عشيّة المحكمة، دارين طاطور: سأكتب عن كلّ شيء!

دارين طاطور في منزلها | عدسة عمّار عوض، رويترز

 

اعتقلت السلطات الصهيونيّة الشاعرة دارين طاطور، في 11 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2015، وفي 02 تشرين الثاني (نوفمبر) قدّمت ضدّها لائحة اتّهام، تضمّنت "التحريض على العنف" و"دعم تنظيم إرهابيّ". قضت طاطور ثلاثة أشهر في سجون مختلفة، وبعدها نصف السنة في اعتقال منزليّ مع الإبعاد إلى منطقة تل أبيب، ولا تزال إلى اليوم رهن الاعتقال المنزليّ في بيتها في الرينة، قرب الناصرة. أثارت محاكمة الشاعرة، بتهمة كتابة قصيدة تدين جرائم الاحتلال، اهتمامًا كبيرًا في أوساط الكتّاب والشعراء والمثقّفين في البلاد والعالم؛ إذ عبّر الآلاف منهم عن تضامنهم مع طاطور، من خلال الأعمال الفنّيّة والعرائض والمقالات وأمسيات التضامن، الّتي أقيمت في حيفا، وتل أبيب، ويافا، ونيويورك، وباريس، وغيرها.

بعد محاكمة طويلة، رفضت خلالها طاطور الاعتراف بـ "ذنوبها"، وأصرّت على شرعيّة احتجاجها الفنّيّ، أدانتها القاضية في محكمة الناصرة بكلّ التّهم المنسوبة إليها، وفي مداولات العقوبة، طالبت النيابة بسجن دارين مدّة تتراوح بين 15 و26 شهرًا، وبعد تأجيل المحكمة مرّات عديدة، عُيّنت الجلسة الأخيرة للنطق بالعقوبة، أواخر هذا الشهر، في محكمة الصلح في الناصرة.

أجريت هذا الحوار مع الشاعرة طاطور، بناءً على طلب من صحافيّة وكاتبة أميركيّة، كيم جِنسِن، وإليها يعود فضل اختيار الأسئلة وإثمه، لكنّني أرى أنّ الأهمّ إجابات المناضلة دارين طاطور، الّتي يعود إليها فضل تلبية طلب المقابلة أوّلًا، وصراحة الإجابات ثانيًا.

وتنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة الحوار، عشيّة محاكمة دارين، بصيغته العربيّة.

 

ما أسوأ الأشياء الّتي تمرّين بها في أثناء الانتظار؟

دارين طاطور: كلّ شيء في الانتظار قاسٍ، ولكن شعور الشوق إلى صديقاتي أقسى الأمور الّتي تمرّ عليّ في حياتي، كوني إنسانة شاعرة تعيش انتظارًا طويلًا كهذا في ظلّ الاعتقال، أشتاق إلى مَن أحبّهم، ولا أستطيع رؤيتهم بسبب القيود، الشوق قاتل مع الانتظار. كثيرًا ما أعيش ألم الاشتياق، وأموت معه في الدقيقة ألف مرّة، أشتاق الخروج إلى الأماكن الّتي أحبّ زيارتها. أنا أيضًا مصوّرة، وأحبّ التصوير الفوتوغرافيّ في الخارج، وقد اشتقت كثيرًا إلى ممارسة التصوير بحرّيّة.

 

دارين في إحدى جلسات محاكمتها

 

ما الأسوأ في الاعتقال المنزليّ المستمرّ؟

دارين طاطور: الانتظار أسوأ ما في الاعتقال وأصعبه، الوقت يمرّ لكن ببطء شديد، لأنّه يمضي في الانتظار، كلّ ساعة تمرّ عليّ كأنّها يوم كامل. ومن أسوأ الأمور تلقّي خبر تأجيل جلسات المحاكمة؛ لأنّني أعلم أنّ كلّ تأجيل يزيد مدّة اعتقالي، بين شهر وثلاثة شهور، التأجيلات المستمرّة لمحاكمتي نوع من أنواع التعذيب لي ولكلّ معتقل.

 

كونك امرأة؛ هل أثّرت هذه المحكمة في حياتك؟

دارين طاطور: المحاكم تؤثّر في الإنسان بعامّة، فكم بالحريّ محاكمة كالّتي أمرّ بها، امرأة تقضي اعتقالًا قاسيًا فترة قاربت ثلاث سنوات، المحاكمة بمجملها مبنيّة على تكميم صوت شعريّ، على حبس صرختي ومنعها من الخروج من أعماقي لتصل إلى الآخرين! حتمًا أثّر الاعتقال فيَّ امرأةً، فقد كنت فعّالة جدًّا في مجتمعي وبيئتي، وكانت لي حياة نشيطة. وقد أثّر الاعتقال في مشاعري، وطريقة كتابتي، ونظرتي إلى الحياة بعامّة، وعلى الرغم من وجود تأثيرات سلبيّة، إلّا أنّها أصبحت بالنسبة إليّ المحفّز على الاستمرار والتحدّي والكتابة أكثر.

