وليد الشُرَفا: محاكمة العالم وفق "دين" الفلسطينيّ

وليد الشُرَفا

 

تمكّن الروائيّ الفلسطينيّ، وليد الشُرفا، في روايته، "وارث الشواهد"، التي وصلت القائمة القصيرة "للبوكر" (الجائزة العالميّة للرواية العربيّة) لعام 2018، من نسج علاقة وطيدة بين الأدب والتاريخ، عن طريق إلغاء الحدود الفاصلة بين الواقعيّ والخياليّ في النصّ. ويرى الشُرَفا أنّ التاريخ ليس إلّا شهادة زور للحاضر، وعليه، فالتاريخ مصدر الصدمة والوعي، والأدب ارتداد جماليّ لهذه الصدمة، وضربة مزدوجة لخيبة الحاضر وخسران التاريخ؛ لذلك، يمكننا أن نَعُدّ "وارث الشواهد" تجسيدًا لعلاقة الفلسطينيّ بأرضه، من خلال محاكمة التاريخ بالجغرافيا وبالمكان، لتكون الرواية حفرًا عميقًا في الأزمنة الفلسطينيّة المتداخلة إلى حدّ بعيد، يكسر فيها الزمن الروائيّ الحواجز بين الأحداث التاريخيّة، لتعرية محاولة سرقة الذاكرة الفلسطينيّة من قِبَل المحتلّ، الذي لم يكتف بسرقة الأرض، وهي، أيضًا، دفاع واضح عن حقيقة الفلسطينيّ على أرضه، بتجلّياتها المختلفة، مقابل الأسطورة التي يشرعن بها المحتلّ وجوده.

حاورت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة صاحب "وارث الشواهد" للحديث عن روايته، كما دار الحديث معه حول مجمل مشروعه الأدبيّ، ومكانة الرواية العربيّة اليوم، وعن الوجوديّات التي تمثّل سجالًا دائمًا في أعمال الشُرفا الذي يرى أنّ التجارب الأدبيّة الكبرى نتاج صدمات كبرى، على مستويي الوعي والتعبير اللغويّ.

 

 

لقد قلتَ غير مرّة في مقابلات أُجريت معك؛ إنّ "التجارب الأدبيّة الكبرى نتاج صدمات كبرى، على مستوى الوعي، ومستوى التعبير اللغويّ"، فما الصدمة التي أحالت أفكارك إلى نصّ أدبيّ؟

وليد الشُرَفا: الصدمات معقّدة، تعقّد القرار في الحياة نفسها، بين مَنْ يعيشها ومَنْ يحاول وراثة خزّانها البشريّ المليء بقراءاتها، أي بين مَنْ يحاول فهمها ويخسر اليقين. وتبعًا لذلك، تكون صدمات الحياة ضمن مستويين: الأوّل؛ تعرّض الإنسان لصدمة تهزّ كلّيّته، فتتحوّل الألفاظ اليوميّة المحايدة إلى قانون للتوريط والاستفزاز، وبالتالي الانتقال من تداول الألفاظ إلى العيش فيها. أمّا المستوى الثاني؛ فهو صدمة المعرفة التي تشبه معرفة أوديب، حيث خسارة اليقين ورحلة البحث عن معنى ضمن قرار ثقافيّ، وحيث الخروج من جنّة اليقين إلى جحيم الانتظار والقلق.

أعتقد أنّ معظم الفلسطينيّين عاشوا الصدمة الأولى من حيث الاقتلاع ونزع الجذور من وطنهم، بالإضافة إلى عمليّات القتل والتدمير ووراثة المأساة كلّها في المخيّمات. الفلسطينيّون في معظمهم يعيشون تحت وطأة الفردوس المفقود، وهي فكرة "وارث الشواهد"، أمّا التفرّعات الأخرى، فماثلة بحالات التناصّ الكبرى التي عايشها واستنسخها الأدب الفلسطينيّ. أنا كباقي الفلسطينيّين، عشت ألم قتل الأصدقاء وزملاء الدراسة، وتحسّست الموت وقوّة وبشاعة القاتل حين استشهد ابن عمّي، مراد، عام 1991، عندما كنّا في المرحلة الثانويّة إبّان الانتفاضة الأولى. معرفيًّا، ساقتني الصدمة الأولى لتعريفها ضمن رحلة الصدمات البشريّة، حيث المعنى الوجوديّ للفرد، وحيث الدهشة الفلسفيّة في أكثر الأحداث الإنسانيّة تكرارًا؛ الولادة والموت. أهجس أنّ الفلسطينيّ الأقرب إلى قلب الوعي البشريّ.

