سجن في سجن: عن رواية "أثلام ملغومة بالورد"

Guy Tal

صدرت عن دار فصاءات للنشر والتوزيع مؤخّرًا، رواية للكاتبة الفلسطينيّة صابرين عايد فرعون، بعنوان 'أثلام ملغومة بالورد'، تقع في 112 صفحة من القطع المتوسّط.

تسير الرواية بالقارئ على درب الآلام والجُلجُلة، عبر عذابات نساء كثيرات في مجتمعاتنا التسلّطيّة التي يُعدّ فيها قهر الرجال للمرأة وعدم احترامهم لها؛ زوجة، أو ابنة، أو أختًا، أمرًا من صفات الرجولة. كما أنّها تقود القارئ إلى ما تحت الجلد الفلسطينيّ أيضًا، كاشفة له جانبًا مهمًّا لا يُرى من الواقع الاجتماعيّ المرّ للشعب الفلسطينيّ، وذلك في لغة سلسة وعبارات سهلة، يستخدمها الناس في تصاريف حياتهم المختلفة يوميًّا.

مسؤوليّة الكاتب

تبدأ الرواية بحوار مبسّط ومثاليّ، بين أمّ وابنتها التي أنهت دراستها الجامعيّة، ولم تبحث عن عمل، إنّما تفعل ما تحبّ في الحياة؛ المطالعة والكتابة الهادفة، مدركة بوعي كامل مسؤوليّة الكاتب وما يقدّمه على مائدة القارئ، وطموحه إلى أن يكون لذلك أثره فيه، دون أن يبغي من وراء ذلك ربحًا مادّيًّا، بل كما تصرّح الكاتبة، فإنّ 'مربح الكاتب ما يمنحه للقارئ من تجربة ومعرفة ووعي، لا قيمة للمال أمام بصمة يتركها في التاريخ'. لكنّها لا تنسى التلميح إلى معاناة الكاتب بعامّة، وهمومه الحياتيّة، وتعنّيه في تطوير أسلوبه، وأفكاره، والوصول إلى أكبر عدد من القرّاء.

تتسلّل الكاتبة بهدوء في ثياب الشخصيّة المركزيّة، الفتاة الكاتبة، لتسكنها وتستريح داخلها، ولتفتح شيئًا فشيئًا أبواب العالم الخاصّ بها، فتدخلنا إليه بهدوء من خلال قصّة ميلاد أخيها الصغير، الذي وُلد في شهره السابع، وتشير إلى وضع أسرتها المتأزّم، وإلى انتماء أبيها السياسيّ أيضًا، وهو بالأساس من أجل قضاء بعض المصالح، والحصول على بعض الامتيازات.

قوانين القبيلة

وما أن يقطع القارئ عدّة صفحات، حتّى تبدأ الإشارات الحمراء بالإضاءة، لتستوقفه عند محطّات لا يمكنه بأيّ حال من الأحوال تجاهلها، لما فيها من إثارة مشاعر وأسئلة تُطرح حول المعاناة المجتمعيّة، والعائليّة، عبر القوانين التي تفرضها القبيلة، والعادات والتقاليد التي تكون باسم الدين تارة، وأخرى من دون اسم ولا عنوان، اللهمّ إلّا التوحّش الإنسانيّ بلا حدود، إذ تبلغ القسوة أقصى حدودها عندما يتوقّف الطفل الصغير، الذي نظنّ فيه البراءة، وعدم الوعي والفهم لحقائق الأشياء، عن مناداة والده بتلك الكلمة السحريّة: بابا!

تتناول الكاتبة في سردها بعض جوانب التسلّط في مجتمعاتنا، منذ أن تعلّم الأمّ طفلها الذكر أنّه مصدر قوّة العائلة، وأنّ صوته يجب أن يكون عاليًا يملأ أركانه، لكي تخافه أخواته، والنساء بعامّة، ويحسب الجميع حسابه، وأنّه على حقّ دائمًا، ولو أخطأ! مؤكّدة على أنّ التوحّش الذكوريّ تزرعه الأمّهات في صدور الأبناء الصبيان وعقولهم، ولا علاقة لذلك بالمستوى الاجتماعيّ، والمادّيّ، والتعليميّ.

بيع وشراء

العائلة التي تسرد لنا الرواية تفاصيلها، بسيطة، تعيش أزمات متداخلة، في ظلّ تسلّط أبويّ مطلق على كلّ شيء في الأسرة! أب يضرب زوجته وأولاده ضربًا مبرحًا، ويمارس عليهم شتّى أنواع العقاب وامتهان الكرامة، وعدم احترام الرغبات الإنسانيّة البسيطة، ولا حتّى القيم. إنّه الواقع الأليم لكثير من العائلات في عصرنا، وكأنّها تنتمي إلى عصور أخرى. نكتشف في ذلك شكلًا مركّبًا من البطريركيّة، أو التداخل بين سلطات نمطيّة عديدة، على رأسها سلطة القبيلة.

فالبيت الذي تعيش فيه العائلة، سجن داخل سجن، صنعته لنفسها كالشرنقة. والرجل سيّد البيت والسجّان، الحاكم الآمر الناهي، بل هو برتبة الإله، وأمّه، الحماة الكبيرة في السنّ، في درجة فوقه، تصدر له الأوامر لينفّذها، فيضطّهد زوجته وأولاده من أجل إرضائها. عجوز سادّيّة بامتياز، تفرح لضرب أحفادها وعقابهم، وامتهان كرامة زوجة ابنها. تحسب أنفاس الأحفاد وأمّهاتهم، وتمسك بكلّ شاردة وواردة.

