"مسخ" كافكا: لماذا يتحوّل البشر؟!

في أحيان كثيرة، يغلب اليأس السعادة فينا، ومردّ ذلك، ربّما، إلى أنّ السعادة في تعريفها هشّة وعابرة ومنذورة للتلاشي، بينما اليأس قيمة أكيدة ومستقرّة. على الرغم من أنّ السعادة تغنينا، لكنّها آنيّة وقصيرة المدى، وهذا في حدّ ذاته يجعلنا عرضة للأسى عند فقدانها؛ فمن الأجدر، إذًا، أن نعانق النهاية مباشرة لنتفادى الشعور، فلا نشعر بخيبة الأمل.

من هذا المنطلق السوداويّ يكتب رائد الكتابة الكابوسيّة، التشيكيّ فرانز كافكا، رائعته العالميّة 'المسخ' (1915)، والتي يعدّها النقّاد من أهمّ الأعمال الأدبيّة في القرن العشرين.

غلاف الرواية

Die Verwandlun

ناقشت مبادرة أسفار الثقافيّة الرواية القصيرة خلال هذا الشهر، شباط (فبراير)، في مكتبة بلديّة بيت فوريك. وقد تناولت عنوان الرواية الذي كانت له عدّة ترجمات من الألمانيّة إلى العربيّة، مثل: المسخ، والتحوّل، والدودة الهائلة، والانمساخ، وذلك بسبب غياب مصطلح يقابل، على نحو دقيق، المصطلح الألمانيّ: Die Verwandlung، والذي يشير إلى مرحلة تحوّل اليرقة إلى فراشة.

استقرّ المشاركون في المناقشة على 'التحوّل' لأنّ مفهومه هو الأقرب إلى معنى العنوان الأصليّ، وهو يعبّر عن التحوّل في شخوص الرواية؛ فغريغور سامسا أتمّ تحوّله الخارجيّ والداخليّ إلى حشرة، وأخته تحوّلت من فتاة مراهقة إلى امرأة ناضجة، أمّا والداه فتحوّلا مع الوقت إلى كائنين يشبهان ابنهما دون أن يدركا ذلك.

انفصال تراجيديّ

ماذا لو استيقظت يومًا لتجد نفسك تحوّلت إلى حشرة ضخمة؟ بهذا السؤال بدأ نقاش مقدّمة الرواية؛ كيف أنّ بطل الرواية، غريغور سامسا، استيقظ ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة عملاقة، وهو ما جعل الرواية تقع في دائرة غير المألوف والغريب والمرعب، ناهيك عن إحساس غريغور المؤلم في البداية، كونه لم يعد قادرًا على الاستمرار في حياته على نحو طبيعيّ، والذهاب إلى عمله في الوقت المحدّد، كأنّما حياته توقّفت عند تلك اللحظة، ما جعله يفكّر مرارًا بالعودة إلى النوم، علّه يستيقظ ويجد نفسه كما كان، إنسانًا بأعضاء، يتحرّك وينجز مهامه المفروضة عليه، بدل المسخ الذي تحوّل إليه.

لقد استطاع كافكا، بدرجة عالية من الصدق الفنّيّ، صياغة حقيقتنا في سياق تحوّلاتنا، إذ يلغي التحوّل إلى حشرة ما يُسمّى بـ 'العالم الإنسانيّ'، مبيّنًا الانفصال التراجيديّ بين الجسد والروح، والذي يعبّر عمّا نريده نحن وما تفرضه علينا ظروف الواقع.

عاديّ جدًّا

إنّ ما يبثّ الرعب في راوية كافكا، مدى اعتياديّة الحدث في العالم الروائيّ الذي أقامه، فالتحوّل إلى مسخ/ يرقة/ حشرة، تحوّل عاديّ جدًّا، خال من الاعتباطيّة؛ وقد يحدث لأيّ شخص في هذا العالم، أن يستيقظ ويجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة!

