النص الناصري: نص مفتوح متعدد الهويات

الأديب أمجد ناصر

 

اعتمد الشاعر أمجد ناصر في تشكيل صوره الشعريّة على أساليب مختلفة، منها: الأسلوب المباشر الّذي يخلو من الانحرافات أو الانزياحات اللفظيّة، ومن الأساليب البلاغيّة: التشبيه، والمجاز، والاستعارة، والكناية، إضافة إلى الأسلوبين: الأوكسيمورونيّ والرمزيّ. ومن الملاحظ أنّ الأسلوب الرمزيّ من أكثر الأساليب الّتي اعتمد عليها الشاعر في تشكيل صوره الشعريّة، وقد انتقى الشاعر عناصر هذه الصور من واقع الحياة اليوميّة، ثمّ حمّلها دلالات رمزيّة وإيحائيّة، هذا بالإضافة إلى العناصر المستقاة من الحياة والبيئة البدويّة الصحراويّة، بألفاظها، ومجازاتها، وأمثالها، وطبيعتها، وثقافاتها، ومعتقداتها، ومسمّياتها.

 

تحرير الصورة من المنطق

وتتميّز الصور الشعريّة عند ناصر بالنسقيّة؛ أي ارتباط الصورة الشعريّة بالسياق العامّ للقصيدة، أو بالفكرة العامّة الّتي تحملها القصيدة، وارتباط هذه الصورة أيضًا بباقي الصور الجزئيّة الّتي تتشكّل منها القصيدة. ومن أبرز ما يميّز الصورة الشعريّة عند ناصر طابع الجدّة والابتكار؛ فالابتعاد عن المألوف، وتحرير الكلمات من العلاقات المنطقيّة، وخلق علاقات جديدة بين هذه الكلمات بصورة مبتكرة ومثيرة للدهشة، اعتمادًا على الحدس والخيال لا التفكير المنطقيّ، والبحث الدائم عن المختلف والمغاير؛ كلّ ذلك جعل الصورة الشعريّة عند ناصر مبتكرة، وجديدة، وطازجة، وذاتيّة، وجريئة، ومتفرّدة، ومثيرة للدهشة.

ومن أبرز ما يميّز الصورة الشعريّة عند ناصر طابع الجدّة والابتكار؛ فالابتعاد عن المألوف، وتحرير الكلمات من العلاقات المنطقيّة، وخلق علاقات جديدة بين هذه الكلمات بصورة مبتكرة ومثيرة للدهشة، اعتمادًا على الحدس والخيال لا التفكير المنطقيّ

وقد عبّر الشاعر عن رغبته في التمرّد على كلّ ما هو مألوف ومسلَّم به على المستوى الشعريّ، من خلال قصيدته الشارحة "أغصان مائلة"، من ديوان "رعاة العزلة"، وفيها يقول:

أريد أن أنظّف روحي

من آي الطّاعة وعناقيد المغفرة.

أريد أن أنظّف وجهي من سيماء السلالة،

وأغصان شجرة العائلة.

[...]

أريد أن أمشي وحيدًا

وأغلق باب الحظيرة ورائي

 

لقد اعتمد الشاعر في تشكيل صوره الشعريّة على خياله وحدسه، ومزج بين الحلم والواقع، أو الحقيقة والخيال بشكل مبتكر، وهو بذلك يبدو متأثّرًا بالمذهب الأدبيّ السرياليّ، الّذي يقوم على مبدأ التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق. وشعراء قصيدة النثر، بشكل عامّ، متأثّرون بالمذهب السرياليّ، وذلك من خلال تكسيرهم للحدود بين الأشكال التعبيريّة، ودمجهم بين مزايا الشعر من جهة، وشكل النثر من جهة أخرى، ولجوئهم إلى اللاوعي، ورفضهم لسيطرة العقل والمنطق؛ فالقصيدة النثريّة، من الناحية الاصطلاحيّة، تعبّر عن حدّة كسر المنطق؛ فهي تقوم على الجمع بين ضدّين: الشعر من جهة، والنثر من جهة أخرى.

