خبرة التعامل مع التسونامي

 

ولا تُدخلنا في التجارب، ولكن.

ولكن ماذا؟ ما الحياة من غير التجارب؟

كما المغنى حياة الروح؛ فإنّ التجارب غذاء الحياة... والحياة من غير تجارب تكون مملّة باردة متوقَّعة... ألا تحبّين الإثارة، وطيلة حياتك تهربين من الروتين؟ ألم تقولي لي سابقًا إنّ الروتين يقتلك... تكرهين الأشياء المتوقَّعة؟ ألم تقولي لي سابقًا إنّ العلاقات الّتي خضتِها في حياتك، انتهت حين صارت متوقَّعة؟ أوك، لنفترض أنّك لم تقولي ذلك... كيف لك - حتّى لو أردتِ وقرّرتِ وصمّمتِ - ألّا تدخلي في التجارب؟ هل تعتقدين حقًّا - بكلّ سذاجتك اللامتناهية - أنّك تسيطرين على واقعك؛ فتختاري أيّ تجارب تدخلين في حياتك، وأيّها تنأين عنها؟ هل تظنّين التجارب نوعًا واحدًا؟ لأ يا حبيبتي، غلطانة.

التجارب أنواع... ثمّة تلك التجارب الّتي تدخلينها بإرادتك الكاملة، تذهبين إليها منتصبة القامة شامخة - وأنت تدندنين لحنًا غنّاه مارسيل حول انتصاب القامة - تعرفين، تعرفين تمامًا ما ينتظرك، أو هكذا توهمين نفسك على الأقلّ... فتدخلينها ثابتة الخطى...

لكن...

هناك تلك التجارب الّتي تعصف بك وبكلّ كينونتك، تأتيك من حيث لا تعلمين ولا تتوقّعين... فتدخلينها؛ ليس لأنّك اخترت، بل لأنّك كنت في تلك اللحظة الزمنيّة في ذلك المكان، وتلك البقعة المكانيّة. هذه التجارب الّتي تسمّينها "التسونامي"؛ نسبة إلى العواصف المعروفة. نعم، صدقتِ في تسميتك هذه؛ فهي تجارب تحضر كالعاصفة، لا تستأذنك، تقتلعك من مكانك، من أفكارك، تقتلعك من واقعك الّذي كان قبلها، وتأخذك، إلى أين؟ إلى حيث لا تدرين... تستحوذ عليك، على فكرك، حياتك، مشاعرك... ثمّ... ثمّ ماذا؟ ماذا تتوقّعين أن يحدث؟ ألم نقل إنّها تسونامي؟ ماذا كنت تتوقّعين أن يحدث؟ ألا تعرفين ماذا يحدث بعد التسونامي؟

يفيض الكلام، يفيض كما يفيض النور يوم السبت... كفاك تفلسفًا، ألست ملحدة وأعلنتها مليون مرّة؟ لماذا تتحدّثين عن سبت النور العظيم، وتقتبسين تشبيهات منه؟ هل تحاولين أن تضيفي نوعًا من القُدسيّة إلى نصوصك؟ هل تظنّين نفسك كاتبة أو أديبة؟ ... نعم، لا بأس في أنّ السوق مليء بالروايات؛ هذا لا يجعل أصحابها أدباء، فالأدب كالتجارب، منه الساقط والتافه وعديم القيمة، ومنه...

أوففف، مجدّدًا عُدنا إلى الفلسفة والتفلسف؟ ألم تكوني تتحدّثين عن التجارب؟ كيف وصلنا إلى الأدب؟ جبانة... دائمًا تهربين، كما تهربين من التجارب، تهربين من الكتابة حتّى عنها! هل تعتقدين حقًّا أنّك تفهمين بالأدب؟ هل لأنّ كاتبًا أو أديبًا قرأ لك نصًّا، وقال لك عنه إنّه "نصّ خطير"، وأكّد لك أنّه قرأه مرّات عدّة، وأنّ عليك نشره... هل هذا كافٍ ليجعلك كاتبة وأديبة؟ ... لا يا حبيبتي، الأدب له أصوله، كما كلّ شيء، كما الحُبّ له أصوله، كما الحياة لها أصولها، كما التجارب.

