة، انتصرت فيها قوّة السلطة، وفرضت قانونها على الفلّاح، وأجبرته عنوةً على التجنيد والحرب والأسر والموت، طلبًا لتوسّعها الجغرافيّ، واستمرارًا لنسل العلويّة في الحكم، والانفصال الفعليّ عن السلطان العثمانيّ الماكث في عاصمته الأناضوليّة، ومع أنّها استطاعت أسر أجساد المصريّين، على حدّ وصف السياسيّ الأميركيّ تيموثي ميتشل، إلّا أنّ وجدان الفلّاح المصريّ لم يعبّر يومًا ما، طيلة عقود الباشويّة في الولاية، عن حبّ جيش مصر وحبّ الحرب من أجل التوسّع والانتصار، رغم محاولة استمالة الفلّاحين المصريّين، عن طريق صناعة وعيهم عن طريق شيوخ القرية والمؤسّسة الدينيّة في مصر، إلّا أنّ الاستبداد والعيش على الطريقة العسكريّة، كان قادرًا على زرع كره الفلّاح المصريّ للتجنيد في جيش مصر الحديث[5].

 

من الاستنزاف إلى الفخر

في يوم 23 تمّوز (يوليو) من عام 1952، تحرّكت الدبّابات، وانقلب ضبّاط الجيش الّذي رمى لبنته الأولى محمّد علي باشا، ليهرب حفيده فاروق خوفًا من هؤلاء الضبّاط، وفي العام التالي تتحوّل مصر إلى جمهوريّة، وتصطفّ الجماهير نحو شعار العدالة الاجتماعيّة، طامحين نحو المساواة الّتي حرمهم منها نسل العلويّة العثمانيّة، لتصبح مصر مصريّة بجيشها، المنقذ والساعي نحو التأميم والاستقلال وتحقيق مطالب الجماهير.

هكذا كان المشهد، والفلّاح الآن (ما بعد 1952) حفيد الفلّاح السابق، لكن هنا تبدّلت المشاعر بين الأجيال من الكُرْهِ إلى الفخر. لا يهرب الفلّاح المصريّ من التجنيد، على العكس، التجنيد هنا بمنزلة الوسام المعلّق على الصدر. كانت مصر حينذاك تسعى إلى طرد الإنجليز من أرضها. عام 1956 وقع العدوان الثلاثيّ على مصر، في مدن القناة، السويس وبورسعيد والإسماعيليّة، الّتي تُروى إلى الآن قصص أهلها البطوليّة في الدفاع عنها، بعدها جاءت صدمة حزيران (يونيو) عام 1967، واحتلال الكيان الصهيونيّ أرض سيناء، لتدخل مصر بعدها سنوات الاستنزاف، وصولًا إلى نصر أكتوبر، واستعادة سيناء بقيادة الرئيس المصريّ أنور السادات، الّذي وقّع «اتّفاقيّة كامب ديفيد» للسلام، ويختم بذلك سلسلة الحرب المصريّة ضدّ العدوان الخارجيّ عليها.

وسط سنوات الاستنزاف والحرب، يحكي الدكتور أحمد حجّي في مذكّراته المعنونة «مذكّرات جنديّ مصريّ في جبهة قناة السويس»، عمّا دار حوله من وجدان الجنود وهو واحد منهم، وذلك في نهار السبت، 12 نيسان (أبريل) عام 1969، وهو في إحدى البحيرات على خطّ قناة السويس، حيث يقول: "الدخان يتصاعد على الضفّة الشرقيّة للقناة، جريت إلى أقرب خندق وألقيت نفسي بداخله، فككت الزرّ العلويّ وقلت لنفسي: ما أصدق الكاتبة الروسيّة في كتابها حين قالت: "إنّ القناة قلب مصر ومأساتها"!، ومن ثَمّ ينظر بجواره فيجد صبيًّا من أولاد الفلّاحين، فيحدّثه الصبيّ قائلًا: "النار ولّعت عند العدوّ الإسرائيليّ". ويعيد وصف نفسه بأنّه شجاع، وأنّ الإسرائيليّين جبناء. يحكي الجنديّ حجّي أنّ بعد كلّ مرّة يشتبكون فيها مع العدوّ، يخرج الفلّاحون للمؤازرة، ويصفّقون ويرقصون عند سماعهم المذياع، وهو يحدّثهم عن خسائر العدوّ[6].

