كونٌ لا زمن: حفر في الدوائر المعرفية المفتوحة

 

في تناوله لمشكلات الحياة الكبرى، على حدّ تعبير الشاعر اللبنانيّ يوسف الخال، يتعمّد وسام جبران ألّا يُغلق الدوائر الوجوديّة المطروحة للنقاش أبدًا؛ فهو في هذا الديوان، "كونٌ لا زمن" (2018)، كما في ديوانَيه السابقَين، "أنتِـ  - Anti – ماءات" و"رُتيلاء"، يتساءل مخترقًا جلدة الواقع حتّى النخاع، ليُخلخل ضيقه ومحدوديّة انتظامه. من هنا يصير همّه الانفتاح على ثقافة كونٍ غير متناه، لا تحدّه رؤية منغلقة، لا تمتدّ بهمومها أبعد من أرنبة أنفها. يسخّر جبران لهذا الصراع أدوات شعريّة عديدة، أهمّها الانزياحات اللغويّة المكثّفة، الاستبداليّة منها والتركيبيّة، كالاستعارات البعيدة المركّبة، وتراسل الحواسّ، والترادف الخلفيّ، والحذف والتكرار، إضافة إلى التناصّ، والحواريّة، وتعدّد الأصوات، واختراق المألوف اللغويّ، وتكسير مبنى الجملة العاديّ، وتعمُّد استعمال غريب اللغة في مواقع مفارقة؛ ليُحدث توتّرًا متعمَّدًا في عمليّة التلقّي.

 

التلذّذ خيالًا

يتساوق شعر وسام جبران، مع فكرة بناء نصّ ينهض ببناء منظومة أسئلة وتساؤلات مفتوحة ومركّبة؛ أي بناء لبنة ثقافيّة تدفع بالقارئ العربيّ نحو مواكبة العالميّة الحضاريّة، المتمثّلة بالإنجازات العلميّة والثقافيّة، وتطوير جدليّة مركّبة مع الآخر، أو مع شهوة الذات وتلذّذاتها اللاكانيّة:

ما التلذُّذُ؟

لقاءٌ سرّيٌّ بين الذاتِ والخيالْ

ما الذاتُ؟

أولئكَ المُنتشرونَ بحثًا عن آخرِهم

ما البَحْثُ؟

إلهٌ يشتُمُ ذاتَهُ كلَّ يوم.

(من قصيدة "عُفَيْقنات"، ص 149).

 

علاف الديوان

 

لا تُهمل الذاتُ، عند وسام جبران، ما تصبو إليه من تحقيق اللذّات، حتّى تستطيع الولوج بثقة إلى عالم الآخر الغيريّ، هذا الاتّصال لا يكون من خلال دحض الذات ونفيها، بل من خلال تراصفات اللذّة المؤدّية إلى معرفة الذات، ومنها إلى معرفة الآخر حقّ المعرفة. على أنّ هذا التلذّذ، الّذي يملك طابعًا سرّيًّا ممتعًا، لا يتحقّق إلّا من الخيال؛ مادّة المبدع الجوهريّة.

التلذّذ أخيرًا، نوع من أنواع البحث والمعرفة المختلفة؛ فعندما يستطيع الإله في هذا الديوان أن يصل حدّ شتم نفسه، فهو يبحث ويتساءل، بل يندم أيضًا ويعيد الحسابات، وكأنّ الحقيقة الثابتة اليقينيّة تتكسّر على مذبح الشتيمة المسائِلة والنافية لعصمة الإله والحقيقة الواحدة.

 

سجالٌ مع الله

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ الحضور الأوسع في هذه المجموعة، مفروز للمساحة الواسعة الّتي يوليها وسام جبران للسجال مع الله، كمصطلح ينتقد من خلاله الفكر والتفكير الإنسانيّ الغيبيّ. بصدامه مع الدينيّ، إنّما يتصادم مع الأُطر الاجتماعيّة والأخلاقيّة المتداخلة فيه؛ لينتج عن هذا الصدام تشعّبات أخرى، تخصّ الحرّيّة الفرديّة للإنسان أمام سلطات عديدة: دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة، تتحكّم بتصرّفاته. ليس الله واسع العفو الممتدّ في سيطرته إلى ما لا نهاية، بل تتّسع الأرض الدنيويّة لما هو أوسع من هذا المفهوم الغيبيّ:

أَرْضُنا أَوْسَعُ مِنَ اللهْ

أَرْضُنا أَوْسَعُ مِنَ اللهْ

أَرْضُنا أوْسَعُ مِنَ اللهْ

(من قصيدة "مرثيّة فلسطينيّة | حَفْرٌ بالأَبْيَضِ والأَسْوَد |"، ص 100).

