أنا أخسر، إذن أنا موجود... وقصائد أخرى*

 

 

أنا أخسر، إذن أنا موجود*

 

يسألني الصديقُ: «في ذروة الصحوِ/

كيف تعِدّ الخساراتِ، يا صاحبي، وكيف تعِدّ لها القلبْ؟»

لا أعِدّ الخسارات لكنّني أُحْسِنُ، حين أرسب في امتحان الـجبرِ، تذكّرَها:

أحيل الخسارة «سينًا»، ومن خسرتُ «صادًا»… ثمّ أمحو الـمعادلةَ/

وأعود للشعر كي أنقذ الأبجديّة من فشلي الـمضيءْ! 

 

«والقلبْ؟ كيف تُعِدُّهُ»؟ 

أدرّبه على القفز للخلفِ، إذ تدنو الخسارةُ/

فهي أنثى، وهو لا يقوى على سحر الإناثِ… ولستُ آمن كيدهنّ عليهِ/

لكنّي أبوح له ببعض سرّ العارفينَ، بداهةً وملابسةً:

كن صفحة الماءِ، أيّها القلبُ، لا رقعة الحبرْ!

 

«وكيف تواجه كرب الخسارةِ/

بعد أن يبلغ القلب مأمنه في الخلفِ… خَلْفَكْ؟»

أنظر في عينها، فأرى صورتي تنظر في عينها… وأعلم أنّني لا زلت حيًّا!

فالخسارة مرآة الوجودِ، يا صاحبي، وفي أحداقها يتمارى الخاسرونْ…

«والقلبُ؟»… ينجو!

 

«والخسارةُ/

هل تطيل الوقوف في غيبة القلبْ؟»  

لا، هي لا تقيم ولا تغادرُ، بل تراوحُ، 

عند باب الدّارِ، موقعَها: كلصٍّ، أو شريدٍ، أو طريدٍ… 

لا يزال على قلقْ. وتكاد ترحلُ… أو تعودْ

 

«ومتى يعود القلبْ؟»

حين تغفو… يعرف القلب الطريقَ

ولا يعود منهنهًا، أو داميًا… بل ضاحكًا، حدّ البكاءِ/

يقول لي: «لو قلتَ لي، ما قلتَ للمرآةِ، في عين الخسارة مرّةً،

لوقعتُ حتمًا في الغرامِ، وما رحلتْ!»

 

* إلى جيل النجّار

 

 

فروقٌ لغويّة

 

في البلاد البعيدةِ،

تلك التي ليست على مقربةٍ من اللهْ،

ابتكروا دواءً لا يتيح لشهوة عاشقيْن تطارحا فعل الغرامْ 

(حيـن أودع زرعه في أرضها عن غير قصدٍ أو لقصدٍ فاحشٍ)

أن تصيرَ، كما أرادتْ، نطفةً أو مضغةً، أو غير ذلك من كوابيس الحصادْ:

The Morning-After Pill

 

في البلاد القريبةِ،

من نفسها وعاصمةِ الله في الأرضْ،

لم يبتكر أحدٌ دواءً لا يتيح لعاشقيْن تطارحا فعل الخصامْ

(حيـن وفّر زرعهُ، أو صبّه في هامشٍ من أرضها، عن غير قصدٍ أو لقصدٍ فاحشٍ) 

أن يكونا في «مقام الفقدِ» ما داما على قيد الحياةِ، وليس من صبـرٍ على كشف الحِدادْ:

The Mourning-After Bill

 

وأنا الذي في الـمنتصفْ،

بيـن البلادِ… على النقيضِ - الماوراءْ،

لم أبتكرْ شيئًا سوى الأمل الطّفيف بأن أكون محايدًا

(لا أفكّر في مراسيم الغرامِ، ولا تقاسيم الخصامِ، ولا أشارك في الحصاد ولا الحدادِ…)

وأن أعود مُنَهْنَهًا من كلّ حبٍّ حاملًا جرسًا، صغيرًا أو كبيرًا، لا يتيح سوى فروق اللّفظِ، والـمعنى القريبْ: 

The Mo(u)rning-After Bell

 

 

في الخريف

 

في الخريفْ،

ليس يسعفني المزاجُ، ولا الـمجازُ

ولا أبالي حيـن يوقعني التّكلّف في الطباقْ

حكمتي، إن كان لي منها نصيبٌ، حكمةٌ رَعَوِيَّةٌ

أتوسّل اللّغة العصيّة نحوها… ويكون شعرُ. 

 

في الخريفْ،

لا أقرّر ما سيُطوى أو يُعلّقُ 

من ملابس في دفاف خزانتي، ورفوفها، لكنّ لي ما ليسَ… لي 

حِيَلٌ على الصيف الحَرونْ، ولي على حزن الشتاء  تـجلّدٌ،

أمّا الربيعُ، لي الربيعُ، أكونهُ… ويكون زهرُ.  

 

في الخريفْ،

لا أحمّل صدفةً ما لا تطيق من الدلالة والدلالِ، 

لكي تفسّر لي نهاري والطريقْ. لكنّ لي بعض الفراسة كي أميّزَ 

صدفةً عن غيرها: أسلكُ الدرب  الذي ترتاده صُدَفي،

وقد أفشي لنفسي سرّها… ويكون خيرُ.  

