طبعة عربيّة لـ "كارلا بروني عشيقتي السرّيّة"

احلم معي | جيسون هالمان وستيفين ستوم

'كارلا بروني عشيقتي السريّة'، مجموعة قصصيّة للكاتب علاء حليحل، صدرت مؤخّرًا طبعتها العربيّة الأولى عن 'الأهليّة للنشر والتوزيع' في عمّان، بعد أن كانت صدرت بطبعتها الفلسطينيّة المحلّيّة في عكّا عن 'كتب قدّيتا'.

تقع المجموعة في 204 صفحات، وتحوي 11 قصّة قصيرة، إلى جانب 11 قصّة قصيرة جدًّا جاءت تحت عنوان 'قصص عن قصائد لم تُكتب'. تتركّز القضايا التي تتناولها قصص المجموعة في الشؤون المجتمعيّة والسياسيّة والثقافيّة، جامعة بين أكثر من جانر أسلوبيًّا، منها الواقعيّ والواقعيّة السحريّة والخيال العلميّ.

كتب الناقد، بروفسور محمود غنايم، تظهيرًا للمجموعة جاء فيه: 'علاء حليحل كاتب جادّ، ملتزم وواقعيّ. وهو في مجموعته هذه يضيف مدماكًا أساسيًّا في بناء القصّة الفلسطينيّة التي تسعى بجدّيّتها إلى استيعاب التراث الفلسطينيّ بمضامينه وأشكاله، لكنّه لا يقتصر عليه، بل يتّسع ليشمل التراث القصصيّ العربيّ والعالميّ بثرائه وتنوّعه. إنّه يقرأ تفاصيل الواقع الفلسطينيّ، حتّى ذلك الذي لم يخبره بنفسه، كما في قصّة ’الخيمة‘، فيكاد ينعى السقوط، سقوط المجتمع الفلسطينيّ في مخيّمات اللجوء، لكنّها العذابات التي لا تلد إلّا مزيدًا من الإصرار وكثيرًا من الصمود… وإذا كانت الواقعيّة في مرحلة ما اعتُبرت سبّة تَنصّل منها الأدب الحداثيّ وما بعد الحداثيّ، فإنّ ’كارلا بروني، عشيقتي السرّيّة‘ تعيد سبك مرايا الواقع المهشّمة بترتيب جديد لا يُبقي من الواقع إلّا نسمات خفيفة تشهد على إطلالة جديدة وقراءة متأنّية لتفاصيله المبهِرة. ليس مصوّرًا لا مباليًا تكنوقراطيًّا، ولا ناقدًا متجهّمًا يوسع نصّه تعاليمَ مُنزلة وأخلاقًا حميدة، بل هو ذاك الهجّاء العصريّ الذي يرمي حجرًا صغيرًا في وسط البئر لتنداح دوائر الماء فلا تبقي ولا تذر… تخطو هذه المجموعة إلى مسارب موغلة في التجريب القصصيّ ليتعانق الواقع مع الحلم، والممكن مع المستحيل، والنهائيّ مع اللانهائيّ، عبر شخوص بيكارسكيّة تذكّرنا بأدب القرون الوسطى، سواء ذلك العربيّ أو الغربيّ.'

تنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة قصّة 'حلم أبيض' من المجموعة، بإذن من مؤلّفها.

***

حُلم أبيض

دخل الكاتب الشابّ المكتبة، في ذلك اليوم الخريفيّ، وحيّا العاملة البشوشة دائمًا، واتّجه نحو الحاسوب المنزوي، حيث تُخزّن فيه العاملة مرارًا وتكرارًا وبمثابرة، أسماء الكتب الجديدة التي تدخل المكتبة. اجتلس الكرسي وتَكْتَكَ بعضًا من الأحرف، ثمّ ضغط 'إنتَر'. لا شيء. شدّ ظهره وعاود التكْتَكَة بثقة المعتاد عليها، ولكن لا شيء هذه المرّة أيضًا. ضغط 'إنتَر' مرّة أخرى ومرّة أخرى - ولكن لا شيء. قام واتّجه إلى الحاسوب الثاني في المكتبة، في الجهة المقابلة من القاعة الكبيرة. جلس وتَكْتَكَ وضغط 'إنتَر'. لا شيء. قام ودار حول الحاسوب. تفحّص الأسلاك والتوصيلات ثمّ اجتلس ثمّ تَكْتَكَ ثمّ ضغط 'إنتَر'. لا شيء. قام فجأة وهرول نحو العاملة البشوشة.

'عفوًا، هناك مشكلة.'

'مشكلة؟ ما هي؟'

'اسمي لا يظهر في الحاسوب.'

'من غير الممكن. اسمك يظهر منذ وقت طويل. منذ الكتاب الأوّل، وأنا شاهدته حين غذّيتُ الحاسوب بمعطيات كتابك الثاني.'

'نعم، أعرف. بالأمس رأيته. وقبل أمس، وقبل قبل أمس...'

'غريب. دعني أفحص.'

عدّلت عاملة المكتبة من جلستها، ثمّ تَكْتَكتْ باهتمام وبان عليها الذهول (اتّساع عينيها، زَمُّ شفتيها، إدارة الخاتم في إصبعها).

'غريب... لحظة...'

عدّلت من جلستها مرّة أخرى، ثمّ عاودت التكْتَكَة، ولكن بكثافة أكبر هذه المرّة، وكانت بين الفينة والأخرى تزيح الماوس يمينًا فيسارًا، ثمّ يسارًا فيمينًا. حاول الكاتب الشابّ إشغال نفسه في تلك الأثناء بمراجعة قائمة كتب سجّلها على ورقة.

'لحظة من فضلك،' قالت العاملة وقامت لتمشي صوب غرفة المديرة المُسِنَّة.

