شغب الدفاع عن النفس... تأمّل في احتجاجات أراضي 48

من «جمعة الغضب» في أمّ الفحم | صورة ضياء حاجّ يحيى

 

من المشاهد المتكرّرة في الاحتجاجات الفلسطينيّة في أراضي 48، خلال العقد الأخير، الاشتباكات والمواجهات مع قوّات الشرطة الإسرائيليّة ووحداتها الخاصّة. تاريخيًّا، بات واضحًا أنّ للمؤسّسة الإسرائيليّة بروتوكول تعامُل خاصّ مع المواطنين العرب في الاحتجاجات، وهو الإفراز في القوّة والعنف القامع لها. بلغت هذه القسوة في التعامل مع الجماهير العزلاء أوجها في انطلاقة «انتفاضة القدس والأقصى» (الانتفاضة الثانية)، حين قُتِلَ 13 مواطنًا عربيًّا بدم بارد على أيدي عناصر الشرطة، وما كان بمنزلة «رشّ ملح عالجرح» هو عدم تقديم أيّ لائحة اتّهام ضدّ المجرمين في جهاز الشرطة. منذ أحداث تشرين الأوّل (أكتوبر) 2000، تفاقمت أزمة الثقة بين المواطنين العرب والمؤسّسة الإسرائيليّة، وعلى رأسها مسؤولو الأمن الداخليّ الإسرائيليّ.

 

الثمن

في العقد الأخير، على الرغم من تصعيد قوّة العنف القامع من قِبَل الشرطة الإسرائيليّة، عن طريق استخدام الرصاص المطّاطيّ والغاز المسيّل للدموع، بغزارة وبشكل غير متناسق مع عدد التظاهرات العربيّة وشكلها، لم يُسْتَخْدَم الرصاص الحيّ منذ تشرين الأوّل (أكتوبر) 2000. ربّما يكون السبب لذلك متابعة المجتمع العربيّ لقضيّة الشهداء، وعدم نسيان تلك الأشهر الدامية الثقيلة على القلب والذاكرة، والتعاضد في مطالبة المحاسبة للمجرمين من عناصر الشرطة وقياداتها، الّتي اتّخذت قرار استخدام الرصاص الحيّ. وبغضّ النظر عن الأسباب؛ النتيجة هي أنّ المتظاهرين اليوم يخرجون إلى الشوارع، ولا تبدو عليهم مظاهر الخوف من الشرطة، واثقين ربّما بأنّ من ورائهم طواقم من المحامين ومن الجمعيّات الحقوقيّة والمدنيّة والإعلاميّة الّتي ستحميهم.

منذ موجة الاحتجاجات ضدّ «مخطّط برافر» الاقتلاعيّ للفلسطينيّين أبناء النقب، ظهر توظيف الاشتباك على أيدي المتظاهرين الفلسطينيّين أنفسهم، وهذا عن طريق ترصّد الاشتباكات وتخطيط مساراتها من جديد...

في هذا السياق، ربّما كان أهمّ المشاهد الّتي انحفرت في ذاكرتي، هو في مظاهرة قانونيّة ضدّ الحملة العسكريّة على غزّة عام 2008. آنذاك كنت طالبًا في سنتي الأولى في «جامعة تل أبيب»، وأُقيمت المظاهرة على أبواب الجامعة في شارع مركزيّ شمال تل أبيب. خلال التظاهر، أذكر وجود التزام كامل بالقيود الّتي وضعتها الشرطة. وعلى الرغم من ذلك، بعد فترة وجيزة من بداية الهتافات ورفع الشعارات، شهدنا شخصًا مدنيًّا مشكوكًا في هويّته، ينطلق من بين عناصر الشرطة الكثيرين جدًّا، لخطف مكبّر الصوت الرئيسيّ للتظاهرة من بين يدي أحد المسؤولين، ثمّ رماه على الأرض فكُسِر. حينذاك، وقبل أن يقوم أحد من المتظاهرين بأيّ ردّ فعل، هجمت قوّات الشرطة على المتظاهرين السلميّين، وانهالت عليهم بالضرب، واعتقلت مجموعة من الطلّاب. في هذا اليوم، وصلتنا الرسالة الضمنيّة للمؤسّسة الإسرائيليّة، القائلة بأنّ للتظاهر والاحتجاج ثمنًا باهظًا، وتحديدًا حين يتعلّق الأمر بقضايا أمنيّة وقوميّة ومهمّة بمعاييرها.