تبدأ أجيال الجنديّة في «عهد السلام» باستبدال شعور الفخر بالانتماء إلى المؤسّسة العسكريّة، إلى شعور الحاجة إلى شهادة الانتهاء من الخدمة العسكريّة، حتّى يُسْمَح للشابّ المصريّ العمل أو السفر دون حواجز قانونيّة...

أمّا في شهر رمضان، والانتصار المعروف بـ «انتصار أكتوبر» من عام 1973، فيحكي لنا الصحافيّ الراحل جمال الغيطاني، حين كان هناك في سيناء مراسلًا حربيًّا لمدّة 6 سنوات، ينقل حكايات الجنود ومشاعرهم في كتابه «المصريّون والحرب - من صدمة يونيو إلى يقظة أكتوبر»، يسرد على لسان أحد الجنود مراسلًا أهله قائلًا: "أنا هنا بخير، ونريد أن تطمئنّوا علينا، ليس بصفة شخصيّة، وإنّما في كلّ ما يتعلّق بنا، ونريد نحن أن نطمئنّ عليكم، فنحن في مواقع القتال الأماميّة، يبدو كلّ شيء واضحًا لا يحتاج إلى كشف، الحقيقة هنا حيث قمّة الصراع جليّة ناصعة"[7]، تنجلي أيضًا هنا مئات القصص المصورة[8] بالصوت والصورة للجنود المقاتلين، الّذين شاركوا في الحرب، يسردون مدى فرحتهم واستعدادهم للقتال، عند علمهم بأنّ الحرب هذه المرّة حقيقيّة، فضلًا على شجاعة الجنود في القتال وبطولاتهم، وسط الخنادق وطلقات الرصاص ومدافع العدوّ.

يحكي الغيطاني وحجّي أيضًا عن مدى مؤازرة الأهالي المصريّة للجنود، وتشجيعهم على القتال، بل الفرح عند موتهم والفخر بأنّ أولادهم استشهدوا دفاعًا عن الأرض والدين، وذلك بمفارقة كبيرة عمّا فعله الأهالي عند تجنيد الباشا للمصريّين في عشرينات القرن التاسع عشر، على الرغم أيضًا من تطوّر أساليب انضباط الجنود وعسكرتهم، على الطراز الحديث للجيش المصريّ، إلّا أنّ الجنود كانوا يشعرون بالفخر لا بالذلّ والهوان. نما هذا الشعور أيضًا لوجود عقيدة دينيّة ووطنيّة واضحة لدى أفراد الجيش المصريّ؛ فهم الآن يحاربون قوّات خارجيّة صهيونيّة محتلّة، عكس ما فعله محمّد علي قديمًا، عندما جعل الجنديّ المصريّ المسلم أو المسيحيّ، يقتل السوريّ المسلم أو المسيحيّ؛ ما جعل راية الدفاع عن الدين والوطن جليّة أمام المصريّين على مستوى الأهالي والجنود، فضلًا على انتماء الجنود إلى المؤسّسة العسكريّة الّتي تحكم البلاد بشكل مباشر، وهي سلطة الخلاص والإنقاذ في مخيال الشعب، حينذاك.

 

الجنديّة الاقتصاديّة

انتهى الاستنزاف والحرب، وعبور خطّ بارليف كان بداية جولات السادات بين كامب ديفيد والقدس، ومن معاهدة إلى اتّفاقيّة عُرفت باسم «كامب ديفيد» في عامَي 1978 و1979، لتنتهي أيضًا حياة صاحب هذه الجولات مقتولًا على أيدي أفراد «جماعة الجهاد المصريّ» في تشرين الثاني (أكتوبر) عام 1981، ليخلفه نائبه، محمّد حسني مبارك، وتبدأ مرحلة شعوريّة جديدة للجنديّة المصريّة.

تبدأ أجيال الجنديّة في «عهد السلام» باستبدال شعور الفخر بالانتماء إلى المؤسّسة العسكريّة، إلى شعور الحاجة إلى شهادة الانتهاء من الخدمة العسكريّة، حتّى يُسْمَح للشابّ المصريّ العمل أو السفر دون حواجز قانونيّة تمنعه من ذلك، وهو ليس شعورًا اكتُسِبَ من الفراغ، بل قادة الجيش أنفسهم نسوا الحرب، وتوجّهوا إلى الاقتصاد المصريّ ليشرّحوه، ويصبحوا هم أولياء الجمهوريّة المصريّة[9] على المستوى الاقتصاديّ، على حدّ تعبير كبير باحثي «مركز كارنيجي»، يزيد صايغ.