تابع الكاتب الشابّ عاملة المكتبة وهي تسير صوب الغرفة، ولام نفسه وتحسّر على غبائه، إذ لم يلتفت إلى تدويرة ردفي العاملة من قبل. كان قد قرّر بينه وبين نفسه في تلك اللحظة أن يدعوها لفنجان قهوة (أو زجاجة بيرة) حين ينتهي من هذا الإشكال. عاد إلى الانشغال بورقته وطأطأ قارئًا.

'عفوًا'، قالت المديرة المُسِنَّة التي كانت تقف فوقه في تلك اللحظة والعاملة إلى جانبها، 'يبدو أنّ خللًا ما حلّ بالحاسوب. سنعمل على إصلاحه فورًا.'

'شكرًا، أنا لم أقصد الإزعاج أبدًا.'

'لا لا أبدًا، ليس إزعاجًا بالمرّة.'

جلست المديرة مكان العاملة ثمّ تَكْتَكَت ثمّ ضغطت 'إنتَر'. لا شيء.

'لقد انتهيتُ قبل يومين من قراءة كتابك الأخير. جيّد جدًّا.' قالت المديرة المُسِنَّة وهي تبحلق في الشاشة.

'شكرًا'، غمغم الكاتب الشابّ وندّت عنه ابتسامة قسريّة لم يستطع ردعها رغم مزاجه المتعكّر (كان يقول لحبيبته دائمًا 'لا شيء في العالم يضاهي متعة التربيت على الإيغو في الصباح').

'لديك قدرة ممتازة على حَبك عدّة قصص في سرد متواصل ومتماسك. مع أنّني كنتُ أبحث أحيانًا عن رموز ثقافيّة في الرواية، عن كونك... تعرف، مع قضيّة، لكنّني لم أجد... هل تكتب كثيرًا عن الحبّ وشخصيّاته؟'

'نعم'، أجاب الكاتب الشابّ وهو لم يعرف بعد إذا كان ما قالته إطراءً أم ذمًّا.

'والكثير من الإيروسيّة أيضًا. لا حروب ولا نزاعات...'

'نعم'، غمغم الكاتب الشابّ.

'غريب'، تمتمت المديرة المُسِنَّة لنفسها ليسمعها الكاتب الشابّ، 'سأجرّب أمرًا آخرَ.'

تَكْتَكَت مرّة أخرى ثمّ ضغطت 'إنتَر'.

'غريب، غريب جدًّا'، قالت بجدّيّة هذه المرّة.

'ماذا؟' سأل الكاتب الشابّ غير متمالك.

'لقد رجّحتُ أن تكون كلّ الأسماء التي تبدأ بالحرف الأوّل من اسم عائلتك قد اختفت، فهذا يحدث، ولكنّ باقي الأسماء موجودة.'

'وماذا؟'

عادت المديرة إلى التكْتَكَة باهتمام.

'هل تودّ شرب شيء؟' سألت العاملة بتخوّف يظلّله الخجل.

'لا، شكرًا.' أجاب الكاتب الشابّ بابتسامة خفيفة مصطنعة.

بعد هُنَيْهات:

'هل تذكر رقمي الكتابين التسلسليّين؟' سألت المديرة.

'لا.'

'هل بوسعكِ جلب الكتابين.' توجّهت المديرة إلى العاملة.

'بالطبع.'

'سنحلّ هذا الإشكال فورًا'، قالت المديرة، 'متى كانت المرّة الأخيرة التي رأيتَ فيها اسمك على الحاسوب؟'

'أمس وقبله وقبله... كلّ يوم آتي فيه إلى هنا.'

نظرت إليه المديرة نظرة غير محايدة، لم تجرؤ أن تُغَلِّب عليها الاستغراب رغم رغبتها الشديدة في استنكار إدمان الكاتب على رؤية اسمه في حاسوب المكتبة العامّة. لاحظ الكاتب الشابّ ذلك وأحسّ بالإحراج قليلًا.

'مجرّد عادة لا تنمّ عن إرادة واعية...' قال الكاتب الشابّ شبه معتذر، تمنّى بعدها أنّه لم يقل مثل هذه الجملة الدفاعيّة الممجوجة.

'آهَه...' أخرجت المديرة الزفير من حنجرتها الهرمة.

كانت عاملة المكتبة تتّجه نحوهما خالية اليدين، وتفكّر في الجملة الأكثر ملاءمة لمثل هذا الظرف.

'لم أجدهما،' قالت أخيرًا عندما وصلت. أحسّت بأنّ هذه الجملة هي الكلمات الأكثر حياديّة في مثل هذا الحادث.

رفعت المديرة رأسها، سويّة مع الكاتب الشابّ، واستهجنا الجملة بنفس القدر.

'ماذا يعني لم تجديهما؟ هل بحثتِ جيّدًا؟'

'جيّدًا جدًّا.. لقد بحثتُ جيّدًا!'

عاودت المديرة النظر إلى شاشة الحاسوب من دون أن تنظر إلى الكاتب الشابّ.

'ماذا يعني هذا؟' سأل الكاتب الشّاب بحياديّة قدر الإمكان.

'لا أعرف،' قالت المديرة ساهمة، 'لم يحدث هذا من قبل.'

'وماذا ستفعلين؟'

'لا أعرف. لم يحدث هذا من قبل.'

عادت عاملة المكتبة للبحث بين الرفوف ثانية، فهذا أسلم من البقاء أمامهما. وهي بين الرفوف، انتبهت إلى أنّها قد تخسر حوارًا فضائحيًّا - أو مثيرًا على الأقلّ - وسيعنّفها صاحبها عندما يعرف ذلك. عادت إليهما، حيث كانت المديرة لا تزال تُتَكْتِكُ وتضغط 'إنتَر' والكاتب الشابّ يراقب كلّ حركة من أصابعها.

'أنا آسفة. لا أستطيع المساعدة الآن. عليّ فحص الأمر من جديد. إذا عدتَ غدًا فأنا متأكّدة من أنّ الأمر سيكون محلولًا.'