وما بين أب متعنّت، له حساباته الخاصّة التي لا تتوافق مع كلّ الشباب الذين تقدّموا لبناته، وأهلهم، وإخوة يرون في زواج أخواتهم مقايضة أشبه بالبيع والشراء، وما حواه من ربح وخسارة، وساديّة جدّة عجوز قاسية الطباع والقلب، ثمّة عمّات عوانس، حُرِمْنَ من نعمة تكوين أسرة، وأن يكنّ أمّهات، فغدون حاقدات على كلّ مَنْ حولهنّ، يغرن من كلّ شيء، حتّى من نسمات الهواء لو لاطفت خدّ زوجة الأخ.

جدّة أخرى

ولا تنسى الكاتبة، طبعًا، أن تحكي عن جدّة أخرى تعشّش في كيان كثيرين، يستحضرون في كلّ وقت ذكرياتهم معها، فترجعها إليهم لتحكي لهم الحكايات، وتصدح بالمواويل والأغاني الشعبيّة، وتزغرد مرحة بعدما قطعت كلّ علاقاتها بالعبوس.

تعيدها لهم بكلّ ما فيها؛ بلسانها الحلو كالسكّر، إذا تكلمت سحرت، وبهمّتها العالية، إذا ما شمّرت عن زنديها دبّ النشاط في كلّ البيت، فتخبز، وتطبخ، وتكنس، وتغسل، وتمدّ يد المساعدة لجيرانها في أفراحهم وأتراحهم، وفي فترات الحمل والإنجاب، وتحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم.

القدس

وبوعي من الكاتبة، تُلَطّف الكاتبة وقع طواحين كلامها، لتأخذ القرّاء في رحلة تعرّفهم خلالها على مدينة القدس، بشوارعها، وأسواقها القديمة، ومحلّاتها التي تسمّيها بأسمائها، واصفة ما تبيعه من سلع بدقّة، هي نفسها تحبّها. تتحدّث كطفلة تحبّ السمسميّة، تسحرها روائح العطور والبخور المنبعثة من المحلّات، بل كعاشقة للعبق السماويّ في المدينة المقدّسة بكلّ ما فيها، لا فقط ترابها وحجارتها. فذاك بائع واقف عند درجات باب العمود، يبيع حلوى السمسميّة الخشنة بالمكسّرات، المحمّصة الطازجة، وأولئك فلّاحات قادمات من قضاء بيت لحم والخليل ليبعن ما حملنه من خيرات الأرض والوطن، فيشعر القارئ وكأنّه يشمّ رائحة الميراميّة والزعتر بأنواعه، وما حملنه من الزعتمانة، والنعناع، والبقدونس، والفجل الذي يدخل طعمه الأفواه وكأنّ الأضراس تقضمه مع زيتونات الصباح، ليسافر عبر أحلام وحكايات سمعها من الجدّ والجدّة عن زهور الوطن: كالريحان، والياسمين، والفلّ، وعبّاد الشمس، متذكّرًا كلّ ما هو جميل في تلك القرى الفلسطينيّة وحياة فلّاحيها، مردّدًا مع شاعرها: على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة.

أرقام

كما تسلّط الرواية الضوء على انتقال الفلسطينيّين بين مناطق الوطن المختلفة. وكما أنّ السجين يحمل رقمًا، وكذلك القسم الذي يقبع فيه يحمل حرفًا، أو رمزًا، فكذلك مناطق الفلسطينيّين الذين تبعثروا في سجن كبير، فثمّة مناطق ومربّعات حملت رمزًا، أو بالأحرى حروفًا مثل 'A B C' ، إلخ... لعلّها تدفعهم إلى تذكّر أبجديّات الوطن والوطنيّة، وإلى تذكّر فجاجة أبجديّات إنسانيّة المجتمع الدوليّ المنافق والعاهر، وتآمره على الفلسطينيّين شعبًا كان له وطن، وأرض، وأصبح فيها لاجئًا سجينًا، بل أصبحت أرضه محرّمة عليه.

قضايا كثيرة تطرحها الرواية التي حول المجتمع الفلسطينيّ الذي مزّقه الاحتلال الصهيونيّ إربًا، ليغدو أشبه بفسيفساء غير متناسقة، لا تشكّل لوحة متكاملة. احتلال بعثر كلّ جميل في ذلك المجتمع، وحوّل فلسطينيّين كثيرين تحت سلطته إلى انفعاليّين ممزّقين نفسيًّا، وخلقيًّا، وعائليًّا، لكنّهم مع ذلك يجيدون التحايل على القانون في صفقات قبليّة لكي يزوّجوا بناتهم وهنّ في سنّ الثالثة عشر.

يجد قارئ الرواية نفسه يردّد مع الكاتبة عبارتها: 'كم كرهت مجتمعي المنافق، الذي يطبّق عادات وتقاليد زائفة لا جذور ولا منبت لها في الديانات السماويّة، والقانون المدنيّ، ولا في تطوّر الحضارات والإنسانيّة'.

 

خالد براشي

 

 

كاتب وناقد لبنانيّ يقيم في فرنسا. 

تعليقات Facebook