من الشتات إلى الشتات

جوناثان كيندال |

 

أندفع بقوّة إلى الكتابة بعد غياب طويل. رغبة ملحّة وموجعة، وصداع أعلم أنّه لن يفنى إلّا بعد سماع ذبذبات قلم على أوراق بيضاء. فاليوم تاريخيّ، أنتظره منذ أن وعيتُ الانتظار. أنتقل من ضفاف الشتات إلى الضفّة المحتلّة. كم من الأصدقاء والأقارب يحسدونني وأنا أحقّق حلمهم وحلم جدّي الّذي غادر العالم متمنّيًا أن يمتلك اللحظات الّتي أعيشها الآن.

تبدأ الرحلة من الأردنّ على صوت مباراة مزلزِل بين مصر وروسيا ينبعث من مذياع السيّارة. يصيح المعلّق بأعلى صوته على اللاعبين تشجيعًا، وعلى الكرة لطواعيّتها وحسن سيرها وسلوكها: "خطيرة يا صلاح، خطيرة".

تمشي السيّارة حسب مزاج سائقها المتهوّر، الّذي لا يكفّ عن التأفّف واستخدام الزمامير وشتم سائقي السيّارات البطيئة، في ما يتشاجر إخوتي للجلوس بجانب الشبّاك، فقد ملأتهم قصص والديّ بلهفة وفرط نشاط فظيع. قصّة تردّدت على مسامعي عشرات المرّات ولا تفتأ تتكرّر. تبدأ بنزوح أبي في سنّ السنتين من قرية السيلة عام 1967 إلى أحضان إخوته الأربعة في حافلة الهروب، ثمّ إلى أحضان والده في الأردنّ. يأتي زواج أبويّ بعد ذلك بخمسة وعشرين عامًا في يوم يصادف ثالث أيّام حرب الكويت، ثمّ اللجوء إلى الأردنّ مجدّدًا، فالإمارات، حتّى آخر لجوء إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

لطالما أزعجتني قصّة الشتات تلك لسبب لا أوقنه. ربّما لأنّني كنت أشعر بأنّ قصّة اللاجئ أصعب وأكثر مأساويّة ممّا صوّراه، أو لأنّني كنت مقتنعة بأنّ لجوءنا برغم صعوبته لم يجعلنا في مواجهة يوميّة مع الموت كأقراننا الّذين بقوا. أمّا تجربة الشتات وخوف والديّ المفرط من أن يرغب المستقبل في تكرار الماضي، فهي تجربة شعوب كاملة تعيد نفسها آلاف المرّات كلّ يوم.

 يعود إخوتي إلى الشجار.

فجأة، أرى لواءً يرفرف على علوّ شاهق بالأبيض والأزرق. كلّما اقتربنا علا أكثر، وتُحشَر أنفاسي الّتي لم تعد تجد متّسعًا في رئتَيّ أكثر. تهرب بعض الدموع من عينيّ وأستذكر قول محمود درويش: "أتيت ولكنّي لم أصل... وجئت ولكنّي لم أعد".

الأصوات من حولي تتحوّل إلى أسراب تغزو جميع أنحاء جسدي. تبدأ من منابت شعري، تملأ صدري، تقبض على معدتي، ثمّ تهرب إلى أخمص قدميّ. تُفقدني الإحساس بالأشياء، فأكون لامرئيّة، هلاميّة. أتماشى مع تلك الحالة، أستسلم دون انزعاج.

نصعد إلى الحافلة للذهاب إلى الحدود الإسرائيليّة.

أرى شابًّا ذا شعر وعينين أفتحَ من أن تتلاءم مع لغته العربيّة الممتازة، باستثناء حرف الراء الّذي عجز لسانه إلّا عن تفخيمه.

ينظر إلى جوازات سفرنا المنتهية الصلاحيّة ويقلّبها من جميع الجهات كأنّها سقطت من مجرّة فضائيّة. يتمعّن بصورنا واحدًا تلو الآخر، ويقارنها بما آلت إليه أشكالنا بعد عشرين عامًا. يأتي دوري فأرفض أن أنظر إليه. شجاعتي أستمدّها من حالة الإنكار الّتي أحاول ألّا أخرج منها. يومئ لي بيده أن اقترب، فأقترب، وعيناي مثبتتان على نقطة في المدى تزيد شكوكه.