 

إنّ الامتداد الأرضيّ اللانهائيّ في هذا السياق، يتنافى مع المعتقد الدينيّ حول لانهائيّة حدود الله ومقدرته، أمام دونيّة الأرض ومحدوديّتها. وإذا أحلنا هذا الصدام الإلهيّ على علاقة المبدع مع هذه الأطر، وحرّيّته في التعبير عن ذاته كيفما يرى، فيمكن القول إنّ جبران - ومن خلال نصوصه الحواريّة مع الله - إنّما يفتح سجلًّا إشكاليًّا في واقعه العربيّ التقليديّ، يرفض التعامل مع المقدّسات، أيًّا كان نوعها، إلّا بأسلوب النقد العقلانيّ، العامل على تفكيك مركّبات المقدّس، وفحص مستويات علاقته بالفرد. يقول:

كلَّمَني اللهُ مُتأَمِّلًا

قالَ: تُخامِرُني سَماءٌ جَديدهْ.

...

قالَ: كأَنَّها تُلَمْلِمُني...

...

قالَ: ثُمَّ تُعيدُ تَفْتيتي

قُلتُ: سَماؤُكَ نَبيذِيّة | أَراها في ساعَتي الجَديدَهْ

قالَ: وإِلامَ تُشيرُ ساعَتُكَ؟

قُلتُ: إلى المسافةِ بَيْنَ لَمْلمَتِكَ وتفْتيتِكَ.

قالَ: وما هيَ هذِهِ المَسافَة، وما هُوَ بُعدُها الزّمانيّْ؟

قُلتُ: هي كَيْنونَتي في نُقْصانِها الإنْسانيّْ.

(من قصيدة "كلَّمَني اللهُ"، ص 24).

 

يجسّد الشاعر الله نظيرًا إنسانيًّا موازيًا، ويخلع عنه صفات الأُلوهيّة والقداسة المقبولة، ويتّخذه حيّزًا لمحاورات واسعة؛ تهدف إلى محاولات تفنيد الخطاب الغيبيّ أمام الخطاب العلميّ.

من الواضح أنّ التعامل مع الإلهيّ في النصّ أعلاه، إنّما يقلب المعايير المألوفة المبثوثة في النصوص الدينيّة أو التقليديّة؛ فالإنسان هو المتحكّم بعمليّات الخلق والفناء (اللملمة والتفتيت)، أو الولادة والموت، وليس للزمن الإلهيّ فيها أيّ تأثير في الشيخوخة والهرم. "اللملمة والتفتيت" مصطلحان بديلان لعمليّة التكوين والخلق، وفيهما - وبشكل مفارق - يكون تفتيت الإلهيّ، بدلًا من تفتيت الإنسانيّ، من أجل إعادة التكوين.

 

في انفلات مستمرّ

وفي صدامه مع الإلهيّ المتمثّل بشخص الله، يناور جبران بين حضور الله أو غيابه؛ فهو يستحضره ليحاوره، لكنّه حقيقةً يستحضره ليبثّ خطابه العلمانيّ المرتكز إلى الحقائق العلميّة. الكون الممتدّ إلى ما لا نهاية، هو الحقيقة الثابتة الوحيدة. ويستعين جبران بالضجر آليّةً ليحدّد بواسطتها حركيّة الكون، وهو ضجر من الثبات والرتابة الفكريّة والوجوديّة، قد يصيب حتّى الله ذاته:

كلَّمَني اللهُ ضَجِرًا

قالَ: في الغَدِ... إِنْ لَم تَخُنِّي ذاكِرَتي... أَسْتَحْضِرُني سابِحًا...

قُلتُ: الكَوْنُ وَليمَةٌ والنُّجومُ أُورْكِسْترا طائِعَهْ.

قالَ: سَئِمْتُ هذِهِ المُوسيقى الرّاكِعَهْ.

قُلتُ: أَهُوَ العَدَمُ يَنْزَوِي بِكَ في صَمْتِهِ؟

قالَ: سَئِمْتُ رَطانَةَ الكَواكِبِ والدَّوائِرِ المُقَرْقِعَهْ.

قُلتُ: نَسِيَ الكَوْنُ وَقْعَ خُطاكَ | يَتَساءَلُ هُناكَ عَنْ هَواكَ.

قالَ: في طاعَةِ النُّجُومِ لا أكُونُ، وفي يَقْظَةِ القائِدِ لا أَراكَ.

