صديقي عليّ: متى يتوقّف هذا اللسع؟!

بحر سيّء | ماري كاتّيفو

بعد أسبوع سيكتمل عام على لقائنا في جزيرة ليسبوس. أعتذر لأنّني لم أسال حينها عن اسم عائلتك لأكتب اسمك كاملًا في العنوان، لكنّك أكبر من الكُنية. ربّما أردت أن تقول لي اسم عائلتك، لكن فرّقت إرادتَنا الحاجةُ إلى إنقاذ القادمين من حضن الموت. أسميتك كما أنت: صديقي عليّ العراقيّ، لأنّك لست صديقي اللاجئ فقط.

العام الذي مرّ كان مليئًا بالأحداث الجميلة والصاخبة يا عليّ، لكنّ وجهك لم يغب عن مخيّلتي. هذه ليست رسالة، وهي ليست شهادة، إنّما فضفضة بما تعذّر عليّ قوله طيلة عام كامل، صار عليّ أنّ أشاركك به بعدما استحضرتُك أمس.

ما زال رقم هاتف أخيك النقّال في ذاكرة هاتفي. أنت وأخبارك، في الحقيقة، بعيدون عنّي مسافة 'مكالمة'، لكنّ المخيف أنّني أتراجع كلّما حاولتُ الاتّصال بـأخيك الذي لا أعرف اسمه، ربّما مصطفى. في بالي صوتك تسألني: 'آنسة بقدر أتّصل أطمّن أخوي مصطفى إنّا بخير؟' ربّما لم يكن مصطفى واختلطت عليّ الأسماء، لا يهمّ!

أمس، بعد يوم أقلّ من عاديّ في العمل، توجّهنا لمشاهدة عرض مسرحيّة 'طريق النحل' في مسرح 'خشبة' في حيفا؛ لم تكن لديّ أيّ فكرة عن فحوى المسرحيّة ولا ما سيحلّ بي خلالها، لكنّ وفاء حيفا وهذا المسرح لقضايا الإنسان شدّني.

رأيتُكَ أمس تدور حول ميناء ليسفوس مثقلًا بالبحر، بكيتُكَ كما لم أفعل مذ عدنا، بكيتُكَ لأنّنا نواسي أنفسنا عندما نتذكّرك، أنا وصفوت، بجملة 'هو أكيد بمحلّ أحسن.' هذه الجملة التي تقال عن الموتى تقال عنك، على الرغم من أنّك لم تمت، بل نحن الذين تركنا ما مات فينا حين بُعِثْتَ أنت ومن كانوا معك من جديد على أرض المسرح.

هل تعرف يا عليّ أنّني عدتُ مسخًا بعد لقائنا؟ أوّل ما فعلتُهُ فور افتراقنا في ليلة الموت هو أنّي بكيت، بكيتُ بحرقة، شعرت وكأنّ دموعي تشقّ طريقًا من نار في خدّيّ، والنار في صدري كانت أكبر. نمتَ جائعًا تلك الليلة لأنّنا لم نستطع تأمين قطعة خبز لكيانك الناجي الضعيف. أمّا أنت، فكلّ ما أردتَ فعله هو الاتّصال بأخيك مصطفى.

بعد أيّام، رأيتُ فيديو مصوّرًا نُشِرَ على الفيسبوك، تظهر فيه أنتَ في البحر، لحظة قليلة قبل الغرق، يكتسح الماء جسدك بأكمله، لكنّ ذراعك ما زالت فوق الماء رافعةً أباك. أردتَ أن تنقذ والدك وفعلت، آه يا بطل. ونحن الذين نظنّ أنفسنا قادرين على إنقاذ البعض منكم، أنقذتمونا مدى الحياة.

