أبو كلسون

بريان كيني

 

(1)

لا يمكن أيًّا من الموظّفين والدرك في مخفر حيّ العروة، حتّى أكثرهم قربًا وثقة، أن يعلم أنّ العقيد رمزي عيلب يشعر بالضيق من سرواله الداخليّ، والّذي يحاصر المناطق الأكثر حساسيّة وإستراتيجيّة في جسده. بالنسبة إلى العقيد، كانت معالجة مثل هذه الأمور بمنزلة لعبة من ألعاب الخفّة. كان بارعًا للغاية في المحافظة على رباطة الجأش واللباقة والهيبة، بينما، بحركة أنامل سريعة من فوق بنطال بدلته الراقية، يعيد تموضع سرواله الداخليّ الّذي يلتصق بمنطقة الحوض.

جلس العقيد رمزي عيلب وحيدًا خلف مكتبه في ساعات المساء الأولى، وهو يحملق في بطاقة الدعوة مرّة أخرى ليقرأها، وكأنّه يفعل ذلك لأوّل مرّة. خلال أسبوع ستكرّمه "مؤسّسة الوئام الدوليّة" بصفته "شرطيّ العام". كان سعيدًا ومتوتّرًا، وحتمًا يشعر بالضيق من سرواله الداخليّ. ابتسم عندما تذكّر نكتة أحد الكوميديّين حين قال إنّ الرجال يتشبّثون بسراويلهم الداخليّة حتّى تصبح غبارًا، وفكّر في شراء مجموعة جديدة من السراويل الداخليّة، تأقلمًا مع وزنه الّذي ازداد منذ بداية العام، بعدما ترقّى ليصبح مديرًا للمخفر. أمّا بالنسبة إلى عدد القضايا والشكاوى المرفوعة أمام المخفر، فقد أسهمت قلّتها في زيادة وزنه! 

كانت القضايا قليلة ومملّة أيضًا، حتّى النشّالون والسرّاق العوامّ انتقلوا إلى أحياء أخرى؛ بسبب سهولة التعرّف عليهم عن بُعد في حيّ راقٍ جدًّا مثل حيّ العروة. نظر العقيد رمزي عيلب إلى الدعوة مرّة أخرى وكأنّه يقرؤها لأوّل مرّة. شعر كأنّ فجوة صغيرة من الحزن انشقّت في صدره؛ فالمؤسّسة الدوليّة الّتي ستكرّمه، على الأغلب، لا تعلم قلّة القضايا وملل العمل في حيّ العروة، تمامًا كما لا يعرف الموظّفون والدرك مدى تضايقه من سرواله الداخليّ.

إلّا أنّ العقيد رمزي عيلب لم يعلم أنّ قضيّة غريبة جدًّا، قضيّة السيّد لبيب الطالع، على وشك أن تفتح وتغلق في ذاك المساء أمام مخفر حيّ العروة.

 

(2)

كان لدى كلٍّ من العائلة والأصدقاء والزملاء اعتقاد بأنّ السيّد لبيب الطالع معتوه. كان يمكن الادّعاء بأنّ الأمر اعتياديّ؛ لأنّ معظم ذكور البلاد يهرولون في جميع الأنحاء كالمعاتيه، لكنّ العائلة والأصدقاء والزملاء تجاوزوا هذه المرحلة، ونظّروا بأنّ السيّد لبيب الطالع هو بحدّ ذاته حالة مميّزة تستحقّ الدراسة على حدة.

الآنسة شيماء الساقي كانت عنيدة تحبّ التحدّيات؛ لذلك انتابها فضول شديد لدراسة حالة السيّد لبيب الطالع ومعالجتها. جرى تحذيرها في مناسبة أو اثنتين من التلاعب مع حالته، وفُهِّمَت أنّ عمله موظّف تحصيل في أحد المصارف، قد أعطاه القدرة على تجريد أيّ رجل من كلّ ممتلكاته إلّا سرواله الداخليّ، وهو ما جعله يفقد نصف عقله. بل حُذّرت في إحدى المرّات من أنّه على وشك أن يفقد النصف الآخر في أيّ لحظة!            