'حسنًا، لا بأس، سأعود غدًا.'

في طريقه إلى الشقّة مرّ من أمام دكان الكتب المجاورة. ثمّ ألقى نظرة خاطفة صوب واجهة الدكّان كما يفعل في كلّ مرور له من أمام دكّان الكتب. كان قد اعتاد منذ شهر وأكثر - منذ صدور روايته الثانية - على النظر إلى روايته تحتلّ قسمًا من واجهة الدكّان. لم ينتبه في البداية إلى أنّ الواجهة كانت خالية من كتبه. مرّت لحظات حتّى توقّف عن سيره التلقائيّ وعاد خطوات إلى الوراء. الواجهة خالية بالفعل من كتبه. لا ذكر لها. نظر إلى داخل الدكّان. كان مطفأً وخاليًا من البشر. بعد لحظات ابتسم بسعادة لأنّ نسخات كتبه بيعتْ كلّها. وللحظة لمح امرأة شابّة تقف في منتصف الدكّان، تلبس الأبيض وتبتسم له. تفاجأ قليلًا، ثمّ تدارك مفاجأته: لا شكّ أنّها تنظّف المحلّ أو ترتّب الكتب. ابتسم لها بدوره ابتسامة خفيفة، ثمّ عاد إلى السير باتجاه شقّته، بانقباض أقلّ وبهمّة أعلى.

دخل الكاتب الشابّ الشقّة وألقى بمعطفه على الأريكة الحمراء.

'أين أنتِ؟' صاح بفرح.

'هنا'، جاء صوت حبيبته من الحمام.

اتّجه إلى هناك فوجدها متمدّدة في الجرن المدوّر الكبير الذي اشتراه من سوق الخردوات وطلاه ورمّمه وحوّله إلى 'مسبح' صغير. كان البخار يتصاعد من سطح المياه الساخنة وكانت هي تستلقي بهدوء واسترخاء. اقترب وجلس على حافة الجرن.

'كيف كان يومكِ؟'

'لا بأس. عاديّ.'

'جيّد. أنت جميلة جدًّا،' قال وهو يمرّر يده على شعرها الرطب.

'إطراءاتك المبالغ بها ستجعلني متكبّرة.'

'يحقّ لك أن تتكبّري - إلّا عليّ طبعًا.'

'طبعًا،' قالت بدفء لا تتقنه إلّا النساء في مثل هذه المواقف، واقتربت منه. تقبّلا لبرهة.

'ألا تنضمّ؟'

'هذا سؤال أم دعوة؟'

'ماذا تظنّ؟'

'ماذا قصدتِ أنت؟'

'دعكَ من هذه الجدالات اللانهائيّة. تعالَ!'

اتّجه إلى مدخل الحمّام وخلع سترته الصوفيّة وعلّقها على الباب. عبر باب الحمّام بدت الصالة الواسعة بشبّاكها الكبير هادئة، وعبر شبّاك الصالة رأى شخصًا يقف في نافذة الشقّة المقابلة، يرتدي الأبيض ويبتسم له. تسمّر في مكانه برهة. لم يستطع أن يبتسم له - فهو يتلصّص عليهما من شبّاك الشقّة المقابلة. بحركة سريعة دفع باب الحمّام وهو يشتم هذا المتطفّل في سرِّه.

'حدث لي أمر غريب في المكتبة قبل قليل،' قال الكاتب الشابّ.

'وأنا أيضًا حدث لي أمر غريب قبل قليل؛ لم أجد روايتك التي كانت معي، هل أخذتَها معك؟'

التفتَ إليها مذهولًا. كانت تمسح ذراعها اليسرى بيدها اليمنى.

'كيف لم تجديها؟'

'لم أجدها. أذكر أنّها كانت موضوعة على الرفّ في غرفة النوم. طلبتها منّي صديقة لتقرأها.'

'ثمّ؟'

'لم أجدها.'

'أين بحثتِ؟'

اقترب منها محدّقًا فيها. نظرتْ إليه بتساؤل.

'ماذا حدث؟ لديك نسخ أخرى.'

'ولكن هذا بالضبط ما حدث لي في المكتبة. لم أجد اسمي أو عنواني الروايتين في الحاسوب والعاملة هناك لم تجدهما على الرفّ.'

اعتدلت في جلستها. نظرت إليه بتوجّس.

'هذه صدفة غريبة ليس إلّا.'

ابتعد وخرج متوجّهًا إلى غرفة النوم. وقف عند المدخل وأخذ يجيل النظر في الغرفة. لم يلمح الكتاب. وعبر شبّاك غرفة النوم استطاع أن يرى الرجل الواقف في شبّاك الشقّة المقابلة مستمرًّا في وقفته تلك، ففقد الكاتب الشابّ أعصابه وأسرع نحو النافذة وأغلق الستارة بقوّة. أجال بنظره مرّة أخرى في الغرفة وقد اعتراه الغضب. اقترب من السرير. انحنى ونظر تحته. ثمّ قام ونظر خلفه ثمّ فتح الخزانة الكبيرة وأخذ يزيح الملابس المعلّقة ثمّ أخرجها جميعًا وأخذ يقلّب ويفتح الأكياس المتراكمة في أرضيّة الخزانة الملأى بالكثير من الأشياء المنسيّة. ازدادت عصبيّته فجلس على السرير. دخلت صديقته ترتدي روبًا رماديًّا يميل للزرقة وتنشّف شعرها بمنشفة بيضاء. نظرتْ إليه وإلى الملابس الملقاة على السرير وعلى الأرض.

'أنت تبالغ.'

'أنا لا أفهم. حين مررتُ من أمام دكّان الكتب عند الناصية لم أجد أيّ كتاب لي في الواجهة. بالأمس كان هناك ما يزيد على عشر نسخ...'

'ربّما بيعت كلّها؟'

نظر إليها بما يشبه الرجاء.

