عصافير ومطر أوّل

منذ أيّام والعصافير تحطّ في ساحتنا، الشباب يحتفلون بها ويحفّزونها على الهبوط، يلقون الطعام إلى أرضيّة الساحة فتستجيب.

لا تستطيع العصافير الدخول عبر الشبكة المعدنيّة التي تشكّل سقف الساحة، وهي ذات قضبان ضيّقة كأنّها قفص دجاج. يبدو أنّها وجدت فتحات في الزوايا، وكذلك أعلى الجدار، عند اتّصاله مع قاعدة السقف المعدنيّة تحديدًا.

بعضها يصنع أعشاشًا في أكثر من موقع في السقف، وبعضها يبحث ساعات طويلة عن طريق العودة إلى السماء. أنادي على سميح المردوان[1] ليشرح لي كيف تدخل وكيف تخرج:

- لماذا تترك العصافير السماء لتدخل إلى هنا وتُحبس معنا، ولو لساعات؟

- تشعر بالأمان أكثر، والطعام متوفّر... ألا ترى أنّ بعضها يصنع أعشاشه هنا؟

- لكنّها تخسر حرّيّتها! هل تعتقد أنّ العصفور مستعدّ لأن يقايض حرّيّته ببعض الفتات؟

- ربّما هذا هو معنى الحرّيّة عندها!

'هذا عصفور الدويري'، حسم الموضوع فارس الصيّاد، 'يحبّ الإقامة بين البيوت والناس، واسمه جاء من كونه يعيش بين الدور. هو لا يميّز السجناء عن غيرهم من البشر، ومستعدّ للعيش معهم أيضًا... يرحّبون به بشكل خاصّ، ففي تردّده على ساحتهم ما يثير ذكريات ما قبل السجن وما سيكون بعده'.

هنا تحديدًا، يحضرني ما جاء في 'مقالة في الحرّيّة' لعزمي بشارة:

'وعلى الرغم من حلم الإنسان بحرّيّة الطيور‘، فإنّ الأخيرة ليست حرّة، على خلاف البشر. فهي ليست حرّة، لا في الرفرفة بأجنحتها، ولا في تغريدها. أمّا البشر، فيبحثون في النهاية عن حرّيّتهم في مواضعها الأثيرة، النفس الإنسانيّة والمجتمع البشريّ المنظّم. الحرّيّة معرّفة بالعقل والإرادة، مشروطة بهما؛ ومن نافل القول إنّهما لا يتوفّران في كائنات لا تملك عقلًا وإرادة. فلا حرّيّة في الطبيعة. وأضيف إلى ذلك أنّه لا حرّيّة في الكائنات فوق الطبيعيّة'.

أمّا المطر الأوّل، فقد جاءني اليوم سلبيًّا مكفهرًّا، يغمر ساحة السجن، طاردًا إيّانا لنُحبس في غرفنا. حاولت من نافذة الغرفة الصغيرة أن أبحث عن آثار رائحة المطر، لكن بلا جدوى.

يبدو أنّ المطر الأوّل حين يأتيك في السجن أوّل مرّة، يفقد هويّته. يقول لي الأسرى القدامى إنّهم يفرحون به، فهو مع الوقت يأتيهم برائحة الأرض وترابها من بعيد.

يبدو أنّ أسيرًا حديثًا مثلي يحتاج إلى سنوات ليكتسب من جديد، ولو في مخيّلته، ما اغتصبه مكانه الجديد منه؛ تكوينه الأوّل العضويّ الخصب لدى التحام الجسد بالأرض عبر استنشاق رائحة التراب مع أوّل هطول.

ومع ذلك، شكرًا للعصافير.

 

[معتقل الجلبّوع، تشرين الأوّل 2017]
 


[1]. في أقسام الأسرى السياسيّين، يعيّن الأسرى من بينهم 'شاويشًا' مسؤولًا عن الساحة، و'مردوانات' يؤدّون الأعمال الضروريّة خدمة للأسرى، تطوّعًا طبعًا، وأعتقد أنّ أصل الكلمة تركيّ.

 

د. باسل غطّاس

 

قائد سياسيّ وبرلمانيّ فلسطينيّ من أراضي 48. يقضي حكمًا بالسجن مدّة عامين في معتقل 'الجلبوع' الإسرائيليّ بتهمة معاونة أسرى سياسيّين فلسطينيّين. حاصل على الدكتوراه في الهندسة البيئيّة من معهد 'التخنيون'، وله مؤلّف بعنوان 'بلا هوادة'، صادر عن مكتبة كلّ شيء عام 2017.

تعليقات Facebook