تجاهلت الآنسة شيماء الساقي تلك التحذيرات عندما جرت ساقاه ليخطبها من أهلها، ومن ثَمّ حاولت إعادة تصميمه على مقاسها. نصحته، ومن ثَمّ أمرته، بالتخلّي عن بدلاته العتيقة لأنّها لا تريد أن تشعر بأنّها تواعد جدّه في كلّ مرّة فيها يلتقيان. وأمرته برمي ربطات عنقه العريضة كلّها؛ لأنّها تخجل من المشي بجانب شابّ يلبس طائرات ورقيّة على صدره، وأمرته بالتخلّص من شواربه لأنّها تذكّرها بحقبة الثمانينات وجرائم الموضة المرتكبة فيها. بالمقابل، أمرته أن يشتري أغلى الملابس وأشهرها ماركةً وأحسنها طرازًا.

"هو متطلّب أساسيّ في مجتمعنا"، كانت تقول له.

"لا تكلّميني وكأنّني لا أمشي بالشوارع إلّا بالكلسون!" كان يجيبها.

فقد المسؤولون المباشرون للسيّد لبيب الطالع الأمل في أن يلبس ما يريدون؛ فطردوه من العمل. كانت تلك هي المناسبة الّتي حملت الآنسة شيماء الساقي على طرده من حياتها الشخصيّة، ليس فقط لأنّها تخاف الفقر وتكره العاطلين من العمل، بل لأنّها، مثل مديريه في العمل، أيقنت استحالة إقناعه بالدخول إلى غرفة قياس الملابس، ليخرج منها شخصًا جديدًا على هواها.

اتّصلت الآنسة شيماء الساقي بالسيّد لبيب الطالع كي تخبره بأنّها قرّرت إنهاء العلاقة. "هل تريدين تركي لهذا السبب يا شيماء؟ الناس كلّهم تافهون وملابسهم لا تعني شيئًا! الجميع في الحقيقة كلاسينهم مهترئة!" قال السيّد لبيب الطالع قبل أن أغلق سمّاعة الهاتف غاضبًا. استيقظ في ذات الليلة وهو يشعر بضيق في التنفّس، وكأنّ رئتيه تغرقان في كتلة من الرمل الأسود. أدرك أنّ أقرب عناق حميم بات يقع على بُعد سنوات من تلك اللحظة.

في فترة انقطاع دامت بضعة أشهر، حاول السيّد لبيب الطالع أن يتواصل مع الآنسة شيماء الساقي مرّات عدّة. نجح في إقناعها بملاقاته في أحد مقاهي حيّ العروة. ومن أجل هذا الموعد المهمّ قرّر التنازل عن مبادئه وأن يجدّد نفسه على مقاسها. فقد طلب من الحلّاق أن يخفّف من كثافة شواربه، بعدما لم يجرؤ على محيها تمامًا عن وجهه، واشترى بدلة جديدة من جاره المعلّم وليد جمجوم، الّذي لم ينفكّ يسأله "لماذا لا تزورنا؟" في إشارة إلى زيارة "اقتصاديّة" إلى المتجر لا "اجتماعيّة" إلى البيت.

جلس السيّد لبيب الطالع على طاولته منتظرًا قهوته، وهو يتمرّن على حديثه مع الآنسة شيماء الساقي وكأنّه يتحضّر لمقابلة عمل. حاول تذكير نفسه بما سيقول، كيف أنّه سيخبرها بأنّه سوف يجري مقابلة عمل فعلًا، بعد بضعة أيّام مع "مؤسّسة الوئام الدوليّة"، وكيف سيتغيّر وسيشتري ملابس جديدة كلّ أسبوع، وكيف أنّه سيحبّ التجوال في مراكز التسوّق فقط إن كانت هي بجانبه.

ظهرت الآنسة شيماء الساقي من بعيد في الطرف المقابل من الشارع؛ فسمحت له عيناه أن يشمّ عبق عطرها قبل أن يشمّه بالفعل. عندما شاهدها تعبر الشارع، نسي أنّها ابنة الأبله تيمور الساقي والمتعجرفة ثريّة الساقي، بل أمست بفستانها الأزرق الفاتح المرقّط بالأبيض ابنة سحابة الربيع ونسيم الصيف. كانت يومًا مثاليًّا يقع بين الفصلين، أغنية مكسيكيّة في الخامس من مايو، لا يفهمها ولكن لا يريد لها أن تنتهي. كانت، وهي تدخل المقهى بوصول قدح القهوة إلى طاولته، قهوة لا برازيليّة ولا يمنيّة، توقظ روحه الهاجعة منذ بضعة قرون. كانت... "رومانسيّات فارغة، جميعها رومانسيّات فارغة يا أيّها البغل"، فكّر السيّد لبيب الطالع، بعدما أخبرته الآنسة شيماء الساقي بفجاجة، بأنّها على وشك أن تخطب شخصًا آخر غيورًا بعض الشيء، ولذا، عليه أن يتوقّف عن الاتّصال بها وإرسال الرسائل إليها. بل استعرضت أيضًا بكلّ وقاحة، وكأنّ السيّد لبيب الطالع هو الآنسة سوسن الطالع، استعرضت صور الشابّ الجديد على هاتفها النقّال والّذي تبيّن أنّه شديد الأناقة، تمامًا على مقاسها.                