'أتعتقدين ذلك؟'

'ولِمَ لا؟ ألم يكتب صديقك الناقد في الجريدة قبل أيّام عن الرواية بحماس وإعجاب؟'

'يبدو منطقيًّا،' قال وقام إليها، 'ولكن ماذا مع الحاسوب في المكتبة؟ ماذا مع الكتاب الذي كان في الغرفة؟'

'أوّلًا، الحواسيب تخطئ أحيانًا ولا يمكن فهمها في كثير من المرّات. وثانيًا: الكتاب موجود في الشقّة ونحن لا نراه لأنّنا لا نفكّر في النظر إلى ذلك المكان لأنّنا نستبعد أن يكون هناك. ألا تذكر عندما ضاعت قدّاحتك الزّيبو قبل أسابيع؟ وجدناها في النهاية داخل المزهريّة على الطاولة. كنتَ ثملًا حين وضعتها هناك.'

بدا الارتياح على وجهه في تلك اللحظة. تعانقا.

'ثمّ إنّنا لا نعيش في رواية أو فيلم بوليسيّ تختفي فيه الأمور بهذه السهولة.'

أبعدها عنه قليلًا وابتسم لها مرتاحًا. عاود معانقتها وأحسّ بيدها تندسّ تحت قميصه الأزرق. أغراه أكثر من ذلك شعرها الرطب الفيّاض برائحة الياسمين الذي غطّى كلّ وجهه. بحركة سلسة ومن دون عناء فكّ حزام الروب واضطّجعا على السرير، غير آبهين بالملابس المتناثرة عليه. كانت رائحة استحمامها تملأ أنفه وفمه وحاول ألّا ينظر إلى تحت الكنبة الصغيرة التي قبالة السرير بحثًا عن الكتاب، وهو يقبّل بطنها بهدوء.

استيقظ والألم يستوطن مؤخّرة رأسه. كانت تنام إلى جانبه بهدوء بالغ. تضع رأسها على ذراعه اليمنى وشعرها يغطّي نصف وجهها. أزاح رجليه قليلًا ومدّهما على طولهما. غيّرت قليلًا من وضعيّتها وشدّت نفسها إليه، فأزاح رأسها عن ذراعه قبل أن تطوّقه بجسدها، سحب الغطاء وغطّاها به، ثمّ قام إلى الحمّام مترنّحًا. أخرج علبة أقراص وابتلع اثنين وتوجّه إلى المطبخ وشرب كأسين من الماء. جلس لبرهة ونظر إلى الصالة. كانت الساعة تشير إلى الثالثة وخمس دقائق صباحًا. نظر عبر الشبّاك: ظلام دامس. أحسّ بالبرد يلسع أطراف أصابع قدميه وكتفيه. 'لا يُعقل أن تختفي كتبي فجأة ومن دون أيّ تفسير منطقيّ. لقد قالت ما قالته لتهدّئني ليس إلّا. ماذا يمكن أن يفسّر ما حصل؟ لا شيء، لا شيء مطلقًا. ليس هناك أيّ تفسير منطقيّ.'

قام وتوجّه إلى الصالة ووقف في مواجهة الشبّاك الكبير. كان الشارع خاليًا من أيّ شيء وصوت جهاز تدفئة كهربائيّ يبعث ضجّة خفيفة اندمجت بسلاسة في هذا المشهد الصامت.

'عليّ أن أبحث أكثر.' فكّر، ثمّ التفت مُجيلًا نظره في الصالة. اقترب من الكنبة السوداء الكبيرة ورفع المساند ثمّ القطع القطنيّة المُنَجَّدَة. لا شيء. توجّه نحو الطاولة المدوّرة الزجاجيّة، بحث ببطء ومثابرة بين كومة المجلّات والجرائد. وقف قبالة الرفوف المعلّقة على الحائط والمليئة بالكتب وأخذ يقرأ عناوينها ببطء. عنوانًا عنوانًا. انقبض فجأة وكأنّ مسًّا داهمه ثمّ انتفض بكلّ قوّته راجعًا إلى الخلف عندما أحسّ بيد تمسك كتفه.

'حبيبي، ما بك؟'

'لقد أفزعتِني!'

'لم أقصد، متأسّفة. ماذا تفعل؟'

كان يلتقط نفسه بصعوبة، وأحسّ بمعدته ثقيلة ومنقبضة، فلم يُجِبْ. حين استدارت وتوجّهت عائدة إلى غرفة النوم حدس أنّها فهمت ما كان يفعله، فقال مستدركًا:

'لم يغلبني النوم، كنت أبحث عن كتاب أقرأه.'

اضطّجعت على السرير وغطّت نفسها بإحكام ونامت. ظلّ الكاتب الشابّ حائرًا بين ما قاله وبين تصدّيقها لما سمعته، لكنّه قرّر أن يعود إلى الفراش.

انقبض الكاتب الشابّ فجأة ليجد نفسه واقفًا في منتصف الصالة، ثمّ انتفض بكلّ قوّته راجعًا إلى الخلف عندما أحسّ بأنّ أحدًا يقف خلفه. كان كمَن يقف بكامل عريه في وسط حلم غريب، لكنّه ليس في حلم، حيث تطلّع بسرعة إلى الوراء فانخسف قلبه وهو يرى رجلًا يقف في منتصف الصالة، لا يرى منه غير السواد المعتم. كان ظلّه طويلًا جدًّا يبدأ من قدمي الرجل الملاصقتين للأرض ويمتدّ على طول السجّادة الخضراء الداكنة، ليتسلّق الحائط الأبيض ولينتهي خارجًا عبر النافذة الزجاجيّة الكبيرة. تراجع الكاتب الشابّ إلى الخلف وتوقّف حين اصطدم بالحائط الذي يفصل الصالة عن الحمّام. وقف مرعوبًا في وجه الرجل المختبئ بالعتمة التي تسود الصالة، وأخذ قلبه يخفق بشدّة، ورغم ذلك لم يَفُتْهُ أن يتساءل (بإدمان الكاتب على التفاصيل الصغيرة): كيف ينتج كلّ هذا الظلّ والصالة معتمة بلا ضوء؟ أهي النهاية، تساءل بينه وبين نفسه، ثمّ بدأ يتطلّع حوله كي يعثر على أمر ما قد يفيده في هذا الموقف، إلّا أنّ الصالة لم تحوِ سوى المكتبة والطاولة والكنبة. لم يقوَ على النظر طويلًا إلى هذا اللصّ الذي باغته في شقّته، ثمّ فكّر بسرعة أنّ عليه فعل شيء فورًا وإلّا تأكّد هذا اللصّ من أنّه جبان وحقير وسيضربه.