 

اختلاق الاشتباك

قد يدّعي البعض أنّ آليّة اختلاق الاشتباك من قِبَل الشرطة الإسرائيليّة، سجّلت إنجازاتها بفتراتٍ ما في الماضي، بحجّة أنّ الكثيرين من المواطنين العرب الّذين رغبوا في المشاركة في الاحتجاجات الشعبيّة، لكنّهم عادوا أدراجهم فقط لمجرّد التفكير في إمكانيّة الاشتباك والتعنيف الجسديّ والنفسيّ. في المقابل، وتحديدًا منذ موجة الاحتجاجات ضدّ «مخطّط برافر» الاقتلاعيّ للفلسطينيّين أبناء النقب، ظهر توظيف الاشتباك على أيدي المتظاهرين الفلسطينيّين أنفسهم، وهذا عن طريق ترصّد الاشتباكات وتخطيط مساراتها من جديد؛ لتتسبّب في إغلاق محاور أساسيّة في المدن والشوارع الإسرائيليّة.

يمكن اعتبار هذا التحوّل بمنزلة قلب السحر على الساحر، وأقصد تحديدًا في تطبيع الاشتباك بالنسبة إلى المتظاهرين العرب، ما قلّل من قوّة ردعه جوهريًّا؛ فقد صار الاشتباك كأنّه «أكشن» للبعض، أو طريقة لنيل البطولة المنسوبة إلى المعتقلين أو المصابين. بكلمات أخرى، التوقّع للمواجهة يؤدّي إلى التغلّب على عنصر المفاجأة، وكأنّ المتظاهرين يقولون للشرطة «لا جديد تحت الشمس»، و«رأينا كلّ ما في وسعكم فعله».

أصبحت الشرطة الإسرائيليّة مُجْبَرَة على تخصيص أعداد وقوّات كبيرة من الشرطة في كلّ مظاهرة مخطّطة على أيدي المواطنين العرب، بسبب افتراض وجود مواجهات حتمًا؛ وهو مُضْنٍ ومُكْلِف للمؤسّسة...

عنصر المفاجأة حاسمٌ في آليّة الردع؛ فحين يخرج أحدهم في مظاهرة أُعِدَّت لتكون سلميّة، ومن ثَمّ تنقلب ذات المظاهرة إلى مواجهات عنيفة، فبهذا ثمّة ما يترك أثرًا ردعيًّا عميقًا في الفرد (مثلما حدث في تظاهرة تل أبيب أعلاه). أمّا حين يعلم هذا الفرد المتظاهر مسبقًا أن لا تظاهُر بدون اشتباك، فسيتحلّى بالجاهزيّة النفسيّة المطلوبة. وفضلًا على ذلك، أصبحت الشرطة الإسرائيليّة مُجْبَرَة على تخصيص أعداد وقوّات كبيرة من الشرطة في كلّ مظاهرة مخطّطة على أيدي المواطنين العرب، بسبب افتراض وجود مواجهات حتمًا؛ وهو مُضْنٍ ومُكْلِف للمؤسّسة.

 

المغامرة والإثارة

مفهوم الاشتباك بتعريفه البسيط بسياق الاحتجاج هو الصراع بين مجموعتين: الأولى مواطنون غير منتظمين، ولا يتصرّفون حسب أساس إستراتيجيّ أو تكتيكيّ ما، والثانية قوّات شرطة منظّمة ومخوّلة باستخدام العنف الجسديّ والنفسيّ (مثل الاعتقال والمحاكمة). يبدأ عادةً الاشتباك حين تقرّر جموع الشرطة فضّ التظاهر، وهذا بصرف النظر عمّا إذا ما كانت أسباب الفضّ شرعيّة أو غير شرعيّة (قانونيًّا).