في أثناء وجوده في مركز تدريب تابع لجهاز الداخليّة المصريّ، في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي، وبتلك الطريقة الّتي يسمّونها «التشريفة»، أُصيب أحمد أثناء ضربه بنزيف وإعياء شديد، تطوّر إلى فشل كلويّ تسبّب في وفاته...

وحسب دراسة «كارنيجي»، ازداد تعمّق الجيش المصريّ سياسيًّا واقتصاديًّا، بل حتّى توغّله في كلّ مفصلة من إدارات الدولة، وتوسّع ذلك بعد وصول الرئيس عبد الفتّاح السيسي إلى سدّة الحكم في أيّار (مايو) عام 2014، ولكن هل أثّر ذلك في جنديّة المشاعر عن فرد الجيش المصريّ؟

حكايات التجنيد كثيرة، وإجراءاته تكاد تكون معروفة لكلّ شابّ مصريّ. يحكي فيلم «العساكر»[10]، من إنتاج «شبكة الجزيرة» عام 2016 عن الشباب المصريّ، الّذين فوجئوا أثناء تأدية خدمتهم العسكريّة، من أنّهم لا يتعلّمون شيئًا عن الجنديّة، بل يصبحون أداة اقتصاديّة، إمّا لمؤسّسات اقتصاديّة تابعة للجيش وإمّا تابعة بشكل خاصّ للّواءات والرتب الميريّة الكبيرة في المؤسّسة العسكريّة. يؤكّدون أيضًا أنّ التحاقهم ليس بدافع تعلّم الجنديّة المصريّة والدفاع عن أرض الوطن، فانتهى زمن الحرب، لكن من أجل الحصول على شهادة الخدمة؛ حتّى يتسنّى لهم تكملة حياتهم بشكل قانونيّ، فضلًا على شكواهم عن إجراءات الانضباط الحديثة، الّتي تبدأ بتعليمات الكشف الطبّيّ والأمنيّ، وتنتهي بالتحكّم في الجسد، وجعله جسدًا انضباطيًّا على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو[11].

يحكي لنا مجنّد، خدم عامين في جهاز الداخليّة المصريّ، عن بداية دخوله مركز التدريب، قائلًا: "عندما دخلنا لأوّل مرّة، استقبلنا صفوف من العساكر والمخبرين بالضرب والسبّ، وكأنّنا سجناء. لا أعرف لماذا يسبّوننا، ولكن قالوا لنا بعد ذلك إنّهم يعلّموننا بذلك الانضباط وتنفيذ التعليمات". تلك الطريقة هي الّتي تسبّبت في وفاة الشابّ المصريّ أحمد سمير، خرّيج «كلّيّة الفنون التطبيقيّة»، في أثناء وجوده في مركز تدريب تابع لجهاز الداخليّة المصريّ، في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي، وبتلك الطريقة الّتي يسمّونها «التشريفة»، أُصيب أحمد أثناء ضربه بنزيف وإعياء شديد، تطوّر إلى فشل كلويّ تسبّب في وفاته[12] بعد دخوله المعسكر بثمانية أيّام فقط.

 

عسكرة المشاعر

منذ تولّي السيسي الرئاسة في مصر، توتّرت مشاعر الجنديّة المصريّة بين رجوعها إلى الوطنيّة مرّة أخرى أو استكمالها في البرود والسلام؛ وذلك لاشتداد الحرب مع جماعات إسلاميّة متمرّدة، ولا سيّما في منطقة شمال سيناء، آخر سبعة أعوام، وقتل عشرات الجنود والضبّاط برصاص تلك الجماعات، فضلًا على توتّر الحدود المصريّة الليبيّة بعد التدخّل التركيّ المساند لـ «حكومة الوفاق»، وهو المستفزّ للنظام المصريّ. ومن الجنوب إصرار الحكومة الإثيوبيّة على بدء ملء «سدّ النهضة»؛ ما وضع مصر في حالة حرجة عسكريًّا وسياسيًّا.

من خلال سرديّات تلك الحقب، نلاحظ أنّ السلطة القائمة في زمن الباشويّة أو زمننا هذا، تحقّق هدفها الأساسيّ، وهو بناء جيش قويّ، ليس فقط، بل بناء جنديّ تتحكّم فيه السلطة وفقًا لما تريده...