قُلتُ: ارمِ عَصاكَ واسْتَرخي سابِحًا.

قالَ: لا أكُونُ إِلَّا في انْفِلاتِ نَجْمَةٍ.

(من قصيدة "كلَّمَني اللهُ"، ص 25).

 

إنّ حركيّة الكون، الّتي يتبنّاها جبران منطلقًا عقائديًّا أساسيًّا، في هذا الديوان، لا تقبع في مسارات غيبيّة محدَّدة مسبقًا، بل هي في انفلات مستمرّ نحو لانهاية حيويّة لاستمراريّة السيرورة الكونيّة. الضجر الّذي يطرحه جبران من خلال ضجر الله، يعني - أوّلًا وأخيرًا - الحاجة الماسّة إلى التغيير، وإلى العيش خارج رطانة الخطوط والمسارات المرسومة مسبقًا، وهي تعني أساسًا أنّ الكمال مصطلح لا يكون إلّا في إعادة السيرورة على الدوام. إنّ النقص الإنسانيّ هو أيضًا أحد المرتكزات المركزيّة في هذه المجموعة، وهو إذ يتباهى بنقصه الإنسانيّ: "قُلتُ: هي كَيْنونَتي في نُقْصانِها الإنْسانيّْ" (من قصيدة "كلَّمَني اللهُ"، ص 24)، ينفي عن الله أيضًا صفة الكمال اليقينيّة، ومقولات العصمة والأبديّة:

قالَ: في المرآةِ نَتَلَمَّظُ نَقْصَنا.

قُلتُ: في المرآةِ نُحَلِّقُ سُقُوطًا.

قالَ: آنَ الأَوَانُ لأُعيدَ خَلْقي إِنْسانيًّا

آنَ الأَوانُ لأَتَجَدَّدَ نَقْصِيًّا.

(من قصيدة "كلَّمَني اللهُ"، ص 27).

 

عمليًّا، يتعامل الشاعر مع الكون من خلال الشكّ، كمِظلّة تنضوي تحتها حواريّته مع ذاته، ومع الخطاب الدينيّ الغيبيّ المتجسّد بشخص الله، تمامًا كما يتعامل العلم مع حقائقه؛ فليس العلم إلّا حالات البحث الدائمة، واليقين حالة لا تتكوّن إلّا من مسيرة القلق والغموض، والاعتراف بضرورة الكشف المتواصل لماهيّة الكون، والاعتراف بالنقص أو بعدم الكمال:

لكنْ،

لا شَيءَ هُنا سِوى حَقيقَةٍ،

كُلُّ ما تَأَكَّدَ مِنْها أَنَّها

غَيرُ أَكيدَهْ

(من قصيدة "كون لا زمن"، ص 39).

 

انتفاء الزمن

تتيح هذه النصوص بثّ مضامين غير متداولة، تضرب من خلالها المؤسّسة الدينيّة، دون التعرّض إلى هجومات الأوساط الدينيّة، الإسلاميّة منها على وجه الخصوص؛ وهي بهذا، وبطريقة غير مباشرة، تتيح للقارئ العربيّ تعرُّف مستويات تعبير ثائرة على المؤسّسة المقدّسة، كتمهيد لا يُستهان بمقدرته، في التحرّر من أطر ذهنيّة محدّدة مسبقًا.

يعاود وسام جبران قراءة التاريخ، من وجهة نظر علمانيّة وروحانيّة محض، ويخاطب جدليّة مخفيّة لفكر غيبيّ؛ يهدف إلى تأطير التفكير الإنسانيّ ضمن حدود جماليّة ووجوديّة، لا يُسمح للإنسان أن يتخطّاها، وإلّا وجد نفسه خارجها. على أنّ جبران يُموضع الإنسان في هذه المجموعة، في كون آخر لا حدود له، ولا نهاية لمساحات الوجود فيه، وهو في هذه الحالة ينفي عنه الزمن، أو يجرّده من الزمن ليعطيه أبعادًا كونيّة مخترِقةً تحديدات الزمن:

: وأينَ وَجْهي؟

: هُناكَ... في كُلِّ شَيءٍ حَيثُ لا شيءْ.

: وكيفَ أَرى؟

: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ! هكذا بِلُغَةِ الضَّوءْ: كَوْنٌ لا زَمَنْ.

(من قصيدة "كون لا زمن IV"، ص 72).