أمّا إذا تأمّلنا الاشتباك الفلسطينيّ المحلّيّ في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى عنصر الترصّد المذكور أعلاه، فثمّة نقطة أخرى تميّزه، هي دخول عامل المغامرة والإثارة فيه. الواقع النفسيّ للاشتباك واقع قد يكون صادمًا نفسيًّا (تروماتِيًّا). فلتتخيّلوا الهجوم الفجائيّ من قِبَل عشرات أو مئات من قوّات الأمن، الّذين يستخدمون العصيّ والغاز والرصاص المطّاطيّ وغيرها... في أوج الهجمات التعسّفيّة لقوّات الأمن، يصبح كلّ هدف الفرد المتظاهر، فجأة وفي غضون أجزاء من الثانية، هو الهروب لتجنّب هذا الأذى. ومن بين مئات أو آلاف المتظاهرين، نسبة الّذين ينجحون بالنجاة بدون أيّ أذًى نسبة ليست منخفضة عادةً؛ ما يخلق لديهم شعورًا بالإثارة الإيجابيّة، كما يحدث في المغامرات أو في الرياضة العنيفة. وعامِل عاطفيّ إضافيّ يصحب هذه الإثارة، هو الفخر الاجتماعيّ الّذي يتمثّل بحديث «البطولة» في البيت مع العائلة والأصدقاء. هذه الإثارة حين يتشاركها عدد كبير من الجماعة فإنّها تُقَوّي الانتماء الداخليّ لذات المجموعة، وتزيد ثقة أفرادها بنجاح نضالهم المشترك.

 

محوريّة الاشتباك

ممّا يثير الفضول هو التفكير في ماهيّة الاحتجاج في عصر الاشتباك، على الرغم من أنّ الهدف المُعْلَن للمظاهرات هو إيصال الصوت، عن طريق رفع شعارات وكتابات وهتافات، إلّا أنّ محوريّة الاشتباك أصبحت تسيطر على المشهد. الاحتجاج بدون الاشتباك يفقد جزءًا مهمًّا في فاعليّته، وكأنّ الاشتباك هو المركز لا عمليّة رفع الشعارات والهتافات... ومن هنا، نستنتج أنّ وجود الشرطة في مساحات الاحتجاج الفلسطينيّة لا يقلّ أهمّيّة عن وجود المتظاهرين أنفسهم، فبدون وجود لقوّات الشرطة لا يمكن إحداث اشتباكات، ما يترك المتظاهرين مع إحساس بالثّبوط.

من المفروغ منه القول إنّ احتجاجًا لا كاميرات فيه هو احتجاج أبكم. لذا؛ من أجل أن تستطيع التظاهرة التنافس بقوّة على جذب انتباه الجماهير الرقميّة، عليها أن تُصَوِّر وتسلّط الأضواء على عامل الخطر والتضحية...

ويمكن فهم سبب مركزيّة الاشتباك في الاحتجاجات بتحليلها من باب الفاعليّة، والمتمثّل بالذات بهويّة المشاهدين المتخيّلين في أذهان المتظاهرين، وأعني بذلك التطرّق إلى جزئيّة المتلقّي للتظاهرة في أذهان المتظاهرين أنفسهم. في عصر الميديا الرقميّة، تتمخّض العمليّة الاحتجاجيّة بشاكلة صور وفيديوهات قصيرة تنتشر في شبكات التواصل الاجتماعيّ، وتتنافس على جذب انتباه روّاد شبكات التواصل مع صور وفيديوهات متنوّعة كثيرة من جميع المجالات.

من المفروغ منه القول إنّ احتجاجًا لا كاميرات فيه هو احتجاج أبكم. لذا؛ من أجل أن تستطيع التظاهرة التنافس بقوّة على جذب انتباه الجماهير الرقميّة، عليها أن تُصَوِّر وتسلّط الأضواء على عامل الخطر والتضحية، الّذي كلّما ازداد دراماتيكيّة رفع من احتمال انتشار المشهد، ما يحقّق هدف الاحتجاج بقوّة.

