معطف السيّدة | أربعة نصوص

"ينام الولد منذ ذلك اليوم على الرصيف البارد" | (Markus Schreiber (AB

 

تأنيب ضمير

ميس داغر

وقف رجل في طابور المنتظرين أمام الصرّاف البنكيّ الآليّ في منتصف رام الله، فسمع أحدهم يتحدّث عن الطريقة التي يحوّلوننا فيها، من خلال الرواتب، إلى شعب استهلاكيّ، لا يفكّر إلّا بالقرش. شعر الرجل بوخزة عميقة في ضميره عند سماعه الكلام، وساوره شعور بالغثيان.

غير بعيد من الصرّاف الآليّ، كانت امرأة تقف أمام البائع في مخبز، وكان البائع يملأ لها كيس النايلون بالخبز الطازج ويشرح لها الطريقة التي يحوّلوننا فيها، من خلال الغذاء، إلى شعب مفجوع، لا يفكّر إلّا باللقمة. فاستاءت المرأة، وشعرت بأنّ خنجرًا يضرب في أعماق كرامتها، ودمعت عيناها.

وفي متجر مجاور للكتب، كان صبيّ يتصفّح بشوق مجلّة عن أخبار مشاهير هوليوود، معروضة على واجهة المتجر، لتمرّ امرأة ستينيّة حادّة البصر وتلمح بعض صور المشاهير في المجلّة، وتقول: هكذا سقطت حيفا من البال. يرتبك الصبيّ وينفعل، ويشعر بغصّة في حلقه، ورغبة عميقة في التغيير.

في اليوم التالي، كان رجل وامرأة وصبيّ آخرون يقفون في الأمكنة ذاتها، ويقومون بالأفعال ذاتها، ويسمعون الكلام ذاته، وتساورهم الأعراض ذاتها التي اعترت هؤلاء الثلاثة.

ويُقال إنّ حشدًا عظيمًا من المواطنين أصحاب الضمائر المتيقّظة استمرّوا في التعاقب على ذات الأمكنة، والتعرّض للمواقف الثلاثة نفسها، وإنّ الأعراض ذاتها، من الاستياء وتأنيب الضمير، ظلّت تراود الحشود البشريّة المتعاقبة طوال الألفيّات الثالثة والرابعة والخامسة للميلاد.

وستروي - بإذن الله -  حضارة فضائيّة مستقبليّة، في مجرّة قريبة من مجرّة درب التبّانة،  أنّ أعراض تأنيب الضمير والرغبة في التغيير ظلّت تساور هؤلاء المواطنين الشرفاء على كوكب الأرض، إلى أن ورث الله المجرّة ومن عليها.

 

رصيف بارد

وَلَدٌ في إحدى المدارس الابتدائيّة في دمشق، يحلو له أن يرسم في كرّاسته خلال حصّة الفنّ بيتًا جميلًا بشبّاكين وباب، وداخل البيت يرسم ولدًا في نفس عمره، ينام دافئًا. على سطح البيت يرسم قرميدًا أحمرَ كقرميد بيوت الأثرياء، ويرسم إلى جانب البيت خمس شجرات مزهرات، وفي سمائه أربع نجمات، وأمامه بالضبط يرسم الولد جنديًّا قويًّا عظيم الجثّة، في جيبه مسدّس صغير لحماية البيت من الأشرار.

وقت الظهر، يغادر الولد المدرسة صوب بيته، فيجد أنّ الشجرات الخمس أصبحن في السماء، والنجمات الأربع هوين في الأرض، والجنديّ أصبح في جيب المسدّس الذي أضحى هائل الحجم، والقرميد الأحمر أغرق البيت كلّه.

ينام الولد منذ ذلك اليوم على الرصيف البارد.

في معرض صور فوتوغرافيّة في أوروبا، تحمل إحدى الزوايا صورة ولد سوريّ ينام على رصيف بارد. يشتري الصورة معارض مقيم في باريس ويعلّقها على حائط غرفة ضيوفه الدافئة، في فيلته ذات القرميد الأحمر، المحاطة بغابة صنوبر، وفي سمائها عدد لا يحصى من النجوم.

 

الذي فات

ثبّتت أمّ عطا قبضتيها بحزم على جانبيّ خصرها، وكانت الدماء الحارّة تغلي في رأسها وهي تنفجر في زعيق حادّ تعاتب زوجها الذي كان يحدّق فيها باضطّراب، وأصابعه تلفّ ورقة سجائر من أردأ أنواع التبغ المفروط:

  •  بتتذكّر لمّا قلتلّي في دار أبوي، لمّا جيت تطلبني قبل واحد وعشرين سنة، مصاريكي رح تظلّ إلك... والله يقطع إيدي إذا بمدّها على راتب شغلك... وإنتي مطلوبة منّي ليوم الدين وأنا مش مطلوب منّك؟