'لا يوجد هنا ما تسرقه... اذهب قبل أن أتّصل بالشرطة.' قال الكاتب الشابّ بقلب واجف ولسان ثقيل.

'اجلس لنتكلّم.'

'نتكلّم؟! هيّا اذهب!'

شعر الكاتب الشابّ بأنّ صوته خرج أعلى من اللازم، فبدا أنّه ينهر هذا اللصّ بصوت عال فاغتمّ فجأة حين توقّع السيناريو المحتّم: سيقترب منه هذا اللصّ وسيضربه على وجهه ورأسه وسيُغمى عليه. وعندها سيدخل إلى غرفة النوم وسيغتصب حبيبته!

'اسمع، ماذا تريد؟'

'اجلس لنتكلّم.'

لم يدرِ الكاتب الشابّ كيف سيواجه هذا اللصّ الهادئ الذي يدعوه إلى الجلوس والحديث. قرّر أن يُبدي بعضًا من الشجاعة، فأسرع نحو الهاتف الموضوع على الطاولة الصغيرة الموجودة في زاوية الصالون، أمسك بالسمّاعة وهمّ بالاتصال بالشرطة، حين رأى اللصّ يرفع يده اليمنى بهدوء ويفتح راحتها على وسعها ويرسل منها شعاعًا أبيضَ غزيرًا ارتطم برأس الكاتب الشابّ فوقع مغشيًّا عليه على الفور!

هذه ليست شقّته. أين هو؟ حاول أن يفتح عينيه أكثر ممّا فعل، لكنّهما آلمتاه. أغمضهما بسرعة وقرّر أن يرفع نفسه عن الأرض. حرّك جسده فاكتشف أنّه ليس على الأرض. إنّه يجلس على كرسيّ. لكنّ قدميه لا تلامسان الأرض. إنّه كرسيّ عالٍ، عالٍ جدًّا. حاول تحريك يديه لكن بلا جدوى. إنّه مربوط إلى الكرسيّ إذًا. وبكثير من الجهد نجح بفتح عينيه على وسعهما، لكنّه لم ينجح في تبيان المكان الذي يقبع فيه بسبب الضوء الساطع الذي ساد المكان. قرّر أن يتمهّل فلا يبادر إلى أيّ فعلة لا يكون متأكّدًا من عقباها. استسلم إلى جلسته وحاول أن يحرّك أطرافه بهدوء كي يتأكّد من سلامة جسمه. لكن ماذا حدث له؟

'أنت لا بدّ تتساءل عمّا حدث لك،' جاء صوت الرجل ذاته الذي وقف قبالته في صالون الشقّة.

تلفّت الكاتب الشابّ من حوله، لكنّه لم يرَ شيئًا عبر الضوء الساطع الذي لفّه.

'من أنتَ؟ ماذا تريد؟'

'عليك أن تهدأ الآن. ألا تذكر ما حدث لك عندما تهوّرتَ؟'

اللعنة عليه! إنّه يهزأ منّي، فكّر الكاتب الشابّ، يجب ألّا أمنحه هذه الفرصة.

'فُكَّ قيدي وسنرى!'

وفي لحظة فُكَّ قيد الكاتب الشابّ. أحسّ بتحرّر يديه ورجليه في برهة من دون أن يدري ما حدث. ثمّ قرّر أن يتغلّب على دهشته فقام دفعة واحدة عن الكرسيّ العالي معتمدًا على ذراعيه ودفع بجسده إلى الأمام، فتحرّك بسرعة قافزًا عن الكرسيّ بسهولة لم يتوقّعها، ليقع إلى الأسفل مندفعًا بسرعة وقوّة. أحسّ من عنف الهواء الذي يعصف بوجهه أنّه يسقط في هاوية سحيقة، لا يرى من ملامحها أيّ شيء، بل أحسّ بصعوبة بالغة في التنفّس بسبب الهواء الذي كان يخبط وجهه وأنفه وهو يسقط بسرعة جنونيّة، فصرخ ملء حنجرته، إلّا أنّ صوته لم يسعفه. صرخ بأعلى صوته المكتوم!

ظلّ الكاتب الشابّ يسقط صوب قاع الهاوية السحيقة غير قادر على الصراخ أو التحكّم بسقوط جسده الحُرّ، وفي غمرة استسلامه للموت المحقّق، طفرت الدموع من عينيه وأخذ يبكي بهدوء المستسلم. تذكّر تلك اللحظة التي انتهى فيها والده من إشباعه ضربًا وهو محشور في الزاوية بجسد ابن العاشرة الغضّ. لقد بكى وقتها باستسلام مثلما يبكي الآن. حين رأى الضوء في الأسفل يكبر شيئًا فشيئًا أغمض عينيه كي لا يرى الأرض وهو يرتطم بها، لكنّه بعد برهة بدأ يشعر بأنّ حركته تتباطأ رويدًا رويدًا. فتح عينيه وبدأ يرى ما يشبه... إنّهم أشخاص. أشخاص كثر. عشرات، بل المئات، نساءً ورجالًا وأطفالًا، جميعهم يرتدون الرداء الأبيض الفضفاض ذاته. خفّت سرعة سقوطه لدرجة أنّه أحسّ بنفسه يسبح في الهواء ببطء وهدوء. وعندما بات قريبًا جدًّا من هؤلاء الناس المُتّشحين بالبياض، توقّفت حركته بشكل شبه كليّ، وشعر بأنّه يتوقّف في الهواء لبرهة، ثمّ بدأ يقترب من الأرض حتّى لامسها ووقف عليها بتردّد، لكن بثبات.