 

بلاغة أقلّ

وتتميّز الصور الشعريّة عند ناصر بالكثافة والتركيب؛ فهي إذ ذاك صور مختزلة ومختصرة تحمل الكثير من الدلالات والإيحاءات الدلاليّة، وطابع الكثافة والاختزال أو الإيجاز، من المزايا الفنّيّة للقصيدة النثريّة، كما حدّدها روّاد قصيدة النثر العربيّة ومنظّروها، كأدونيس وأنسي الحاجّ. وينتج عن كثافة الصورة تعدّد دلالاتها؛ فكلّما زادت طاقة الصورة الإيحائيّة، زادت احتمالات تأويلها، فقد يكتشف القارئ دلالات متعدّدة لهذه الصورة مع كلّ قراءة جديدة للنصّ الشعريّ، وقد تختلف هذه الدلالات من قارئ إلى آخر.

لقد مرّت الصورة الشعريّة عند ناصر بمجموعة من التحوّلات بتقدّم مسيرته الشعريّة، أوّلها التخفّف من الأساليب البلاغيّة: التشبيهيّة والمجازيّة، فكلّما تقدّمنا في المسيرة الشعريّة لاحظنا انخفاضًا في نسبة الصور الّتي تعتمد على أساليب التصوير البلاغيّ؛ وهذا التخفّف نتج عن رغبة الشاعر في الانعتاق من الأطر الشعريّة التقليديّة؛ إذ اعتبر روّاد قصيدة النثر أنّ البلاغة التقليديّة واحدة من الأطر التقليديّة، الّتي يجب أن تتحرّر منها القصيدة النثريّة العربيّة المعاصرة[1].

إنّ الشاعر الّذي ينسف الأطر المألوفة والسائدة، يجب أن يعوّض عن هذا النسف باستخدام أساليب جديدة، وفي تجربة ناصر نلاحظ أنّ الابتعاد التدريجيّ عن توظيف الصور البلاغيّة، قد حلّ محلّه توظيف الصور الرمزيّة، أو الرموز المأخوذة من واقعنا اليوميّ

إنّ الشاعر الّذي ينسف الأطر المألوفة والسائدة، يجب أن يعوّض عن هذا النسف باستخدام أساليب جديدة، وفي تجربة ناصر نلاحظ أنّ الابتعاد التدريجيّ عن توظيف الصور البلاغيّة، قد حلّ محلّه توظيف الصور الرمزيّة، أو الرموز المأخوذة من واقعنا اليوميّ، والقائمة على فكرة المعادل الموضوعيّ (Objective Correlative)، بالإضافة إلى ذلك، عوّض الشاعر عن الصور البلاغيّة بالصور المشهديّة الدراميّة المتتابعة والمترابطة، والّتي تخلق نوعًا من التلهّف لدى القارئ، وتؤدّي به إلى قراءة القصيدة بشكل متواصل، دون أن يتوقّف عند نقطة معيّنة.

 

من الشعر المنثور إلى القصيدة النثريّة

إنّ التحوّل الجذريّ والملموس الّذي طرأ على أسلوب التشكيل الصوريّ عند الشاعر، كان في ديوانه السابع، "حياة كسرد متقطّع"؛ ففي هذا الديوان انتقل ناصر من كتابة الشعر المنثور إلى كتابة القصيدة النثريّة، وبالتزامن مع هذه النقلة في الشكل الخارجيّ، غيّر الشاعر من أساليبه الشعريّة؛ فاعتمد - بشكل أساسيّ - على الأساليب السرديّة التفصيليّة والوصفيّة، الّتي تقرّب هذا العمل من الأجناس الأدبيّة النثريّة. من هنا؛ تضمّنت قصائد هذا الديوان أوصافًا لمقاطع مختلفة من حياة الشاعر، كالأحداث والأشخاص والأطر الزمانيّة والمكانيّة.