وبتتذكّر بعدها لمّا تجوّزنا، قبل تسعطعشر سنة، كيف لفّيت كلّ فلوسي من ورا الخياطة في بطنك؟ وكيف قبل منكمّل أوّل سنة في زواجنا رحت بعت ذهباتي غصبن عنّي وسدّدت فيهم ديونك؟

وبتتذكّر كيف أبوي طلب منّك عند كتب الكتاب، سنة الـتسعة وثمانين، تخلّيني أكمّل توجيهي عمنّي بقيت شاطرة في المدرسة؟ وبتتذكّر كيف أبوي مكتبش هاظ الشرط في عقد الزواج عمنّك بقيت محترم وابن ناس زي مبقولو؟ بتتذكّر إنّك من أوّل يوم زواج طنّشت كلمة أبوي الله يرحمه، يا محترم يا ابن ناس؟

بتتذكّر كيف أهل حارتك كذبو علينا وقتها لمّا سألنا عنّك، قبل واحد وعشرين سنة، وقالولنا إنّك عند كلمتك؟

 وبمجرّد أن انتهت أمّ عطا، الدامعة عيناها حنقًا، من فضفضتها، انفرطت أسنان أبو عطا الصفراء تكركر قهقهات هرشة عملاقة حتّى كاد ينقلب على ظهره. ولمّا هدأت تموّجات الضحك في بطنه، عدّل سيادته الكرسيّ تحت إسته بطمأنينة رئيس يعدّل عرش الدولة المملوك لقفاه، ثمّ عاد يكمل لفّ التبغ ويردّ عليها ببلادة تمساح: لععععع... أبتذكّرش.

 

عناية فائقة

مريضات السرطان الأربع المستلقيات على أسرّة العلاج في الغرفة نفسها، يتنافسن في المحافظة على صورهنّ المحترمة أمام بعضهنّ البعض؛ فعلى الرغم من أنهنّ أمضين حتّى الآن ما يزيد عن عشرة أيّام مع بعضهنّ في الغرفة ذاتها من المستشفى، إلّا أنّهنّ يتحفّظن حتّى النخاع عن سرد تفاصيل حياتهنّ الخاصّة، ويكتفين بإبداء ملاحظات بسيطة حول العلاج، والتذمّر من الألم والإرهاق بين الفينة والأخرى. 

وحدها أمّ فتحي، عاملة التنظيف في المستشفى، لا تتحرّج أبدًا من بثّ لواعج قلبها كلّما دخلت بأدوات تنظيفها الغرفة.

ترشق دلو الماء على الأرضيّة، ثمّ ترفع كفّيها إلى السماء تجأر إلى الله بالدعاء، وتستحلفه بحبّه لنبيّه وملائكته، وبما أنزل من البيان والحكمة، أن يسخط أبا فتحي ويقصف رقبته، فأمّ فتحي مؤمنة بأنّ الله يقف إلى صفّها في دعواتها.

تحوس بالممسحة المبتلّة بلاط الغرفة، وتتأفّف من كلّ منغّصات الحياة، وما أكثرها. تقشط الماء القذر عن الأرضيّة، ثمّ تتوقّف لتتذمّر من قلّة راتبها، وتنفث قهر قلبها على أعضاء إدارة المستشفى فردًا فردًا، فتحرق من تحرق منهم وتلعن عمر الباقين.

تتبادل المريضات الأربع، في كلّ مرّة تزورهنّ أمّ فتحي، الابتسام الهازئ مرّة، ونظرات الازدراء مرّات أخرى، ثمّ تعود كلّ واحدة منهنّ، بعد خروج عاملة التنظيف، إلى التحديق في سقف الغرفة والحنين إلى طعم الحياة، بسكّرها وملحها، وشايها وقهوتها، وسرورها وعبثها خارج أروقة المستشفى، فيطلقن التنهّدات العميقة. وتجدّد كلّ واحدة منهنّ، في الوقت ذاته، نيّتها المضمرة بالإبقاء على صورتها المحترمة أمام الأخريات.

وحدها تخرج أمّ فتحي من الغرفة بعد أن تنهي عملها، يبرد عرقها المتصبّب فتمسحه بطرف منديلها المعقوص خلف رقبتها، وتستغفر الله مؤمنة أنّه سينسى، كما هي تنسى، كلّ ما سبق. ثمّ تغذّ الخطى إلى مطبخ الشغّالات لترتشف مع زميلاتها كاسة الشاي براحة بال وصحّة، غير عابئة أبدًا بصورتها المزدراة.

 

 

* المجموعة الفائزة بالجائزة الأولى في حقل القصّة القصيرة - مسابقة الكاتب الشابّ التابعة لمؤسّسة عبد المحسن القطّان، والتي ستصدر قريبًا عن دار الأهليّة للنشر والتوزيع.

** كاتبة قصّة قصيرة تقيم في بير زيت.

تعليقات Facebook