عُدنا إلى التجارب... التجارب لها أصولها، لا يمكنكِ هكذا - بكلّ بساطة - الإطاحة بخبرة كلّ من سبقك، والتحدّث عن ماهيّة التجارب وكيف ندخُلها، وكيف نخرج منها، أو كيف نمتنع عنها... بعدك بهالمجال زيّ ما أبوكِ كان يقول: "لا بتفتّي ولا بتغمسي. بعدك صغيرة ع التجارب".

لا يعني شيئًا أنّك تجاوزت الخمسين، لا تدوشي راسي بهذا الموّال، خمسينيّتك هذه بإمكانك أن تضعيها في فرن حطب، وتشعلي بها النار... بإمكانك اختزال عشرة... عشرين... عامًا منها تافهة، عاديّة، دونما تجارب تُذكَر أو تستحقّ أن يُكتَب عنها أدب... ونصوص... تقرؤها العامّة وتشتريها من حوانيت الكتب ومقاهي الأدب، ويقولون عنك يومًا ما "وُلدت أديبة"، أو يستغرب بعضهم ويقول: "أعرفها منذ زمن طويل، لم أكن أعرف أنّها أديبة"، ويقول آخر، وهو يشتري رواياتك من "متجر فتّوش"، ويتباهى وهو يدفع ثمن الرواية... يقول: "أعرفها، عملنا معًا، يومًا ما كانت زميلتي". نعم، هو يدفع ثمن الرواية، ثمن الطباعة على الورق، لكن مَنْ دفع ثمن الرواية الحقيقيّ هو أنت؛ بتجاربك.

وأخيرًا، أخيرًا عُدنا إلى التجارب، أخيرًا عُدتِ إلى النصّ الّذي بدأتِ بكتابته... وكنتِ تتحدّثين عن أنواع التجارب. لكن، لحظة... مَنْ قال إنّ سنواتك الخمسين تُعطيك الحقّ بأن تتحدّثي عن التجارب؟ أوكِ، أقنعتني، إجابة صحيحة، من قال إنّي لا أملك الحقّ؟ ... أوكِ، اعتدتُ عليك وعلى أجوبتك المتفلسفة. لنتّفق على أنّي أوافقك الرأي، أوك، مجدّدًا تتفلسفين وتقولين لي: "مَنْ قال إنّ علينا أن نتّفق؟" ... أوك، ماشي... أقبل التحدّي... تحبّين أنت الخوض في التفاصيل... آه، التفاصيل، تلك التفاصيل الّتي كادت تقتلك حين انشغلت بها، حين كانت التسونامي تعصف بك... لا، أنا لا أتدخّل بحياتك، أنا أذكّرك فقط... أنت من قال يومئذٍ: "حياتي كانت مليئة بالتجارب من نوع واحد، ليس لديّ الخبرة بالتعامل مع التسونامي" ... لحظة، عليّ أن أقول لك شيئًا، ربّما يخفّف عنك قليلًا:

لا أحد، لا أحد يا عزيزتي لديه خبرة بالتعامل مع التسونامي.

إذن، فلنتوقّف، حسنًا، عليك الذهاب إلى العمل الآن؟

أوك، تمام... نكمل حديثنا في وقت آخر.

 

 

تسمية

 

محامية وفنانة تشكيليّة، من سكّان حيفا. ساهمت في تأسيس عدد من الأطر الأهليّة، ولها إسهامات بحثيّة. صدر لها كتاب "الجمعيّات النسائيّة والنسويّة الفلسطينيّة في مناطق 48" عن "مدى الكرمل". تنشط وتكتب عن قضايا الأسرى والمرأة.

 

 

 

تعليقات Facebook