 

الزمن في هذه المجموعة ينتمي إلى اللاشيء، أو إلى انتفاء وجوده على الإطلاق، بينما الكون أمامه وجود حركيّ لا يتوقّف. الزمن حالة خانقة تساعد على تحديد الأطر الوجوديّة للبشريّة، أو على الأقلّ تحجيم مساحات الوجود الحرّ، الزمن في تعريفه التقليديّ لا يستطيع الصمود أمام حركيّة الكون؛ لذا:

الزَّمَنُ خَبَرٌ عاجِلٌ في جَريدَهْ | [...] خَسِرَ الزَّمَنُ حَرْبَهْ | خَسِرَ الزَّمَنُ حَرْبَهْ | (من قصيدة "شذرات"، ص 138).

 

تعقيد علاقة الشعر مع محيطه

ولأنّ الغنائيّة الذاتيّة للشاعر العربيّ التقليديّ، لم تستطع بلورة موقف شامل من قضايا الوجود والكون، ولا حتّى بالتشكيك في مسائل الإنسانيّة القائمة؛ فإنّ الحقل المعرفيّ للشاعر/ النصّ التقليديّ حقلٌ ثابت مستقرّ، وكذلك هي الحياة وقضاياها؛ لا تحتمل المساءلة لما تقدّمه السلفيّة من أجوبة معرفيّة جاهزة. كذلك هي الرومانسيّة، بكونها حركة شعريّة عربيّة، وعلى قدر شحنتها العاطفيّة، إلّا أنّها حاولت أن تمزج بين الفعل الشعريّ، والموقف الجديد من القضايا الكونيّة، لكنّها بقيت في معظم نتاجاتها الشعريّة تدور ضمن فلك غير واضح المعالم، بل لم تستند إلى رؤية فلسفيّة شموليّة.

أمّا نصوص وسام جبران، فهي مسارات بحث مستمرّ، تعبث بالركود والتفكير النمطيّ، وتتساءل حول القضايا الكونيّة، بصورة لا تزوّد معها القارئ بأجوبة محدَّدة أو محدِّدة؛ إنّها من هذه الناحية حقول معرفيّة مركّبة، تتشابك مع الثورات العلميّة، وعلى وجه الخصوص مع الفيزياء الحديثة والعلوم الدقيقة.

ويأتي هذا التشابك المتعمَّد ليطرح أنساقًا إبْستمولوجيّة وجماليّة، مختلفة عن المفاهيم الغيبيّة والخطاب الدينيّ أو السياسيّ التقليديّين، وهي أنساق تؤدّي إلى تعقيد العلاقة بين الشعر الحديث والمحيط الخارجيّ. هذه العلاقة تتشكّل أصلًا من خلال خلخلة مرجعيّة المحاكاة.

وأمام هذه النصوص لوسام جبران، يَدخل القارئ في هذه الخلخلة؛ فيصبح لزامًا عليه أن يعيد، هو الآخر، تشكيل علاقاته بالموجودات الخارجيّة، بقدر ما عليه من إعادة تشكيل علاقته بالمغمور المحتاج إلى الكشف، وقد أصبحت العلاقة بين الشعر وبيئته، أو خلفيّته، أو مرجعيّته، معقّدة منذ بدايات الحداثة في هذا القرن؛ لأنّ الشعر نأى بشكله عن المحاكاة، الّتي كانت قديمًا النهج الرئيس في تكوين الشعر، على حدّ تعبير الناقدة خالدة سعيد. 

 

حساسيّة مغايرة

في رأيي، تعمل هذه النصوص على بلورة حساسيّة جماليّة وأدبيّة مغايرة، هي الّتي تحدّد علاقة الإنسان/ الفرد بالآخر وبنفسه وبالعالم. هذه الحساسيّة تعتمد أساسًا على وجوب هيمنة القيم الجماليّة على حكم الفرد؛ فيصبح الفنّ أداة التغيير الأولى، الأكثر ثباتًا وجذريّة من أيّ ثورة اجتماعيّة أو سياسيّة، تتخبّط على سطح التغيير. ولكي تتحقّق هذه النظرة، يجب العمل على إتاحة الحرّيّة الفنّيّة الكاملة للمبدع، في اختيار وجهة نظره الإبداعيّة، والعمل من خلال النصوص على تغيير جماليّ في نفس القارئ؛ هذا التغيير الجماليّ يهدف إلى خلق قارئ رافض للقائم الثابت وللمضامين السائدة، قارئ باستطاعته الحكم على الأمور وفق قيَمه الجماليّة الفرديّة، أوّلًا، دون التأثّر بأيّ قيم من نوع آخر؛ إنّه القارئ المتفاعل مع النصّ المخفيّ والمتواصل مع معانيه الباطنيّة. 