يصير الموقف أطول كثيرًا ممّا أحتمل، لكنّي لا أنزعج ولا أشعر برغبة في حسم الموقف كعادتي. من زاوية عيني، أرى قلقًا يرتسم على وجه أمّي كأنّها تأمرني وترجوني أن أجامل.

أعاند رغبة الجميع في تحويل الموقف إلى تبادل اعتياديّ.

ببطء أحوّل نظري باتّجاهه متفادية النظر مباشرة إلى عينيه. أقترب بجذعي نحوه، فأشعر بملامحه حادّة متشكّكة. أتمالك نفسي عن سؤاله: "ما قصّتك؟ لِمَ أنت هنا؟".

 ينبعث صوت معلّق المباراة من جانبه فيبتسم. ينظر إلى مجموعة شبّان خلفي يتابعون المباراة ذاتها، ويقول مستهزئًا: "هذا ثاني هدف... أين محمّد صلاح؟"، يرفع قبضته في الهواء باعتزاز ويضحك.

يطلب منّي الهُويّة و"التصريخ"، ينظر ويتكلّم معي بحذر، فكرة، فخوف، فتعالٍ، فاستحقار. لا أستاء، فأنا تقريبًا غير موجودة. يعيد إليّ أوراقي الكثيرة الّتي ما عدت أميّزها من كثرتها وتعقيداتها...

لو أنّ للإنسان ورقة واحدة أو جواز سفر واحدًا أو وطنًا واحدًا!

ما إن أدرك أنّه يشاهد المباراة مشجّعًا بلده الأمّ، حتّى يأمرني زميله بأن أُفرغ جيوبي بالكامل. يفتّش بين أشيائي ويفتح دفاتري بكلّ حرّيّة، ثمّ يضعها جانبًا كأنّه لا يقتحم حياتي وخصوصيّاتي. يأخذ بعدها حاسوبي، يقلّبه من جميع الجهات ثمّ يعرضه على جهاز دخيل مثله.

أتقصّد عدم تشكّره، لكن ابتسامة لا أدري مصدرها تكاد تفلت من شفتيّ. أهو خوف أم نفاق أم رغبة في تفادي المشكلات؟ أؤنّب نفسي. كيف أبتسم له متناسية مئة عام من الاحتلال؟ كيف ينفيني طويلًا وأبتسم له شاكرة اضطهاده لي؟

ينظر إليّ مرّة أخرى فأتوجّس. هل سمع نجواي مع نفسي؟

أخيرًا، أصل أنا وعائلتي إلى أريحا، وفي استقبالنا ضجيج أصوات متداخلة لسائقين يهتفون كخليّة نحل: "رام الله؟ رام الله؟ رام الله؟ رام الله؟".

نركب إحدى سيّارات الأجرة المتوجّهة إلى رام الله، مع سائق ستّينيّ لا يسمح لي بالاختلاء بأفكاري؛ بسبب أسئلته المتواصلة عمّا أعادنا بعد كلّ تلك السنين. يسأل محدّقًا بنا عبر المرآة الأماميّة.

في لحظة صمت نادرة، ينفجر صوت المذياع: "يمشي صلاح! يمشي صلاح وجوول! الهدف التاريخيّ! الهدف التاريخيّ!".

أسأله: "ألم تنتهِ المباراة بفوز روسيا؟"

فيجيب: "بثلاثة أهداف مقابل هدف، لكنّهم يعيدون إذاعة الهدف المصريّ من ضربة الجزاء".

 

 

* تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ بعنوان "حَبْكَة"، بالتعاون بين فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ومركز خليل السكاكينيّ.

 

ديما السيلاوي

 

 

تقيم بين الأردنّ وفلسطين والإمارات والولايات المتّحدة الأمريكيّة، حاصلة على درجتَي البكالوريوس والماجستير في الصحّة العامّة، تعمل حاليًّا في "معهد الصحّة العامّة والمجتمعيّة" في "جامعة بير زيت".

 

 

تعليقات Facebook