 

هل تشعرين بضغط خاصّ؛ بسبب دورك شاعرةً أو ناشطةً؟

دارين طاطور: هي ليست ضغوطات بقدر أنّها مسؤوليّات! بصفتي شاعرة وناشطة، أشعر بأنّني أحمل مسؤوليّة يجب أن أقوم بها، طوال حياتي كنت شاعرة كما أنا اليوم، وسأبقى أيضًا كذلك، وكوني شاعرة يجعل منّي إنسانة ناشطة أيضًا، هذه الأمور أمارسها عن حبّ وشغف دائمَين، لا أحسّ بضغط، بل على العكس: إنّ دوري شاعرةً وناشطةً في مجتمعي، هو الّذي يُخرج من داخلي كلّ الضغوطات الّتي أعانيها.

 

كيف غيّرت هذه المحكمة دورك في العائلة وفي المجتمع؟

دارين طاطور: حقيقةً، هذه المحكمة لم تغيّر شيئًا في دوري العائليّ، أنا إنسانة أحبّ أن أكون مستقلّة استقلالًا تامًّا عن كلّ ما يربطني بالعائلة؛ لذا أقولها بصدق: أنا لم أتغيّر على الصعيد العائليّ، ولم أغيّر شيئًا في العائلة. الشيء الوحيد الّذي أستطيع أن أقول إنّني غيّرته عائليًّا، نتيجةً لهذه المحكمة، أنّني، وعلى الرغم من كلّ الضغوطات الّتي مارستها عليّ العائلة والمحيطون بي، بقي قراري واحدًا ووحيدًا: لن أتراجع عن الكتابة والشعر مهما كانت النتيجة.

لكنّ دوري في المجتمع قد تغيّر كلّيًّا، هذه المحاكمة غيّرتني على الصعيد المجتمعيّ، وغيّرت مكانتي أيضًا في مجتمعي. أستطيع أن أقول إنّ هذه المحاكمة شكّلتني وعرّفت مجتمعي والعالم عليّ أكثر، شاعرةً تحدّت بكلماتها السلطات الإسرائيليّة والاجتماعيّة والذكوريّة، وهو الأهمّ لديّ. وكثيرًا ما سعدت أنّ موقفي ومحاكمتي أثّرت في النساء بخاصّة، وفي مكانتهنّ شاعرات ومبدعات وفنّانات، وأسعدني أيضًا أنّ قضيّتي أثّرت في الكثيرين من الفنّانين في العالم، ومنحتهم الإلهام للتعبير عن فنّهم أيضًا نتيجة لمحاكمتي، وهذا في حدّ ذاته أثّر فيّ كثيرًا، وسيطر على مشاعري.

 

الانتظار الطويل، كيف أثّر فيك، من ناحية المشاعر والسياسة والحياة الفنّيّة؟

دارين طاطور: الانتظار شكّل المشاعر في قلبي وبدّلها، وجعلني أكتب قصائد بطريقة لم أكتبها قبلًا... فتح في قلبي وفكري حياة سياسيّة وفنّيّة لم أعشها وأعرفها قبلًا، وهي طبعًا أفضل من المرحلة السابقة؛ إذ زادت في داخلي ثقافة على ثقافتي، وأضافت إلى حياتي رونقًا ومعانيَ أخرى، أصبحت السياسة والحياة الفنّيّة شغلي الشاغل، أكثر من ذي قبل، حتّى أنّني تعلّمت الرسم أيضًا في وقت الانتظار في هذا الاعتقال، وأفكّر في دراسة الفنّ التشكيليّ بعد انتهاء محاكمتي، إضافة إلى الصحافة، وإلى كوني شاعرة ومصوّرة.

 

دارين خلال إحدى جولات التصوير

 

أمّا على الصعيد السياسيّ، فأظنّ الاعتقال بلور لديّ هويّة سياسيّة مختلفة عن تلك السابقة، وأصبحت أنادي أكثر من قبل بتحرير شعبي ووطني من كلّ ظلم، وعلى رأسه الاحتلال، وصولًا إلى دولة تحوي الجميع، لكن على مبدأ العدل والمساواة دون أيّ تنازل عن حقّنا، شعبًا فلسطينيًّا جزؤه يعيش في أرضه ووطنه الّذي وُلد فيه، وجزؤه الآخر المهجّر من وطنه يحلم بالعودة.