إنّ التغيّر في المبنى الخارجيّ، وفي الأساليب اللغويّة للقصيدة الناصريّة في هذا الديوان، قد تبعه تغيّر في أساليب التشكيل الصوريّ، ومن بين هذه التغيّرات، أذكر: أوّلًا، الاعتماد على الصورة الكلّيّة المركّبة الّتي تستغرق القصيدة ككلّ، بديلًا للصور الجزئيّة الّتي تتركّب منها القصيدة. ويجب ألّا نغفل عن أنّ روّاد قصيدة النثر العربيّة ومنظّريها، قد ذكروا هذه المزيّة في تعريفاتهم لقصيدة النثر؛ فقالوا إنّ قصيدة النثر وحدة متماسكة تُقرأ ككلّ وليس أجزاء[2]. ثانيًا، تجنّب الانحرافات اللغويّة الناتجة عن الصور البلاغيّة: المجازيّة والاستعاريّة، وينتج عن ذلك، تميّز النصّ الشعريّ بطابعَي المباشرة والوضوح.

إنّ التحوّل الجذريّ والملموس الّذي طرأ على أسلوب التشكيل الصوريّ عند الشاعر، كان في ديوانه السابع، "حياة كسرد متقطّع"؛ ففي هذا الديوان انتقل ناصر من كتابة الشعر المنثور إلى كتابة القصيدة النثريّة

وفي هذا المجال، تجدر بي الإشارة إلى أنّ الطاقة الفنّيّة لهذه الصور، لا تنبع من غموضها ومن كثافتها الدلاليّة، بل تنبع من انسجامها مع أسلوب الديوان السرديّ والتفصيليّ، ومع مواضيع الديوان المأخوذة من تجارب الشاعر اليوميّة؛ فلو افترضنا، مثلًا، أنّ الشاعر استخدم الصور الشعريّة الّتي تتميّز بطاقةٍ إيحائيّة كبيرة في هذا الديوان، كما فعل في الدواوين السابقة، لجاءت صوره مصطنعة، مُقْحَمة على القصيدة، ولصيقة بها؛ ممّا يجعلها تفقد أيّ قيمة فنّيّة. وتنبثق القيمة الفنّيّة لهذه الصور من عفويّتها ومجّانيّتها؛ فالقصيدة النثريّة - كما ورد في أقوال منظّري قصيدة النثر - تصدر عن التعبير العفويّ والمجّانيّ، الّذي لا توجد له أيّ أهداف خارج حدود القصيدة[3].

 

كثافة دلاليّة

من جهة أخرى، ومقابل القصائد الّتي تتميّز بالمباشرة والوضوح، والبعد عن الانحرافات الدلاليّة في هذا الديوان، ثمّة قصائد قائمة على كثافة دلاليّة عالية جدًّا، وتكثر فيها الانزياحات والإيحاءات والرموز الدلاليّة، ما يغلّفها بمسحة من الغموض الدلاليّ.

من هنا؛ نستنتج أنّ النصّ الناصريّ متعدّد الاتّجاهات والأساليب الشعريّة، نجد فيه القصيدة المكثّفة الّتي تتميّز بطاقةٍ إيحائيّة كبيرة جدًّا، ناتجة عن كثرة الانحرافات الدلاليّة، وبالمقابل، نجد فيه القصائد المتميّزة بالسرديّة، والبساطة، والتفصيل، والمباشرة، وقلّة الانحرافات اللغويّة؛ لذلك يصعب تحديد هويّة واحدة ومحدّدة للنصّ الناصريّ.

..........

[1] أحمد بزّون، قصيدة النثر العربيّة (بيروت: دار الفكر الجديد، 1996)، ص 59.

[2] أنسي الحاجّ، لن، ط 3 (بيروت: دار الجديد، 1994)، ص 15.

[3] أحمد بزّون، نفس المصدر.

 

 

د. آثار حاجّ يحيى

 

محاضرة وباحثة. حاصلة على الدكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها من جامعة "بار إيلان". تعمل محاضرة في كلّيّة "بيت بيرل"، ومرشدة وتربويّة لمعلّمي اللغة العربيّة في أراضي 48.

 

 

 

 

تعليقات Facebook