 

قال محمود درويش في قصيدة "خطبة الهنديّ الأحمر": "لا تكتبوا علينا وصايا الإله الجديد، إله الحديد، ولا تطلبوا معاهدة للسلام من الميّتين، فلم يبق منهم أحد يبشّركم بالسلام". ألا تعتقد أنّ في هذا الفحوى تجسيد لكثير ممّا جاء في "وارث الشواهد"؟

وليد الشُرَفا: حقيقةً، لم تخطر ببالي هذه الصورة العبقريّة لدرويش، لكن يمكن التأكيد عليها بأنّ إله الحديد المرتكن إلى القوّة سيتفكّك يومًا، وعقدة الألم والانتقام والتعالي الربّانيّ، في جلّها صناعة فلسطينيّة، لذلك، فإنّ زراعة الموت ستورث ثمار المرار، وعلى صنّاع الأسطورة أن ينظروا تحت أقدامهم، ويروا تململ الأرواح التي أرهقوها. على القاتل أن ينظر إلى الأمام ليرى مصيره بعيون ضحاياه، وإنّ المعجزة الربّانيّة "في تطبيقها اليهوديّ" لم تحقّقها سوى المؤامرة، وإنّ ثلاثة آلاف عام في الغياب، يقابلها حضور فلسطينيّ. هذا من الساديّة في "فرك جرح الضحّيّة"، فمعجزة بقاء القتيل أكثر إقناعًا من بقاء القاتل، ولو إلى حين.

في"وارث الشواهد" رهان على تجذّر الفلسطينيّ وقدرته على الاستمرار، على الرغم من خيباته من العدوّ والصديق؛ إنّه تمثّل متجدّد للمسيح؛ بالواشي، والقاتل، والخائن. لا ضمان بغير سلام المتعادلين للبقاء ثلاثة آلاف عام هنا حتّى تتجسّد المساواة، فالروايات تجهض من داخلها. 

اقرأ أيضًا: مقطع من وارث الشواهد

 

ماذا تمثّل الكتابة لديك؛ أهي وسيلة، أم غاية، وكيف ينعكس ذلك على المضمون؟

وليد الشُرَفا: سؤال جميل. إنّها غاية الوسيلة وشكل المضمون، إنّها محاولة للإمساك بالتاريخ وخطف المستقبل، وهي محاورة الصدمات والوعي كذلك.

 

لماذا يطغى التشاؤم على أعمالك الأدبيّة؟ هل ترى فيه ضيفًا ثقيل الظلّ وتحاول - أو ترغب على الأقلّ - التخلّص منه، أم أنّك ترى في وجوده ضرورة سرديّة لمقاربة المأساة؟