مرّ يوم 28.10.2015، ومرّت بعده أيّام كثيرة، وبعد قليل سيكون قدّ مرّ عليه عام كامل. لطالما صرفتُ عنّي الصور التي تعود منه، كلّ ما يفوح منه موت. لكنّك كنت تفرض صوتك كلّما عادت الذكريات، وكلّما تذكرتُكَ ردّدتُ: 'مُـدّي بسـاطي وامـلأي أكوابي/ وانسي العتابَ فقدْ نسـيتُ عتابي/ عيْناكِ، يا بغدادُ، منـذُ طفولتي/ شمسانِ نائمـتانِ في أهـدابي/ حيثُ التفتُّ أرى ملامحَ موطني، وأشـمُّ في هذا التّـرابِ ترابي/ لمْ أغتـربْ أبدًا فكلُّ سحابةٍ/ بيضاء، فيها كبرياءُ سـحابي/ إنّ النجـومَ السـاكناتِ هضابَكمْ/ ذاتُ النجومِ الساكناتِ هضابي.'

لم يتغيّر شيء منذ التقينا، في الحقيقة، لم يتغيّر أيّ شيء منذ أعوام. لا أعرف ما نتوقّع وإلى ما نتوق. لا بل أعرف أنّنا نتوق إلى الحياة. نتوق أن نحيا ببساطة، دون أن يكون عدم حفظ التاريخ بحذافيره، خيانة. حتّى الموت في بلادي لم يتغيّر، ولا الحواجز ولا الرصاص الرديء في الأفراح المصطنعة. أشتاق أن أرى البحر دون غثيان أو هلع من غرق، هذا الخائن الوحيد الذي تغيّر.

لم أتطرّق إليك يوم كتبتُ عن الحسكة بعد عودتنا. هل تعلم أنّني خفتُ أن أذكرك؟ فالموت سهل للهضم، ثقيل على القلب، لكنّه خفيف على الزمن، وأنت لم تمت يا عليّ، وقد كان الصمت في عينيْكَ ثقيل على القلب والعقل والذاكرة أكثر من أيّ موت.

أكتب إليك اليوم رغم تيقّني التامّ من أنّ هذه الرسالة لن تصلك، وربّما هناك من سيرى أنّ بعض ما كُتِبَ مبتذل. لا يهمّ، ما دمنا نعرف أنّ ما كان في تشرين الأوّل عام 2015 هو ولادة مُجَدِّدة في منتصف الحياة، وأنّ بعد هذا اليوم لن يكون أيّ شيء كما كان.

كتبتُ مرّة أنّني 'كلّما تذكّرتُ وجوه اللاجئين، احتقرتُ الحياة لبخسها وتمسّكتُ بها لضعفي. هذه التجربة المدرسة علّمتني أن لا شيء يسعف الإنسان إلّا الإنسان، وأنّ العدل، لو اقترب من الوهم، فهو من حقّنا، والحقوق لا تُمْنَحُ، بل تُنْتَزَع'.

هذه التجربة علّمتني كيف أنّ البلوغ بإمكانه أن يحصل بين ليلة وضحاها، وأنّني بلغتُ الحياة من وجوه اللاجئين.

قال الممثّل في المسرحيّة أمس، إنّ اللاجئين كالنحل، كم صدق بوصفه. كما علّمني النحل علّمتموني أنّ لسع الحياة فيه ألم، الكثير من الألم، والخيار واحد: علينا أن نبلغ بالمقاومة منتهاها، أو منتهانا.

جمّدتْني المواقف يا عليّ، فلمّا سمعت أمس عن مشروع 'تحرير' الموصل، لم يرفّ لي جفن، فكيف يكون التحرير بعد كلّ ما حلّ من دنس بحقّ الوطن، وسكّان هذا الوطن؟! نعم، ما زلتُ أستعمل هذا المصطلح من أجل ما تبقّى من فتات أمل. دون هذا الأمل لن نجد ما ننتمي إليه، والأرض هي أشرف ما يمكن الانتماء إليه، لأنّ الأرض لا تخون.

اقرأ/ي أيضا | ولم يتبق من الحسكة إلا اسمها.../ نسرين مصاروة

'بتتذكّر يا علي، هاك البهدلة، كم مرّة كرمالا عملنا مشكلة.' صدفة تتوسّط هذه الأغنية نشرة الأخبار. وصلتُ إلى العمل وانتحلتُ شخصيّة السالمة المعافاة. شيء لم يكن وعام قد انقضى.

كلّ عام وأنت والعراق بألف خير. سأكتب لك ثانية، لا محالة.

نسرين.

تعليقات Facebook