هبط الكاتب الشابّ من الأعلى ليجد نفسه واقفًا وسط هذا الحشد الكبير من الناس الذين يرتدون الأبيض البسيط اللمّاع. شعر برهبة كبيرة وهو يرى كلّ هذه الوجوه تنظر إليه بهدوء وطمأنينة. استدار بجسده ثمّ برأسه ورقبته. لم يستطع التعرّف على أيّ وجه من هذه الوجوه. إنّها لأناس غريبين عنه، لم يلتقِ بهم يومًا.

'والآن؟ ماذا ستفعل؟' جاء صوت ذلك الرجل الذي صار يعرفه الآن بيقين كبير.

'أين أنا؟ من هؤلاء؟ ماذا يحدث؟'

'عليك أن تهدأ. لقد أخبرتك بهذا من قبل.'

'كيف أهدأ وأنا في مكان مجهول مُحاط بأناس مجهولين ويتحدّث إليّ شخص مجهول أرداني مغشيًّا قبل قليل بضوء خرج من يده، ثمّ ألقى بي في هوّة من مئات الأمتار، لأسقط هنا من دون أن يلحقني أيّ أذًى؟ كيف؟'

'أرأيتَ؟ رغم كلّ ما قلته ها أنت تقف سالمًا بيننا من دون أن يلحق بك الأذى. أليس في هذا ما يبعث على الاطمئنان؟'

معه حقّ، فكّر الكاتب.

'طبعًا معي حقّ.'

اندهش الكاتب الشابّ بعد أن قرأ هذا الرجل الغريب أفكاره ثانية، لكنّه كبت اندهاشه حين اكتشف أنّ ما حدث معه حتّى الآن أكثر غرابة من قراءة الأفكار بكثير.

'سأهدأ،' قال الكاتب الشاب بعجز مهين.

فجأة، بدأ الناس المتّشحون بالبياض بالابتسام من حوله. لقد أسعدتهم جملته إلى درجة بدأوا يُفسحون له الطريق كي يتقدّم في الاتجاه الذي أفسحوه له. مشى الكاتب الشابّ ببطءٍ وتردّد. أخذ يتفحّص وجوه المحيطين به، ولم يستطع التعرّف على أحد منهم إلّا بعد أن مرّ بالمئات، حين رأى في الصفّ الثاني أو الثالث جهة اليمين شخصًا يعرفه. إنّه متأكّد من أنّه يعرفه، لكنّه لا يذكر أين التقى به. تقدّم الكاتب الشابّ وهو يمعن النظر في هذا الشخص، الذي اكتفى بدوره بالنظر إلى الكاتب الشابّ والابتسام له بصدق وحنان.

'أنتَ!' صاح الكاتب الشابّ، 'أنتَ كنت تتلصّص علينا في الشقّة قبل قليل.'

ابتسم الرجل ثانية ولم تبدر عنه أيّ بادرة.

بعد أن يئس الكاتب الشابّ من أيّ ردّة فعل، استمرّ في السير وسط هذا الجمع الكبير من الناس المتّشحين بالبياض، إلى أن وصل إلى باب متوسّط الحجم تجمّع حوله أناس أكثر ممّا سبق، وكان من الواضح أنّ هذا الباب يُفضي إلى مكان ذي أهميّة، تيقّن الآن أنّ عليه الدخول إليه بنفسه. توقّف قليلًا أمام الباب المفتوح، لكنّه لم يستطع أن يرى عبره أيّ شيء إلّا جموع الناس المتّشحة بالبياض التي استمرّت بوقوفها المزدحم خلف الباب، أيضًا. شعر الكاتب الشابّ بخوف حقيقيّ وطغت الرهبة على وقفته تلك، فلم يدرك ما فعل إلّا بعد أن خرج السؤال منه بهدوء:

'من أنتم؟'

دار المكان فيه؛ أحسّ بأنّه أخفّ وزنًا من ريشة طائر، ثمّ ارتفع حتّى الأعلى، وارتفع وارتفع، فيما كان الناس المتّشحون بالبياض يتبعونه إلى الأعلى وصاروا يرتفعون معه، وكلّما زاد ارتفاعه زاد عدد الناس المتّشحين بالبياض المحيطين به، حتّى وصل المئات. تراخت أطراف الكاتب الشابّ واستسلم لخدر لذيذ خلّاب اعترى جسده لم يشعر بمثله من قبل - حتّى في حفلات التحشيش. ورغم الخدر اللذيذ رأى بعينيه المستسلمتين تلك المرأة التي رآها تقف في دكّان الكتب في المساء، رآها ترتفع سابحة بجانبه وتبتسم له. كانت قريبة منه لدرجة أنّه كان يستطيع لمسها، لكنّه اكتفى بقوله وهو يبتسم  – رغمًا عنه:

'أنتِ...'

إنّها السماء، فكّر، لكنّه لم يقوَ على التفكير أكثر حين بدأ مئات الناس المتّشحين بالبياض من حوله يردّدون بتزامن واحد وبرتابة مخيفة وآسرة في نفس الوقت:

'اكتب... اكتب... اكتب...'