وتعلن هذه النصوص مفهومًا مختلفًا عن التعبير المألوف، مفاده اختراق السائد بمفاهيمه القبْليّة، والاعتماد على الاكتشاف الدائم، من خلال الشعر، لحقيقة كينونة الإنسان.

مَساءٌ يَشْلَحُ الأَرْضَ | يُعيرُ ساعتَهُ إلى شَجَرَةِ لَوْزٍ | يُطِلُّ مِنْ ثُقْبِ صَمْتِهِ إلى فَضاءِ السَّرْدِ | [...]

شَجَرةُ اللّوْزِ لم تُقطَعْ بعدْ...

عَقارِبُ السّاعَةِ مَخْصِيّهْ

(من قصيدة "رباعيّة مزامير لأوتار الكَون"، ص 96).

 

هذه الانزياحات اللغويّة الاستبداليّة حيّز شعريّ مكثّف في هذه المجموعة، يحاول وسام جبران من خلالها، تغيير المفهوم الشعريّ من أفقيّته السطحيّة الوصفيّة، إلى عموديّة تُعنى بالأبعاد الروحانيّة العميقة للإنسان. من هنا تتناول هذه النصوص العمليّة الشعريّة، من خلال توسيع رقعة المنابع الّتي يستلهم منها شعريّته؛ أي انطلقت من حدود التعبير العربيّ، المحصور داخل الإطار التقليديّ الدينيّ - حسب نظرته - إلى أفق تعبير أوسع، يتّخذ العالميّة والتلاقح الحضاريّ بديلًا عنها.

 

الرافض المطارَد

إنّ حواريّة الأنا الشعريّ المتكلّم في كلّ نصوص هذه المجموعة، ودعوته المستميتة إلى نقد الوضع الراهن، وخلخلة الفكر الغيبيّ، وتأسيس خطاب علمانيّة مخترق، تقرّب الشاعر من نموذج الشخص الناشط في المجتمع، ذلك الشخص الرافض للتعايش مع عصره، كما في الأنا الفولتيريّة، على حدّ تعبير الناقد جمال الباروت، دافعة نحو الأنا الحديثة المتخطّية الرافضة. وفي خضمّ صراعها مع المجتمع، أو بالأحرى مع الفروضات الاجتماعيّة، يَبرز وسام جبران كرافض مطارَد، يرى من منظاره النخبويّ، بصفته "شخصًا إنسانيًّا"، ما لا يستطيع "الإنسان المعمَّم" رؤيته.

وإذا كانت مضامين هذه المجموعة تمرّ ضمن الدوائر المعرفيّة المفتوحة، فإنّ الشاعر يعمل على الخروج عن قوانين البناء الشعريّة المتعارف عليها؛ فهو يخترق الحدّ الفاصل بين الشعر والنثر، من أجل إنتاج قصيدة تتجاور فيها فضاءات الإبداع، وتكوّن فيها الصورةُ الشعريّة والشكل وحدةً موضوعيّة، لا يمكن أحدهما الاستغناء عن الآخر. وفي هذا المضمار، تجدر الإشارة إلى قصيدة "البياض"، أو القصيدة "البصريّة" لديه، الّتي تسهم في فتح آفاق القارئ العربيّ لطرائق تعبيريّة مغايرة، تشكّل الخرق الأكبر للشعريّة العربيّة السائدة؛ فهي تدمج على الدوام بين مضامينها العميقة، وشكل هندسيّتها، فتساعد الهيئة الطباعيّة، غير المعهودة، على إضافة دلالات أعمق وأشمل للنصّ الشعريّ.

لا يطرب القارئ من قراءة هذه المجموعة؛ فهي لم تُكتب أصلًا لإثارة الطربيّة المألوفة، بل لطرح التساؤلات غير المنتهية حول وجودنا، وتفكيرنا، وطرائق تواصلنا مع ذواتنا ومحيطنا. إنّ الكون عند جبران، كونه مساحة وجوديّة لا محدودة، هو المحيط الإنسانيّ المفضّل، وهو الّذي يقرّبنا من ملامسة كُنْه جوهرنا، ويتيح لنا كسر بديهيّات تفكيريّة ضيّقة.

 

 

د. باسيليوس حنّا بواردي

 

 

باحث وناقد. حاصل على الدكتوراه في الشعر العربيّ المعاصر من جامعة حيفا. عمل، ولا يزال، في التدريس والإرشاد، في عدد من مؤسّسات التعليم العاليّ والجمعيّات الّتي تُعنى بالأدب والثقافة العربيّين.

 

 

 

تعليقات Facebook