وليد الشُرَفا: لا أدري، لكنّه ليس خيارًا بالتأكيد، إنّه حالة إكراه قسريّة مثل الرومانسيّة تمامًا، لأنّ التجربة والوعي في الحالة الفلسطينيّة تنتج خوفًا من المستقبل، في حين يتحوّل الماضي مع مرور الزمن إلى خزّان لتوارث الألم، حيث الشهداء والتهجير، والأجيال الجديدة في المخيّمات التي تدفع ثمن لعبة القوّة، وهي حالة مستمرّة، بل تزداد عمليّات القتل والاستيطان بتسارع رهيب فيها؛ لذلك، فالتفاؤل نفسه يحضر كبطل تراجيديّ يواجه مصيره واقفًا. التفاؤل يعني، هنا، إثبات الغياب بالحضور المجروح في ظلّ الصراع المستمرّ مع الماضي والحاضر، وبالتالي المستقبل، وهو الحاضر الذي يتحقّق. بالتأكيد، مقاربة المأساة سرديًّا لن تتّخذ نمطًا وعظيًّا، أو طوباويّة أيدولوجيّة، لأنّ جيلنا شهد انهيار الرهانات الجمعيّة الكبرى من إنسانيّة وقوميّة. يحضر التشاؤم في مقاربة الحالة الفلسطينيّة نفسها التي بدأت برهان جمعيّ وإنسانيّ، وقوميّ يكون الفلسطينيّ نبيّ فعلها، لتنتهي إلى حالة من تشظّي الفلسطينيّ نفسه وضياع مركزيّته. لقد بدأ الفلسطينيّون بحلم توحيد العالم، لينتهوا إلى تفكيك ذواتهم، جغرافيًّا، وإنسانيًّا، وأخلاقيًّا، وليس ثمّة أكثر من هذه الحالة تراجيديّة.

 

ماذا تمثّل الجوائز للروائيّ؟ وماذا تمثّل جائزة "البوكر" لك؟

وليد الشُرَفا: لم أتقدّم شخصيًّا لأيّ جائزة في حياتي، لكن دار النشر مَنْ رشّحت روايتي "وارث الشواهد". مع ذلك، أفادت "البوكر" كثيرًا في انتشار الرواية، وحقّقت لها مقروئيّة جيّدة، وحضورًا أعاد إحياء السؤال الفلسطينيّ بشكل متميّز على مستوى الأفكار والجماليّات.

 

لحيفا مكانة خاصّة في ما تكتب؛ لماذا حيفا بالتحديد، وليست يافا أو عكّا مثلًا؟ مع العلم أنّك لم تعش في أيّ منها.

وليد الشُرَفا: ما لم يتحقّق بالصدمة يتحقّق بالوعي؛ فكيف بمن عبر البحر ليلقى حتفه على ساحل بحر فلسطين وهو لم يولد فيها؟ ماذا ستقول لدلال المغربي وآلاف المقاتلين غيرها؟ وهم الذين لم يروا فلسطين، وقبلوا بأن تكون النظرة الأولى، نظرةً أخيرة؛ نظرة مقابل غياب أزليّ. ماذا سنقول ليحيى إسكاف، اللبنانيّ الذي لم ولن يرى فلسطين؟ إنّه سؤال الوعي.

حيفا الجبل والبحر، عكّا الصخر والبحر، يافا السهل والبحر؛ كلّها ذكريات مطرودة وجمال لن يعوّض. هي المعادل الأزليّ للفلسطينيّ، سؤال الحنين بين فراق ولقاء كما ورد في "وارث الشواهد"، فكيف تكون إنسانيًّا مع الغريب وحياديًّا مع أخيك؟ وورد في الرواية أيضًا، أنّ سؤال العدالة أهمّ من سؤال المحبّة، إنّه اشتياق الماء واشتياق الصخر والسهل، إنّها ملابس إخوتي الذين أكلهم الذئب، ووراثة الغريب خزانات ملابسهم، وشهقات شوقهم وشهوتهم.

 

هل لديك طقوس معيّنة متعلّقة بالكتابة، لحظة بلوغ الفكرة وترجمتها في القالب الأدبيّ الذي تقدّمه للقرّاء؟

وليد الشُرَفا: لا طقوس غريبة، أكتب في الليل. الموسيقى والغناء ملهم مهمّ. لا أدخّن مطلقًا.

 

لطالما قيل إنّ درويش لم يترك إلّا حيّزًا صغيرّا لمن لحقه من الشعراء، وقيل كذلك في جبرا إبراهيم جبرا، في ما يخصّ الكتابة عن الملهاة الفلسطينيّة. كيف تنظر أنت إلى ذلك؟

وليد الشُرَفا: بالتأكيد، درويش وجبرا علامات فارقة، وحظّ سيّء للعدوّ، لكن ذلك ينافي فكرة الوجود نفسه، لأنّ اللحظة التاريخيّة تخلق حالاتها، وكالبصمة، ثمّة حدس ذاتيّ دائمًا، مع وجود هامش كبير للتناصّ، إذ من المستحيل القبض على الدرجة الصفر للمعنى الإنسانيّ. لذلك، كلّ حالة ستخلق من ينطق بظلالها، وستبقى الحالة الفلسطينيّة مولّدة لاستعارات لن تزول.