 

عندما تفكّرين في أنّك ربّما تعودين للحبس مرّة أخرى، كيف تتخيّلين حياتك هناك؟ وما الصور الّتي تحضر في مخيّلتك؟

دارين طاطور: كلّ شيء في السجن مخيف ومقلق، ويثير في نفسي الاشمئزاز، ولا أريد العودة إليه، لكن إن أقرّت المحكمة أنّني سأعود، فلا بدّ لي من أن أكون مستعدّة لكلّ شيء عايشته هناك، طوال 97 يومًا من بداية اعتقالي. من المؤسف أن أقول إنّني – وعلى الرغم من هذا القلق - قد وضعت لنفسي أهدافًا، ووضعت برنامجًا وجدولًا زمنيًّا لتحقيقها في فترة السجن. ومن بين هذه الأهداف: تغيير ظروف الأسيرات في السجن، وإنشاء مكتبة جديدة هناك، والخروج من السجن ومعي ديوان شعر جديد أيضًا، يحكي عن الفترة الّتي سأقضيها هناك، وكتابة سيناريو فيلم عن الأسيرات الفلسطينيّات في السجون الإسرائيليّة، مشاعرهنّ ومعاناتهنّ، جرّاء التهميش الاجتماعيّ والسياسيّ، وجرّاء ممارسات السلطة الإسرائيليّة. سوف يكون السجن - إن كتب لي القدر دخوله مرّة أخرى - محطّة للتغيير والمزيد من الإبداع الفنّيّ، في كلّ الفنون الّتي أمارسها.

أمّا أكثر ما يراود مخيّلتي فأصوات وصور: صوت السلاسل، وصوت طرق الأبواب الحديديّة ودوران أقفالها، ويمرّ في خاطري أنّني سأرى مجدّدًا صورة السماء فقط، عبر فتحة صغيرة من ساحة السجن، وتبدو لعينيّ كأنّها مربّعة الشكل.

 

على أيّ نحو تغيّرت أهدافك وإحساسك كاتبةً، في أثناء فترة الاعتقال (أكثر من سنتين ونصف)؟

دارين طاطور: كلّ أشكال حياتي تغيّرت مع الاعتقال، كلّ مشاعري تغيّرت، وكلّ علاقاتي الشخصيّة، وأسلوب كتابتي، ومواضيع الكتابة، وفلسفتي في الحياة تغيّرت، نظرتي إلى الأمور تغيّرت، تستطيع القول إنّ دارين دخلت السجن إنسانة وخرجت منه إنسانة أخرى، مختلفة تمامًا بكلّ ما فيها، ولن أعود كما كنت، أصبحتُ أقوى وأكثر شاعريّة، وبتّ أكتب بطلاقة أكثر. الثقافة الّتي اكتسبتها من الكتب الّتي قرأتها، والأشخاص الّذين تعرّفت عليهم في هذه الفترة، كانت كلّها كفيلة بتغييري تغييرًا تامًّا.

لكنّ ثمّة أمرًا آخر: عقلي وفكري وإحساسي باتت معلّقة ومرتبطة بالأسيرات في السجون، جلّ اهتمامي وأهدافي بات مبنيًّا على أساس استعادة حقوق هؤلاء النساء، والحديث عن أوجاعهنّ، لكنّي أستطيع أن ألخّص لك أنّ هدفي اليوم في الحياة - من بعد الاعتقال - بات مرتبطًا فقط بالنساء. أطمح إلى أن أكون ناشطة ومؤسِّسة في حركة نسائيّة في فلسطين، أنطلق منها ومعهنّ إلى العالم، ببساطة، هدفي اليوم الّذي سأعمل على تحقيقه بعد نيْل حرّيّتي، تأسيس جمعيّة نسويّة فلسطينيّة، ترتبط بجمعيّات حقوقيّة نسائيّة في العالم؛ لنلتقي معًا من أجل السعي لتحرير المرأة من كلّ هذه القيود الّتي تعانيها، باختصار، هذه السنوات الثلاث تقريبًا، جعلتني أحبّ النساء أكثر من أيّ زمن مضى، وأطمح إلى التغيير معهنّ يدًا بيد.