استيقظ الكاتب الشابّ وفتح عينيه بصعوبة. نظر إلى سقف غرفة النوم ثمّ استدار ببطء نحو حبيبته التي تنام إلى جانبه. انحنى فوق رأسها وأزاح الشعر عن خدّها، لكنّه صرخ كالملسوع وهو يرى رجلًا متّشحًا بالأبيض ينام إلى جانبه. رفع الرجل النائم رأسه حتّى أضحى وجهه قريبًا قريبًا من وجه الكاتب الشابّ، مبتسمًا. ثمّ قال للكاتب الهَلِع بهدوء:

'اكتب...'

أمسَكَتْ بكتفيه وهزّته بعنف! صرختْ:

'استيقظ! استيقظ! أنتَ في كابوس!'

ثمّ هزّته بعنف مرّة أخرى.

فتح الكاتب الشابّ عينيه بصعوبة وتطلّع إلى حبيبته وهي تجلس فوق بطنه وتهزّه راجية:

'استيقظ حبيبي! أرجوك أن تستيقظ!'

فتح الكاتب الشابّ عينيه مليًّا، فرأى حبيبته الدامعة تنظر إليه بتفرّس، ثمّ انتبه إلى أنّها تلبس رداءً أبيض كتلك الأردية التي رآها للتوّ في منامه، ثمّ سمعها تهمس له وهي تبتسم بحنان كواحدة من هؤلاء الناس:

'اكتب...'

انحنت صوب وجهه وهي جالسة عليه حتّى كادت أن تلامس وجهه بوجهها، ولمع بريق أبيض في عينيها، أخذ يشتدّ ويشتدّ حتّى أضحت عيناها كتلة من الضوء المشتعل، ثمّ رأى دموعًا تنهمر على خدّيها، فيشتعل الخدّان ببطء جرّاء دموعها الملتهبة. وفي الثواني القليلة التي استسلم فيها لحبيبته وهي تجلس عليه بكلّ هيمنتها، بدأ يلمح ما يشبه الحروف التي تحفرها الدموع في خدّيها، فتنتج كلمة محفورة باللحم المشتعل... ا... ك... ت...ب...

ثمّ دهمته رائحة احتراق جلدها فسقط مغشيًّا.

 

نظر الكاتب الشابّ إلى الخلف فرأى الباب وقد عبره غاصًّا بالأشخاص المتّشحين بالبياض وهم يرقبونه بابتساماتهم التي باتت مقلقة. قرّر أن يتقدّم إلى الأمام، لكنّه خشي من الوقوع ثانية فريسة للكوابيس التي انتابته للتوّ، فقرّر أن يمشي بسرعة. بدأ يهرول وتفاجأ من أنّ أحدًا من الأشخاص المؤلّفة التي تحيط به لا يمنعه من ذلك، بل على العكس: بدأوا بالهرولة معه، ثمّ قرّر أن يبدأ بالركض، فبدأوا بالركض معه. لم يعرف إذا كان هذا الركض سيفيده في شيء، لكنّه بعد دقيقة أو أكثر قليلًا شعر بالتعب وبدأ يخفّف من سرعة عدوه نادمًا للمرّة الألف على أنّه لا يذهب إلى معهد اللياقة أبدًا رغم شراء اشتراك سنويّ فيه، سنة بعد أخرى.

توقّف الكاتب الشابّ وهو يلهث، ثمّ بدأ السّعال ببطء. عليه أن يترك التدخين أيضًا. لكنّ السعال بدأ يشتدّ ثم اشتدّ وطغا إلى درجة ركع على الأرض من شدّة الألم وبدأ يشعر بالاختناق، ثمّ هبط بجسده إلى الأسفل ممسكًا صدره بيديه الاثنتين، فلامست جبهته الأرض فيما واصل السعال بقوّة حتّى أحسّ بأنّه يتقيّأ ففتح فمه على وسعه، احمرّت عيناه وجحظتا باحمرار عجيب، وبدأ يشعر بأنّ الألم الصاعد من رئتيه يكبر رويدًا رويدًا إلى أن أحسّ به يقبع في حنجرته، ثمّ شعر به ينسلّ عبر فمه المفتوح على وسعه، ليسقط على الأرض. رأى طفلًا صغيرًا يسقط من حنجرته، يلبس نفس الرداء الأبيض الذي يرتديه الجميع من حوله!

بكى الكاتب الشابّ لهول ما جرى. أخذ ينتحب وهو يرى الطفل الصغير يجلس القرفصاء أمامه بردائه الأبيض ويبتسم له. للطفل وجه غريب، كأنّ عمره ستّون سنة، لكنّه طفل، مع أنّه هَرم، إلّا أّنه يبتسم كالطفل رغم أنّه يحملق فيه كالرجل البالغ. اشتدّ نحيب الكاتب الشابّ، ثمّ تشنّج جسده، فارتمى على ظهره إلى الوراء ليرى العشرات من الأشخاص المتّشحين بالبياض ينحنون فوق رأسه ويصرخون ملء حناجرهم:

'اكتب! اكتب! اكتب!'

قفز الكاتب الشابّ في سريره ووجد نفسه يقف في وسط غرفة النوم. كان يتعرّق بغزارة وأنفاسه لاهثة؛ يبكي بحرقة. استدار ببطء نحو السرير. لمح جسد حبيبته يستلقي على السرير في الجهة التي تنام فيها عادة، مختفيًا تحت الغطاء الصوفيّ الكبير. لم يقوَ على منع جسده من الارتجاف، ثمّ تمتم لنفسه:

'أنت تحلم، أنت تحلم...'

حاول أن ينطق باسم حبيبته لكنّه لم يفلح. أحسّ بالعرق يغمر جسده بغزارة، ابتلت ملابسه والتصقت بجسده. أرغم نفسه على السير باتّجاه حبيبته. تحرّك قليلًا. خارت قواه. بكى. ثمّ بدأ ينتحب. شهق عاليًا وتعجّب من أنّ حبيبته لا تستيقظ من نومها على صوت شهيقه.