 

في الخريفْ،

لا أقول لصاحبي: «هل غادر الشعراء من أنثى، 

ومن عينٍ تضنّ بدمعةٍ»، ليجيز بيتي. لكنّ لي من وقتهِ 

الوقتَ الكثيرَ، لكي نسوّي أمرنا: «لي بعض الملابس سوف آخذها 

إلى الخيّاطِ…» ننجز أمرها … ويكون أمرُ.   

 

في الخريفْ،

لا أكفّ عن اتّقاء مخاوفي من طاقة الجمع التي في الطرحْ

لكنّ خيط الغيب أعشى. وأنا وصاحبتي - الغريبة أبكمانِ، وإبرة الخيّاط صمّاءٌ

 توحّد صمتَنا: «ماذا تبقّى غير خيطٍ واحدٍ، في قطعتينِ، موزّعٍ، وقصاصةٍ للاستلامِ،

 نعيدها في الخامسة؟» جهرٌ بحال الروح نكتمه جوىً … ويكون سرُّ. 

 

 

عبور

 

الجنود يحرسون البلادَ، بلادَنا،

من عبور الحنين وأمّي، التي في سِنِيِّ صباها، 

نحو قريتنا في الظهيرة.

 

يوحّدهم زيٌّ عسكريٌّ يذكّرنا بالذبابْ:

الرصاصاتُ، منهم، وقنابل الغازْ… ومن الله أمطارٌ

قد تذكّرنا بالسماءْ. وفي المنتصفْ: صِبيَةٌ يرهنون أعمارهم لاصطياد الغبارِ… ولا غبارْ

(فقد علّمتهم مدارسُنا، حين كانت مدارسَنا، حكايات عنترة الشهيدْ

وانتصارات سيف الدولة الـ «وسادته من غبار المعاركْ»…)

أبطالنا لا ينامون في المساءِ، ولا يصحون في الصباحْ

إذ تراب البلاد وسادتهم في الرحيل الأخيرْ!

 

… وأمّي، التي في سِنِيِّ صباها،

تسمع الآنَ، وهي تعدو نحو قريتنا، عند دار الشهيدْ،

كَرْعَ السلاحِ، وتخشى، كما تخشى كلّ أمٍّ، فوّهات البنادقِ

إذ تَذْرَعُ مناظيرُ الجنود مسافة القنصِ: ما بين رأسها والخاصرة

لكنّها الآن تنجو… وتأخذني من يدي مسرعةً،

وليس في السرعة إلّا السلامة! 

 

… على غفلةٍ من الجنودِ، 

(وقد جرّدتهم حكومتهم من متعة النومْ،

وهي تدرك أن ليس تملك مفاتيح أحلامنا مثلما تملك مفاتيح بلداتنا)، 

أرى وجه أمّي حين أصحو: فأمّي التي كانتْ، قبل سهوٍ، في سِنِيِّ صباها… صارت الآنَ

تعبر رحلتها نحو الثمانينْ. وأنا الذي، في غمرة السهو أصحو، أبصر ذاك الفتى

يسخر من هؤلاء الجنود الذين شاغلتهم تفاصيل أيّامنا

عن رؤية الطفل يعدو بين «الرابعةِ» و«الأربعينْ»!

 

نيويورك، 29 كانون الأوّل 2015

 

*****

 

* من المجموعة الشعريّة الجديدة لعبد الرحيم الشيخ، 'سرّ الشفاء من الفرح'، والتي صدرت مطلع أيلول (سبتمبر) 2017، وتتضمّن 31 قصيدة موزّعة على أربعة فصول. غلاف المجموعة من تصميم الشاعر والفنّان الفلسطينيّ زهير أبو شايب، وخطوط الخطّاط الفلسطينيّ ساهر الكعبي، ولوحة الفنّان العراقيّ ضياء العزّاوي.

ستنظّم أمسية إطلاق للمجموعة في متحف محمود درويش برام الله، يوم 24 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2017، ولاحقًا في دار إسعاف النشاشيبي في القدس، ومسرح خشبة في حيفا. 

غلاف المجموعة

 

عبد الرحيم الشيخ

 

شاعر وناقد من القدس، وُلِدَ لعائلة لاجئة من الرملة. يعمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافيّة والعربيّة في جامعة بيرزيت، وباحثًا في مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، وأستاذًا وباحثًا زائرًا في العديد من الجامعات والمراكز العالميّة. يتمحور عمله الفكريّ على القوميّة، وسياسات الهويّة، والشعريّة العربيّة، والترجمة، ويتركّز نقده الفنّي على التعبيرات البصريّة للهويّة الفلسطينيّة. صدرت له مؤلّفات في الشعر، والترجمة، والنقد، منها: 'حكايا راحلة' (شعر، 2010)؛ أطروحة حسين البرغوثي «الصوت الآخر: مقدّمة إلى ظواهريّة التحوّل» (ترجمة، 2017)؛ «درويش السياسيّ: دفاعًا عن الفروق الصغيرة» (نقد، 2017).

تعليقات Facebook