بعد أن خرجت الآنسة شيماء الساقي من المقهى، لبث السيّد لبيب الطالع في مكانه مصعوقًا، وكأنّ قطارًا ضخمًا من المشاعر المؤلمة يصدم روحه مرّة كلّ دقيقتين. بقي كذلك دقائق عدّة حتّى جاءته رسالة نصّيّة من الآنسة شيماء الساقي:

"توجد عروض تنزيلات على ماركات رائعة في متجر الملابس الرجاليّة المقابل لمخفر حيّ العروة".

وصلت رسالة أخرى بعد نصف دقيقة:

"كنت خجلة من أن أخبرك: هذه البدلة الّتي يبدو أنّك استعرتها من صديقك جيّدة، لكنّهم توقّفوا عن لبسها منذ ثلاث سنوات. قلت لك من قبل: هذا متطلّب أساسيّ في مجتمعنا، اذهب إلى ذاك المتجر وغيّر من عادات اللباس لديك واحلق شواربك، وستعثر على فتاة أخرى وحياة أفضل. الأمر بتلك البساطة".

شعر السيّد لبيب الطالع كأنّ روحه مادّة مطّاطيّة ثقيلة، تنتفخ بسرعة داخل جسده الضيّق. أصبحت الآنسة شيماء الساقي مثل عائلته وأصدقائه وزملائه، محض غرباء منافقين يحاولون إصلاحه من بعيد. كرهها وكرههم، لكنّه كره نفسه أكثر لأنّه موجود داخل هذه البدلة. ليس لأنّ المعلّم وليد جمجوم قد باعه إيّاها قديمة بسعر واحدة جديدة، بل لأنّه باع جزءًا من نفسه هذا اليوم فقط، في مقابل أن يبيع كلّ شيء غدًا.

نعظ السيّد لبيب الطالع عن كرسيّه، وخلع ملابسه على نحو أسرع من أن يدرك الزبائن والعاملون في المقهى ما يحدث بالضبط. أكمل تعرية نفسه حتّى لم يبقَ على جسده إلّا سروال داخليّ، عليه رسومات فسفوريّة لحيوانات نعسة وبيوت دافئة وهلال ليلة هادئة. وقف فاردًا رجليه، وأشار بيده إلى الزبائن والعاملين في المقهى وكأنّه مدفع مضادّ للجوّ، وصرخ بصوت حزين محموم: "هل أنا أنيق الآن يا أصحاب الكلاسين المهترئة!"، قبل أن هرع كاسيًا عاريًا خارج المقهى.

 

(3)

عدّل العقيد رمزي عيلب من جلسته على مكتبه، وسعل مرّتين وكأنّه على وشك إلقاء خطاب، قبل أن يرفع سمّاعة الهاتف كي يتّصل بالأستاذ بسّام سفرجل، صاحب متجر الملابس الرجاليّة المقابل للمخفر. أراد أن يسأله إن كان لديه مجموعة من السراويل الداخليّة المريحة، إلّا أنّه أغلق السمّاعة سريعًا؛ فالهاتف قد يكون مراقبًا، ولا يمكن أيًّا من الموظّفين والدرك في المخفر أن يعلم أنّ العقيد منزعج من سرواله الداخليّ.

التقط الهاتف النقّال لذات الغاية، لكنّه عدل عن ذلك أيضًا، فلا يمكن أيّ موظّف في أحد الأجهزة الأمنيّة، على كثرتها، أن يعلم أنّ العقيد منزعج من سرواله الداخليّ! 

الشخصان الوحيدان في العالم اللذان يمكنهما معرفة مثل هذه الأسرار هما شريكته في الحياة: السيّدة بحتيّة عيلب، وقدوته في الحياة: الأستاذ بسّام سفرجل.