 

هل الانكشاف للجمهور منعك من أن تكتبي بحرّيّة تامّة - كونك امرأة - حول مواضيع غير التحرّر الوطنيّ؟

دارين طاطور: لا، بل على العكس تمامًا، انكشافي للناس وشهرتي في هذه الفترة، حفّزاني إلى أن أكتب عن كلّ شيء أريد أن أعبّر عنه، وبحرّيّة أكثر من ذي قبل، بصراحة، هذا الانكشاف حرّرني أكثر، وبتّ أكتب مواضيع لم أكتبها قبلًا، ولا سيّما مواضيع تتمحور حول القضايا النسائيّة، المشاعر الّتي أحسّ بها، والتجارب الّتي خضتها أيضًا. ليس من أحد بعد اليوم، أو أيّ قانون، يمنعني من الكتابة عن أيّ شيء أشعر به، وعن كلّ النواحي الإنسانيّة، إضافة إلى الشعر الوطنيّ السياسيّ الّذي كتبته وما زلت أكتبه وسأظلّ أكتبه، هذا الانكشاف الّذي حفّزني على أن أنقل الوجع النسائيّ بخاصّة، والوجع الفلسطينيّ بعامّة إلى العالم، إلى خارج هذه الحدود.

 

هل يصعب عليك أن تكتبي مواضيع في غير النضال السياسيّ؟

دارين طاطور: لا، كلّ شيء أشعر به أحوّله إلى قصيدة، لا أجد صعوبة في كتابة مشاعري. ما يميّز كتابتي الشعريّة وقصائدي أنّني أكتب عن كلّ تجاربي الخاصّة بصدق وعفويّة، أكتب عن الحبّ حين أعيش قصّة حبّ أيًّا كانت، كتبت وأكتب عن الاغتصاب؛ لأنّني تعرّضت أيضًا لهذا الوجع في فترة من حياتي، وأكتب عن الوطن؛ لأنّ الوطن يعيش بي أيضًا، وأيّ موضوع يمكن أن يؤثّر في مشاعري بطريقة عفويّة، يتحوّل إلى قصيدة شعر دون أن أفكّر في ذلك؛ فالمشاعر الّتي تقودني إلى الكتابة.

 

عندما تنظرين إلى العنف داخل المجتمع في الجليل؛ بِمَ تشعرين؟

دارين طاطور: أشعر بحزن شديد على الوضع الّذي وصلنا إليه؛ فالعنف الّذي انتشر في منطقتنا يتعبني كثيرًا، ويجعلني أفكّر في إيجاد طرق للتخفيف من هذه الظاهرة، حوادث القتل عامّة وقتل النساء خاصّة، باتت تتعبني وتطغى على تفكيري.

 

ما المشاعر الّتي تنتابك في الحقيقة من الداخل؟

دارين طاطور: أنا إنسانة، فمهما كنت قويّة وصبورًا، فكثيرًا ما أشعر بأنّني أتمزّق من الداخل، كثيرًا ما أشعر بالضيق والقهر، كثيرًا ما أبكي وحدي، كثيرًا ما ألعن حظّي وحياتي البائسة، ولا سيّما أنّني فقدت في هذه الفترة كلّ صديقاتي اللّواتي كنت أكنّ لهنّ كلّ المحبّة، لكنّني لا أسمح لهذا الحزن أن يوصلني إلى اليأس؛ فكلّ المعاناة ومشاعر الألم والضعف، الّتي تعرفها المرأة تحت وطأة هذا الظلم، قد وصلت إلى قلبي، وأعترف أيضًا أنّني في هذه الفترة - إلى جانب كلّ هذا الألم - أعيش قصّة حبّ جميلة لم أعشها قبلًا، وإن كانت غريبة بعض الشيء. الحبّ في زمن الحرب حبّ مميّز، ويمنح الإنسان الّذي يخوض حروبًا نفسيّة القوّة للانتصار على كلّ العوائق. أنا أعيش حربًا من كلّ النواحي، لكنّني مع هذا الحبّ أنتصر دومًا.

 

هل أُعيد حاسوبك إليك؟

دارين طاطور: لا، ما زال حاسوبي محتجزًا لدى الشرطة، مع هاتفي النقّال.

 

ما حال الوضع الاقتصاديّ للعائلة؟

دارين طاطور: الوضع الاقتصاديّ متوسّط؛ لسنا فقراء ولسنا أغنياء، لكنّنا نعيش حياة كريمة، وكلّ واحد من أفراد عائلتي يكسب قوته من عمل يوميّ شاقّ، ككلّ العمّال في كلّ العالم، أمّا أنا فمحرومة من العمل طوال هذه المدّة، علمًا أنّني كنت قد بدأت العمل والاستقلاليّة منذ كان عمري 15 عامًا. بعد أن أستعيد حرّيّتي مجدّدًا سوف أعود لممارسة حقّي في العمل، لكي أكسب قوتي، ولكي أُخرج كتاباتي إلى النّور.

 

يوآب حيفاوي

 

ناشط في حركة أبناء البلد وفي حراك حيفا. يكتب المقالات والقصص القصيرة، وصاحب مدوّنة "حيفا الحرّة". يتابع ويغطّي ويحشد لأجل قضيّة الشاعرة المعتقلة دارين طاطور، منذ مراحلها الأولى.

 

 

تعليقات Facebook