يا فرحة تمّت

للفنّان PAVLOS

 

صبيحة الذكرى السبعين للنكبة، فقدان الأمل من وصول شحنة الأعلام واليافطات أخذ مداه في قلب مديرة المدرسة الابتدائيّة للمخيّم. انتظرتْ وصول الشحنة من مكتب التنظيم طوال الأسبوع الفائت، ولمّا دقّت الساعة الثامنة صباح هذا اليوم، ولم ترَ رايةً ترفرف ولا يافطةً تلوّح، مدّت يدها إلى خزينة المدرسة، وسحبت منها مبلغًا من المال، وضعته في يدَيْ حِشْمتْ وعِصْمتْ، المعلّمتين الحصيفتين في مدرستها، وأمرتهما بالتوجّه إلى أقرب متجر لبيع الأعلام.

اعتاد مكتب التنظيم طوال أعوام تزويد المدرسة بأعلام ويافطات مجّانيّة، لتسيير تلامذة المدرسة في مسيرة مهيبة في هذه الذكرى، لكنّه هذه السنة ماطل في إرسال الشحنة، وقد طلع النهار الموعود من غير وصولها.

تسلّمت الآنستان حشمت وعصمت المال من المديرة، وبهمّة الجبابرة همّتا بالانطلاق، لولا أن استوقفتهما المديرة من ذراعيهما، وبرجاء خفيض النبرة أشارت إليهما باصطحاب ثائرة معهما، آذنة المدرسة، وإكرامها بقمع مثلّجات؛ في محاولة لسحبها من كآبتها وفكرها المهجوس بالهمّ، طوال الأسابيع الأخيرة.

لم يكن بودّ ثائرة مغادرة مطبخها الصغير في المدرسة، لولا إصرار المديرة. كآبتها جعلتها لصيقة جدرانه معظم وقتها في العمل، تنهي في كلّ صباح الدورة الأولى للقهوة على المعلّمات، ثمّ تعود لتنزوي فيه وحيدة، يغرق ذهنها في فكرة لم تعد تفلت من رأسها؛ أنّها فأرة ذليلة مكسورة الكبرياء، فزوجها الّذي سرّحته وكالة الغوث من عمله مع مَن سرّحت منذ مدّة، مسدوحٌ في الفراش منذ التسريح، غارق في اكتئاب لا عهد سابقًا له به، ويزيده اكتئابه نأيًا عنها شهرًا بعد الآخر وكأنّها جيفة، لا روح ولا دم.

لا أحد في المدرسة يعلم بحال ثائرة مع زوجها، سوى المديرة الرؤوم، فقد كانت تلاحظ تعاظم التكدّر في وجه الآذنة يومًا بعد الآخر؛ ولمّا ألحّت عليها بالسؤال، أسرّت لها ثائرة بالذلّة الّتي تتملّكها، ذلّة فأرة مخلوقة للمطابخ القذرة، غير مرغوب فيها خارجها.

تلبيةً لطلب المديرة؛ انطلقت العتيدتان حشمت وعصمت، تجرّان معهما ثائرة، إلى خارج المخيّم، باتّجاه مركز المدينة، ولم يتسنّ للسانيهما المُجهَدَين طوال الطريق أخذ دقيقة استراحة واحدة من تحليل فعلة التنظيم النكراء وتشريحها. إنّهما بضميرهما الثوريّ الحيّ وانتمائهما الوطنيّ الحارّ، لم تستطيعا تحمّل بشاعة ما تحمله فعلة التنظيم في طيّاتها.

في هذا الوقت، كانت ثائرة متأخّرة خطوتين عنهما، تتأمّل بخيبة جميع محالّ العِطارة الّتي تمرّ من جانبها، فهذه المحالّ بخلطاتها قاطبةً تشهد لها أنّها جرّبت لزوجها في الشهرين الأخيرين كلّ الطرق إلى روما، وما وجدت أمام نفسها الملتاعة في نهاية كلّ طريق إلّا خربة أمّ الطنافس.

***

في محلّ بيع الأعلام ولوازمها، غاب صاحب المحلّ، وحلّ مكانه فتًى يعمل عنده، به خفّة عقل مقبولة محلّيًّا. تفرّقت النساء الثلاث داخل المحلّ يتأمّلن الأعلام من كلّ لون وصنف، فهناك الأعلام الفلسطينيّة، وهناك أعلام من الحجم الصغير لدول كثيرة، عدا أعلام الفرق الرياضيّة العالميّة. طلبت المعلّمتان إلى الفتى أن تتحدّثا إلى صاحب المحلّ، فاتّصل الفتى به وسلّم سمّاعة الهاتف إلى عصمت، الّتي أخبرته بمرادها: "10 أعلامٍ كبيرة، 20 علمًا من الحجم المتوسّط، و50 علمًا من الحجم الصغير". وبعد أن وعدها صاحب المحلّ بإرسال الطلبيّة إلى المدرسة بحلول الساعة العاشرة، طلب إليها إعادة السمّاعة إلى الفتى، فأمره بأن يقوم - حال مغادرة الزبونات المحلّ - بتجهيز كمّيّة الأعلام هذه من المستودع، وترتيبها في أكياس.

بعد أن سلّمن الفتى عربونًا من ثمن الأعلام، قفلت النساء الثلاث عائدات إلى المدرسة، اثنتان منهنّ مطمئنّتان إلى ترتيبات القَدَر، والثالثة على حال فجيعتها بالأقدار.