 

شغب الدفاع عن النفس

أمّا من منظور قانونيّ، في محاولة الإجابة عن سؤال شرعيّة الاشتباكات أداةَ احتجاج، فيمكن مقاربة أشكال الاحتجاج الفلسطينيّة في أراضي 48 لقرائنها بالسنة الماضية في الولايات المتّحدة الأميركيّة. في ظلّ أعمال الشغب (Urban Riot) للـ BLM في الولايات المتّحدة، ومع الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الإحصائيّة، الّتي تدلّ على سهولة استعمال العنف من قِبَل الشرطة مع الأميركيّين السود، يدّعي بعض الفلاسفة أنّه بالإمكان تعريف أعمال الشغب تحت عنوان ما يُعَدّ ضمن أشكال الدفاع عن النفس؛ فكما للشعوب وللدول الحقّ في الدفاع عن نفسها من أيّ تهديد خارجيّ، فكذلك أيضًا ثمّة حقّ شرعيّ لمجموعات ثقافيّة أو إثنيّة أو عرقيّة بالدفاع عن كيانها وكرامتها.

هذا الدفاع عن النفس قد يتمثّل بأعمال شغب مدنيّة مثلما شهدنا في الولايات المتّحدة عام 2020، وأيضًا بأعمال احتجاجيّة عنيفة تجاه الدولة (عصيان مدنيّ) أو تجاه النفس (إضراب عن الطعام أو حرق الجسد). لذا؛ باعتبار الشرطة الإسرائيليّة هي نفسها شرطة الاحتلال، وبربط أجهزة الأمن الداخليّ بذات المنظومة القامعة والمحتلّة للشعب الفلسطينيّ، يمكن إعادة تعريف مشاهد أمّ الفحم 2021 بأنّها مشاهد مدينة تُدافع عن نفسها على بوّابات أسوارها المتخيّلة، تصدّ قوّات الأمن الداخليّ الإسرائيليّ صدًّا رمزيًّا؛ برفضه التعامل مع الشرطة حلًّا لمشكلة الجريمة، بل على العكس، يعتبرها مركّبًا حيويًّا، فيها تسهم في تفشّيها بخطط رُسِمَتْ بظلمة ليل مع سبق الإصرار والترصّد.

وخلاصة ما سبق، في ظلّ مؤسّسة أو حُكْم قامع أو عنصريّ، يمكن اعتبار الاشتباك مع عناصر الأمن دفاعًا جمعيًّا عن النفس، وهو بشكل عامّ عامل يسهم في نجاعة الاحتجاج، بمقياس إيصال الصوت...

وخلاصة ما سبق، في ظلّ مؤسّسة أو حُكْم قامع أو عنصريّ، يمكن اعتبار الاشتباك مع عناصر الأمن دفاعًا جمعيًّا عن النفس، وهو بشكل عامّ عامل يسهم في نجاعة الاحتجاج، بمقياس إيصال الصوت، وإعلام الآخر بهدف الاحتجاج بسبب عامل التعرّض الطوعيّ للخطر الجسمانيّ للمتظاهر؛ ما يجذب انتباه جماهير الميديا الرقميّة.

ثمّ قد يكون الاشتباك رمزًا إلى أهمّيّة الرسالة، وإشارة إلى ضيق وشدّة كبيرة أدّت إلى قبول فكرة التضحية الجسديّة من قِبَل بعض أفراد المجموعة.

من المهمّ الإشارة إلى أنّه من الصعب تحقيق منال الاحتجاج، بدون تعريض النفس للخطر الجسمانيّ، مثلها مثل الإضراب عن الطعام والمواجهات العنيفة وغيرها. يمكن أن تدلّ هذه المشاهدة على عمق حُرْمَة الجسد وقدسيّته في الوعي البشريّ الجمعيّ، وكيفيّة تحويل هذه الحُرْمَة إلى واحدة من أنجع آليّات الاحتجاج في التاريخ وأعمقها.

 

 

جاد قعدان

 

 

باحث ومدرّب وناشط. متخصّص في علوم الدماغ (بيولوجيا وعلم نفس)، وعلم النفس الإدراكيّ اللسانيّ. يدرس حاليًّا ضمن برنامج الدكتوراه في الدراسات الإدراكيّة اللسانيّة، في "جامعة تل أبيب". معلّم بسيخومتري منذ 2007، ومدرّب للدبكة التراثيّة الفلسطينيّة.

 

 

تعليقات Facebook