لا يستطيع العقيد رمزي عيلب أن ينسى اليوم الّذي التقى فيه الأستاذ بسّام سفرجل قبل عقدين، عندما كان المخفر ومتجر الملابس المبنَيَين الوحيدَين القائمَين في حيّ العروة. حينذاك، كان محض شرطيّ بسيط نحيف يحبّ الوقوف متفرّجًا أمام نوافذ عرض الملابس. في إحدى تلك المرّات، انفتح باب المتجر فجأة بقوّة وخرج منه رجل كهل أنيق، نظر إلى الشرطيّ ولم يقل كلمة "تفضّل" كما يفعل مع الغرباء، بل قال له وكأنّه يعرفه منذ وقت بعيد: "تعال تعال، الحق بي إلى الداخل". 

غاص العقيد رمزي عيلب في تلك الذكريات، حتّى جاءت رنّة هاتف المكتب في المخفر كي تنتشله من سهوته. عدل من جلسته وسعل مرّتين قبل أن يرفع السمّاعة: لقد هاجم أحدهم متجر الأستاذ بسّام سفرجل. 

خفق قلب العقيد بسرعة نفضت الخمول والكسل عن روحه. أمر العناصر بالتوجّه فورًا إلى مكان الحادثة قبل أن يغلق سمّاعة الهاتف ويُخرج المنظار من درج المكتب ويتوجّه إلى النافذة ليراقب الموقف، وكأنّه قائد جيش في معركة. أمام المتجر، كان هنالك تجمهرٌ من الغرباء الّذين لا يجمعهم بالعقيد إلّا الفضول الشديد. لاحظ على الرصيف حطام زجاج نافذة ينتثر على الأرض كحبيبات البرد، ودمى عرض ساقطة على الأرض كتماثيل الطغاة، وقطع ملابس مبعثرة في الأنحاء كجثث ما بعد مجزرة.

باغتت قوّة الشرطة ذاك المكان وكأنّهم قطيع غاضب من الفيلة، ففسح لهم الطريق جزء من المتجمهرين، بينما شرع الجزء الآخر يغادر المكان. لم تمرّ دقيقتان حتّى خرجوا من المتجر يقتادون ذلك الّذي سبّب كلّ تلك المشاكل. انعقد اتّفاق عفويّ غير مكتوب بين الموظّفين والدرك على تلقيب المقبوض عليه بـ "أبو كلسون". ومع أنّهم عثروا على ملابسه وصورة هُويّته واسمه الرباعيّ، لبيب ممدوح لبيب الطالع، في أحد المقاهي القريبة، إلّا أنّ الألقاب أقوى من الأسماء؛ أبو كلسون. 

تسبّب أبو كلسون بحالة من الفوضى والهرج والمزاح في أنحاء المخفر. انزعج العقيد رمزي عيلب من تلك البلبلة الّتي وصل وقعها إلى مكتبه. خرج من هناك ونزل بيت الدرج إلى الطابق الأوّل، وهو يحاول التعديل من مشيته العرجاء بسبب اختناق محاشمه من سرواله الداخليّ الضيّق. فتح الباب وهلّ فجأة على غرفة استقبال المخفر فصمت الجميع، إلّا أنّهم فشلوا في محو الابتسامات الساخرة عن أفواههم.

"أين هو؟"، قال بنبرة ووجه صارمَين. 

"في غرفة التحقيق يا سيّدي"، أجاب أحد الموظّفين.

جلس أبو كلسون على طاولة مكبّلًا، وبطّانيّة تغطّي جسده وكأنّه وغد مقبوض عليه في قضيّة دعارة. لم يُبدِ أيّ ردّة فعل لدى دخول العقيد، بل أكمل التحديق في الأفق وهو يهزّ رجله اليمنى بسرعة.

أمّا الضبّاط الواقفون في الغرفة فقد تهامسوا، تساؤلًا عن سبب انخراط العقيد بالتحقيق بجريمة سخيفة لا تستحقّ العناء، ربّما بسبب صداقته مع الأستاذ بسّام سفرجل، أو لأنّ الجريمة المرتكبة قد تكون أمنيّة وليست جنائيّة، أو لأنّه يشعر بالملل فحسب كما هو معروف.

جلس العقيد على الطرف الآخر من الطاولة، واصطفّ وراءه الضبّاط.

"أنت هالك لا محالة أيّها الفتى"، قال العقيد.

لم يُجِب أبو كلسون.

"أعرف أنّك ستقول لي أن لا أسباب سياسيّة وراء فعلتك هذه، لكنّك ذكّرتني بقصّة شابّ رفض لبس السراويل في أواخر زمن السلطنة العثمانيّة".

"وما علاقة كلسوني؟"، أجاب أبو كلسون.