أصرّ على مناداتها مرّة أخرى. حاول أن ينطق باسمها، فتح فمه، أجهد حنجرته: لا شيء. حرّك رجله اليمنى ثمّ تهاوى على الأرض فخبط جسده خبطة عنيفة ارتجّت لها الغرفة. بدأ يزحف، وهاله أن يرى أنّ يديه امتلأتا بالدم فجأة. بدأ الدم يرشح منهما، قويًّا غزيرًا، حارًّا. امتلأت أرض الغرفة بالدم. زحف صوب حبيبته. أحسّ بحنجرته تشتعل ثمّ صرخ عاليًا. تفاجأ من قوّة صرخته فصرخ صرخة أخرى عالية. ثمّ بدأ يرتجف رعبًا عندما بدأ الدم يسيل من فمه مندفعًا مثل سيل ماء عنيد، ليسقط نقاطًا متتالية أخذت تزحف أمامه كالنمل.

زحف بسرعة أكبر. أراد أن يصرخ باسم حبيبته عاليًا لكنّه نسي اسمها. زحف حتّى أمسك بطرف الشرشف الصوفيّ الذي تنكمش تحته حبيبته. سحب الشرشف بصعوبة بالغة حتّى وقع على الأرض. وفجأة ارتفع جسد حبيبته واندفع نحوه بقوّة. لم تكن حبيبته؛ كان الجسد جسدها لكنّ الوجه وجه شيخ مُسِنّ طاعن في البياض: شعره ووجهه أبيضان مثل الكلس. ثمّ بخّ الرجل العجوز في وجه الكاتب الشابّ كأفعى:

'لماذا لا تكتب؟!'

فأغمي عليه مجدّدًا.

استفاق الكاتب الشابّ من نومه. فتح عينيه بصعوبة. أدار رأسه بحذر في الغرفة. إنّه في غرفة النوم. من البعيد سمع صوت المذياع يبثّ البرنامج الإخباريّ الصباحيّ، وشمّ رائحة البيض المقليّ تفوح في الشقّة. تفحّص جسده: يداه بخير، وجهه، فمه، رجلاه. قعد في الفرشة. استوعب أنّه بخير ثمّ نزل عن السرير ومشى ببطء نحو الصالة. كلّ شيء في مكانه. إلى اليسار رأى حبيبته تقف في المطبخ وتعدّ الفطور وهي تقف بمحاذاة الفرن. كانت ترتدي عباءتها البيضاء الشتويّة وشعرها معقوص إلى الأعلى. أحسّ بدفء عارم يطغى عليه رغم برودة الصباح الباكر. اقترب من حبيبته ببطء ثمّ احتضنها من الخلف ودفن وجهه في شعرها.

لم ينتبه الكاتب الشابّ إلى العشرات من الأشخاص المتّشحين بالبياض الذين يقفون في الشبابيك المقابلة لشقّتهما، ويبتسمون بهدوء. من هناك، كان يمكن لكلّ من يقف في أحد الشبابيك أن يرى الكاتب الشابّ يحتضن حبيبته من الخلف وهو يدفن رأسه في شعرها، من دون أن يرى وجه حبيبته الذي اتّشح بالبياض الناصع، فيما اختفى بؤبؤا عينيها وساد البياض المخيف مكانهما. كانت تبتسم للأشخاص الواقفين في الشبابيك المقابلة ولا تتحرّك.

لم يقوَ الكاتب الشابّ على رفع رأسه المدفون في كتف حبيبته. شدّه مرّة ثمّ اثنتين، إلّا أنّ رأسه بدا وكأنّه ملتصق بكتفها، ثمّ شعر بأنّ يديه ملتصقتان أيضًا بجسم حبيبته. لسبب لا يعرفه استسلم لهذه الوضعيّة، ثمّ شعر بدفء غريب يسري في جسده رغم هذا الصباح البارد.

ابتسم المئات من الأشخاص المتّشحين بالبياض الذين كانوا يقفون في شبابيك الشقق المحيطة بشقّة الكاتب الشابّ وحبيبته، ثمّ رفع كلّ واحد منهم نسخة من أحد كتابي الكاتب الشابّ عاليًا، ورماه إلى الأسفل. انهمرت مئات النسخ من الكتب على الشارع حتّى امتلأت الأرصفة بها. ثمّ في لحظة، فُتِحَتِ الكتب وحدها، وصارت كلّها، المئات منها، كأنّها أفواه تتكلّم، تفتح وتغلق نفسها بنفسها، كأنّها أفواه تتكلّم. ثمّ صارت تتكلّم بسرعة أكبر، وبدأت الحروف التي في الصفحات تنسلّ عبر كلام الكتب وتطير في الهواء محلّقة حول مبنى الشقّة، حيث وقف فيها الكاتب يدفن رأسه في كتف محبوبته أمام شبّاك المطبخ.

حلّقت ملايين الحروف بخفّة، فغمرت المئات من الأشخاص المتّشحين بالبياض، ثمّ تحوّلت الحروف إلى سُحُب، صعد إلى كلّ واحدة منها شخص من الأشخاص المتّشحين بالبياض، فانطلقت مئات سُحُب الحروف وعليها مئات الأشخاص المتّشحين بالبياض، وغابوا جميعًا في سحب هذا اليوم الشتويّ العاديّ.

رفع الكاتب الشابّ رأسه من على كتف حبيبته، ليسمعها تسأل بدلال:

'عجّة أم بيض عيون؟'

استدارت حبيبته إليه مبتسمة ثمّ احتوت شفتيه بقبلة دافئة خفيفة.

'لقد حلمتُ حلمًا غريبًا...'

'سيّء؟'

'لا أعرف. لكنّني أملك الآن فكرة لرواية جديدة... عن أناس يتّشحون بالبياض.'

'جيّد. أعتقد أنّ قصتهم جديرة بأن تُكتب.'

 (شكرًا لهاروكي موراكامي من حيث لا يدري)

تعليقات Facebook