بالتوازي مع ذلك، تعالى خطاب محاربة الإرهاب، والحفاظ على الحدود المصريّة، وحقّ المصريّ في مياه النيل سياسيًّا وإعلاميًّا من قِبَل السلطة؛ ما أعاد في أذهان الجنود مرّة أخرى شعور الدفاع عن أرض مصر، في مواجهة الإرهاب، وخطر نقص المياه والأمن القوميّ من الناحية الغربيّة، وحضر ذلك الشعور في مخيال جمعيّ مصريّ مرّة أخرى، شدّدت السلطة العسكريّة أيضًا عبر أذرعها داخل المؤسّسة، أو حتّى خارجها، على المستوى الإعلاميّ والفنّيّ على سرديّات بناء العقيدة القتاليّة للجنديّ المصريّ في مواجهة الإرهاب، الّتي تحوي سمات عدّة، منها المسار البيوغرافيّ، وروح الجماعة، والتدريبات العسكريّة والعقيدة العسكريّة، ومعرفة مهمّة المعركة واستخدام السلاح، ليصل بعد إتمام تلك المراحل بما يسمّى عسكرة المشاعر[13]، وتوظيفها في ما تريده السلطة من الجنديّ.

من خلال سرديّات تلك الحقب، نلاحظ أنّ السلطة القائمة في زمن الباشويّة أو زمننا هذا، تحقّق هدفها الأساسيّ، وهو بناء جيش قويّ، ليس فقط، بل بناء جنديّ تتحكّم فيه السلطة وفقًا لما تريده، تنفّذ خطّتها عن طريق إجراءات عدّة تضمن خلالها التجنيد الإجباريّ للشابّ المصريّ، والتحكّم في جسده ونفسيّته وربّما عقله، ولكن هي اختلافات الشعور بالانتماء بين تلك الحقب، تتعالى وتنخفض حسب السلطة الحاكمة، وهويّة الحرب، والانتماء الّذي يشعر به الجنديّ المصريّ.

..........

إحالات:

[1] خالد فهمي، كلّ رجال الباشا، ترجمة شريف يونس، الطبعة الأولى (القاهرة: دار الشروق، 2009)، ص 126.

[2] المرجع نفسه، ص 77.

[3] المرجع نفسه، ص 140.

[4] أمين سامي، تقويم النيل، الجزء الثاني، الطبعة الأولى (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصريّة، 1936)، ص 362.

[5] تيموثي ميتشل، كتاب استعمار مصر، ترجمة بشير السباعي، أحمد حسّان، الطبعة الأولى (القاهرة: مركز مدارات للأبحاث والنشر، 2013)، ص 171.

[6] أحمد حجّي، مذكّرات جنديّ مصريّ في جبهة قناة السويس، الطبعة الأولى (القاهرة: دار الفكر والدراسات والنشر والتوزيع، 1998)، ص 18- 19.

[7] جمال الغيطاني، المصريّون والحرب - من صدمة يونيو إلى يقظة أكتوبر، الطبعة الأولى (القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، عام 2016)، ص 203.

[8] فيلم جديد يحكي قصصًا أوّل مرّة تسمعها عن حرب أكتوبر، الشرقيّة توداي، شوهد في 24/2/2016، في https://bit.ly/38XMaJG

[9] يزيد صايغ، "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكريّ المصريّ"، مركز كارنيجي، شوهد في 14/12/2019، في https://bit.ly/3fomyXx

[10] "فيلم العساكر - حكايات عن التجنيد الإجباريّ في مصر"، قناة الجزيرة، شوهد في 27/11/2016، في https://bit.ly/3pOLyvK

[11] ميشيل فوكو، كتاب المراقبة والمعاقبة ولادة السجن، ترجمة علي مقلد، تقديم مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القوميّ، 1990) ص 158 – 161.

[12] "غضب بمواقع التواصل لوفاة شابّ مصريّ أثناء أدائه الخدمة العسكريّة"، الجزيرة. نت، شوهد في 2/2/2020، في https://bit.ly/3pFzaOG

[13] مجدي عطيّة، "عسكرة المشاعر في الجيوش الحديثة: معنى أن تكون جنديًّا" (5)، موقع باب الواد، شوهد في 6/1/2017، في https://bit.ly/3ffVXvC

 

 

أحمد عبد الحليم

 

 

كاتب وباحث مصريّ في قضايا الاجتماع، له العديد من المقالات والدراسات المنشورة باللغتين العربيّة والإنجليزيّة في عدد من المؤسّسات البحثيّة والمنابر العربيّة. مؤلّف كتابي «الحارة العربيّة» و«أجساد راقصة».

 

 

 

 

تعليقات Facebook