"كلاكما اتّخذ قرارًا سياسيًّا؛ هو رفض التجنيد الإجباريّ لأنّه امتنع عن لبس السراويل، وأنت رفضت السلامة والنظام والأمن العامّ عندما خلعت بنطالك".

"إذن، كلّ القرارات الّتي نتّخذها وكلّ الأشياء الّتي نرتديها بما فيها كلسوني هي قرار سياسيّ، أليس كذلك؟".

"بالضبط! ولهذا أنت هالك لا محالة عندما أحيلك إلى جهاز أقلّ لطفًا من مخفرنا هذا".

"إذن، أرجو من سيادتك أن تطلب من موظّفيك تسجيل موقفي السياسيّ".

شعر العقيد رمزي عيلب بغبطة لأنّه سيتحصّل على اعتراف مكتوب من الجاني.

"لأنّ أناقتكم أناقة الموتى، وحياتكم المريحة في ملابسكم محض رحلة خارج أرض معركة خاسرة داخل تابوت حانوتيّ، فإنّني أعلن أنّني لن ألبس إلّا الكلاسين بعد اليوم!".   

بسبب كلّ ذلك الحديث عن السراويل الداخليّة، لم يستطع العقيد أن يصبر أكثر. كلاعب خفّة محترف، أعاد تعديل موضع ملبسه الداخليّ بحركة أنامل سريعة من فوق بنطال بدلته. توقّف أبو كلسون عن هزّ رجله، وخيّم سواد بؤبؤيه في عينيه عندما رصد تلك الحركة كبومة في ليلة حالكة.

"سيادتك! هل أنت متضايق من كلسونك؟".

"ماذا؟!".

"إذا كنت تشعر بالضيق، فبإمكاني أن أعيرك كلسوني، أو بإمكاننا الذهاب معًا إلى المتجر القريب لشراء كلاسين جديدة!".

أصدر العقيد في مساء ذلك اليوم قرارًا بإحالة أبو كلسون إلى المحكمة المختصّة، مع التوصية بعرضه على اختصاصيّ نفسيّ وإصدار قرار بإرساله إلى مصحّة عقليّة؛ ذلك لأنّ المجرمين الجنائيّين والأمنيّين عاقلون يؤخَذون بجدّيّة، أمّا المجانين فكلّ كلامهم هتر، ولا يمكن أيًّا من الموظّفين والدرك في مخفر حيّ العروة أن يصدّق افتراء أبو كلسون المجنون بأنّ العقيد متضايق من سرواله الداخليّ.

وفي اليوم التالي أصدر العقيد قرارًا بحجز عدد من الموظّفين والدرك في القشلاق لمدّة يومين؛ لأنّهم تحدّثوا عن شرائه كمّيّات كبيرة من الملابس من متجر الأستاذ بسّام سفرجل، بما يشتمل على رزمة من السراويل الداخليّة. وفي اليوم الّذي جاء بعده أصدر قرارًا ضدّ أحد رجال الدرك بالتدريبات الإضافيّة الشاقّة؛ عقابًا على الابتسامة الساخرة على وجهه. وفي اليوم الّذي جاء بعده أصدر العقيد قرارًا بتخفيض رتبة الضابط الّذي تحدّث عن موضوع أبو كلسون؛ بناء على إخباريّة "موثوقة" من ضابط آخر. وفي اليوم الّذي جاء بعده اجتمع العقيد بضبّاطه وأمرهم بالتخلّف عن مرافقته إلى "مؤسّسة الوئام الدوليّة" لتسلُّم جائزة "شرطيّ العام"، وبمنع أيّ موظّف أو دركيّ من الحضور تحت طائلة العقوبة. وفي اليوم الّذي جاء بعده أكّدت مصادر عدّة موثوقة في أنحاء المخفر، أنّ العقيد رمزي عيلب لم يجلب معه إلى الحفل إلّا زوجته السيّدة بحتيّة عيلب وصديقه الأستاذ بسّام سفرجل.

 

 

* تُنشر هذه المادّة ضمن ملفّ بعنوان "حَبْكَة"، بالتعاون بين فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة ومركز خليل السكاكينيّ.

 

فخري الصرداوي

 

 

كاتب وقاصّ من رام الله. يعمل في مجال القانون الدوليّ والعلوم السياسيّة، حاصل على الماجستير في العمل الدوليّ الإنسانيّ من "جامعة ديوستو" في إقليم الباسك. يهتمّ بالكتابة الساخرة من المجتمع التقليديّ، ومن ثقافة الصوابيّة السياسيّة على حدّ سواء.

 

 

تعليقات Facebook