في طريق العودة، اشترت المعلّمتان ثلاثة أقماع من المثلّجات، الاثنتان التهمتا قمعيهما، وصاحبتهما ظلّت تحملق في قمعها، قبل أن تلقي به بحنق في أقرب حاوية قمامة... وبينما كانت تفعل هذا، مرّت بجوار فلّاحة تبيع الأعشاب الخضراء على الرصيف. ورغم أنّه حتّى الطحين صار يشحّ في بيتها لقلّة المال؛ إلّا أنّ هذا لم يثنِها عن تلقّف حزمة من أوراق الجرجير بثمن بخس من الفلّاحة، فقد أمَلت في نفسها الفأل الحسن: "بركي تيجي على أهون السبايب".

رغم الاستفهام المتردّد، الّذي ارتسم على وجهَيْ صاحبتيها وهي تلقي بحزمة الجرجير في حقيبتها المهترئة، لم تعط ثائرة استفهامهما بالًا؛ فوفق عِلمها بهما، ليس الكثير من الفضفضة يمكن مشاركته مع هاتين البتولين المكرّستين... أساسًا الشكوى إليهما مذلّة!

***

الساعة تمام العاشرة، ساحة المدرسة مكتظّة بالتلامذة الّذين قُطع نهارهم الدراسيّ؛لأجل الانطلاق في مسيرة الخامس عشر من أيّار. وقفت سيّارة أجرة عند باب المدرسة، ونزل مسرعًا منها الفتى من محلّ بيع الأعلام، فتح الصندوق الخلفيّ للسيّارة، وسحب منه ثلاثة أكياس سوداء.

عند باب الإدارة، تمسمرت حشمت وعصمت منذ ساعة مضت، والرعب من عدم وصول الأعلام في موعدها رفع من حرارة قلبيهما، وفي اللحظة الّتي لمحتا فيها الفتى المغتبط يرفل إليهما من بعيد بالأكياس، تلاشى الرعب من قلبيهما فبردا.

أسند الفتى الأكياس أسفل الدرجات القليلة المفضية إلى غرفة الإدارة، وبقفزتين واسعتين قطع الدرجات إلى أعلاها، يتسلّم ما تبقّى له من مال. وما كاد يتسلّم ماله ويلفّ ظهره ليعود إلى حيث أتى؛ حتّى كانت المعلّمتان، طاهرتا المقصد نبيلتا المُعتقَد، يُغمى عليهما من هول ما تشاهدان؛ ففي هذه اللحظات القليلة كان ملاعين الصفّ الأوّل قد شقّوا الأكياس فكشفوا عن أعلام أجنبيّة، لا عهد سابقًا لساحة المدرسة بها؛ فهجم عليها التلامذة جميعًا، تبهرهم ألوانها ونقشاتها، سحبوها من أكياسها وحملوها يتراكضون بها.

ومن غير اكتراث لصرخات المديرة والمعلّمات، اللّواتي هرعن من الإدارة يندبن الّذي جرى، ويرجونهم إعادة الأعلام إلى الأكياس، انفلت التلامذة من باب المدرسة إلى أزقّة المخيّم كأسراب من النمل، يلوّحون بالأعلام الأميركيّة والبريطانيّة والروسيّة، وبأعلام دول شقيقة وأخرى صديقة، إلى جانب أعلام لدول لم يسمعوا يومًا بها، غير أنّه ممّا أثلج صدر معلّمة الرياضة، رغم كلّ هذه الفوضى الصادمة، أنْ كان من أزهى الأعلام المرفرفة في أياديهم، عَلَما فريقي برشلونة وريال مدريد.

***

بعد ظهيرة مضنية في المدرسة، الشيطان وحده مَلَكَ قفل خاتمتها، غادرت ثائرة إلى بيتها في المخيّم، وبينما كانت تغلق باب منزلها الفقير، وتدلف إلى الداخل، لمحت زوجها، الّذي لا يغادر اكتئابه في السرير إلّا نادرًا، واقفًا بذهول أمام النافذة، فألقت حقيبتها جانبًا، واقتربت بحذر منه، لا تصدّق حملقة عينيه في النافذة، هي الّتي كان خُيّل إليها أنّه عميَ بصره منذ أشهر.

- "مش هاي شاحنة المُؤَن؟"، سألها.

- "خلّيني أشوف ... آه، والله هي ذاتها"، أجابت.

- "عرِفتها من صوت الزامور"، قال، ودغدغة خفيفة تحرّك قلبه المحزون، وتظهر في نبرة صوته.

وبينما كانت شاحنة المساعدات، الّتي تغيّبت عن المخيّم أشهرًا مضت، تفرغ أكياس الطحين والحليب والمعلّبات، في مخازن مبنى وكالة الغوث خلف بيتهما، كانت شجرة الحياة تستفيق من غيبوبتها؛ لتضرب فروعها في عروق زوج ثائرة، فلا تغرب شمس هذا النهار إلّا وصاحبتنا تستردّ كبرياءها، الّذي تحسّرت عليه طويلًا، وتتغندر إلى قمم روما على أجود حناطيرها.

 

ميس داغر

 

كاتبة قصّة قصيرة تقيم في بير زيت. لها مجموعتان قصّصيّتان، "الأسياد يحبّون العسل" (مركز أوغاريت للنشر، 2013) و"معطف السيّدة" (الأهليّة للنشر والتوزيع، 2017)، ورواية لليافعين "إجازة اضطّراريّة" (الأهليّة للنشر والتوزيع، 2016). حاصلة على جائزة الكاتب الشابّ من مؤسّسة عبد المحسن القطّان لعام 2015.

 

 

تعليقات Facebook