وحين البحث عن سبب هذا التحوّل، قد يبدو، للوهلة الأولى، أنّه حصل نتيجة فعل ما للبطل، أو أنّه، ببساطة، حلقة من سلسلة أحداث جعلت البطل مجرّدًا من أيّ قيمة إنسانيّة بالنسبة للآخرين، ما جعل تحوّله مجرّد خطوة أخرى تعكس فقدانه لمعنى وجوده، أو ربّما انعكاس لحال المجتمع، الذي تعامل مع هذا الإنسان كأنّه حشرة عليه أن يستفيد منها.

وتناول الحضور موضوع الجسد الذي طرحه الكاتب بعمق وبتفصيل دقيق، حينما تحوّل غريغور من إنسان إلى مسخ، بدءًا من وصفه لإفرازات المسخ وانحرافاته وطريقة نومه ونوع طعامه وكيفيّة تناوله له، ومدى ضخامة النظرة الدونيّة التي لقيها غريغور من عائلته وأرباب عمله وخدم البيت، حتّى المستأجرون الذين سكنوا إحدى غرف المنزل فيما بعد؛ فجميعهم أسقطوا عليه نظرة الاستياء والاحتقار، وهنا اتّضح جليًّا أثر سلب مجتمع العمل والمنظومة الرأسماليّة لذواتنا ومشاعرنا، وصولًا إلى العلاقات الأسريّة التي أصبح حجر الأساس فيها المنفعة، ما أدّى إلى اغتراب الذات عن المجتمع عبر هذا المسخ.

باب ولوحة

وتضمّنت حلقة النقاش مداخلة لإبراهيم مصري، الذي تناول الجذريّة السوداويّة والرؤية العدميّة للعالم في رواية 'المسخ'، لصالح وعي نقديّ ينحاز إلى الحياة دون أن يستسلم للتبشير بالأوهام والأحلام الجميلة.

وتطرّق إلى المكان في الرواية بتفاصيله، من نافذة وباب وردهة ولوحة لطالما تعلّق بها غريغور حتّى اللحظة الأخيرة، إذ كانت آخر حبل يربطه بإنسانيّته، في حين كان الباب الحدّ الفاصل بين عالمه الإنسانيّ المنهار وعالمه كحشرة. ومع مرور الوقت، كان يبدو واضحًا أنّ العالم يغلق تدريجيًّا ويتحوّل البطل إلى حشرة أكثر فأكر، داخليًّا وخارجيًّا.

واختُتِمَ النقاش بالحديث عن حياة الكاتب فرانز كافكا، وأهمّ أعماله الأدبيّة، وبعض المواقف المحوريّة التي تركت أثرًا عميقًا في شخصيّته، وهو ما انسحب على كتابته، فنجد، مثلًا، تشابهًا كبيرًا بين ظروف حياة كافكا وبطل 'المسخ'، غريغور.

لقد اختار كافكا في هذه الرواية، كما في كتابات أخرى له، أن تكون قضيّته الإنسان، فهو يعالج البشر بصفتهم بشرًا، لا أعضاءً في جماعات معيّنة.

 

أسفار: مبادرة شبابيّة فلسطينيّة مستقلّة أُنْشِئت عام 2014 بمدينة  نابلس. اهتمّت أسفار، بداية، بعقد نشاطات ثقافيّةٍ شهريّة، كمناقشة الكتب والروايات، إضافة إلى استضافة كتّاب لمناقشة أعمالهم. وفي المرحلة الثانية، بدأت أسفار بإدخال مجالي السّينما والأعمال التطوّعيّة إلى دائرة أنشطتها. تهدف أسفار إلى أن تكون جسر تعارف بين المهتمّين بشؤون الثّقافة في نابلس بخاصّة، وفي فلسطين بعامّة، عن طريق نشر الفكرة في محافظات الوطن؛ كما أنّها تطمح إلى أداء دورٍ مؤثّر في نشر ثقافة القراءة وخدمة المجتمع عبر الأعمال التطوّعيّة.

 

تعليقات Facebook