 

تمكّنت في "وارث الشواهد" من نسج علاقة وطيدة بين الأدب والتاريخ؛ فما الحدود الفاصلة بين الواقعيّ والمتخيّل في نصوصك؟

وليد الشُرَفا: العلاقة قائمة مثل علاقة الجسد بالظلّ. التاريخ شهادة زور الحاضر كما ورد في "وارث الشواهد"، وعليه، فإنّ التاريخ مصدر الصدمة والوعي، والأدب ارتداد جماليّ لها، إنّه ضربة مزدوجة لخيبة الحاضر وخسران التاريخ، وينساق ذلك على المتخيّل، والتخييل؛ تمرّد على الواقعيّ الصامت، بإنتاج العلاقة.

 

إلى أيّ حدّ يمكن أن نَعُدَّ "وارث الشواهد" سعيًا لإثبات الوجود؟ وإلى أيّ مدى يمكن عَدُّها عملًا يجسّد علاقة الفلسطينيّ بأرضه؟

وليد الشُرَفا: كلّ ما ذكر يجيب عن هذا التساؤل المكثّف، إنّها محاكمة للتاريخ بالجغرافيا والمكان.

 

هل ما تزال الرواية العربيّة "تعابث صخرة سيزيف، وتراوح بين السقف والقمّة"، أم أنّ لها اليوم شأنًا آخر؟

وليد الشُرَفا: الرواية العربيّة تراوح بين التناصّ والصدمة؛ إنّها ممزّقة بين الحالات، وتعيش في انبعاث، لكنّها تواجه خطر الوسائط التي منحت قدرة على الإيهام بالصدمة.

 

ثمّة سجال دائم بين وجوديّات كبرى في أعمالك الأدبيّة، ولا سيّما في "وارث الشواهد"، التي تشبّه فيها خروج الفلسطينيّ من أرضه بخروج آدم من الجنّة؛ هل تستدعي أنت ذلك، أم أنّ الوجوديّات تفرض نفسها عليك؟

وليد الشُرَفا: يحدث كلّ ذلك، فالفلسطينيّ دفع ثمن الأزل الذي كان يسير به إلى مأساته الكبرى، وبمجرّد نزول الديانات السماويّة بدأ التأويل البشريّ بصناعة المصيدة له، وبدأت عُقد التكفير والخطيئة به وفيه؛ وعندما حدثت الثورات الحديثة، تقدّم كلّ شيء إلّا أسطورة الله "الفلسطينيّ"، ودفع الفلسطينيّ مرّة أخرى ثمن تكفير الأصوليّات عن خطاياها، بإنتاج صكوك غفران جغرافيّ كانت فلسطين أداته، ومرّة أخرى تتناوب الأسطورة مع المختبر والعقلانيّة. كلّ ذلك فرض أن تحمل "وارث الشواهد" المحاكمة للعالم وفق قانون الفلسطينيّ، أو "دين" الفلسطينيّ إن شئت، لذلك، فإنّ الأسطورة نفسها تصبح عِرْقًا في الحالة الفلسطينيّة. لقد ألغت أوروبّا الطائفة في ممارستها، وأحيت الطائفة في الجغرافيا الفلسطينيّة، بقوميّة مَنْ قتلتهم... لقد حوّلت الأسطورة إلى عِرْق، والمخيال إلى قوميّة.

 

باسل مغربي

 

كاتب وصحافيّ من فلسطين؛ يكتب الشعر. حاصل على البكالوريوس في الإعلام من جامعة بيرزيت. مهتمّ بالأبحاث والدراسات الاستعماريّة، والأدب بعامّة، ولا سيّما الشعر، كذلك يهتمّ بالفلسفة والميتافيزيقا والسينما.

 

 

 

تعليقات Facebook