إلى صاحب "الموت في حيفا"

لوحة فردناند هولدر

.

السلام عليك يا ممتلئًا نعمة الكتابة الصاخبة، انتظرتك ظهيرة أحد الأيّام الماضية على الرصيف المقابل لحلويّات عبد الهادي. لا، لم نكن على موعد، لكنّي كنت على قناعة بأنّ الكاتب يغذّي أبطاله بنفحة من شخصه، فوقفت دقائق معدودة أنتظر رؤية شابّ يقترب إليّ نزولًا من شارع الجبل، فتجمعنا الصدفة وأقول له: أهلًاااا مجد، بقرأ مجموعتك* الجديدة. أو ربّما انتظرت شخصًا آخر – رغبت في أن يكون وسيمًا بعض الشيء - عضلجي ع عرص هيكا -، شخصًا آخر كأنّه غادر توًّا صفحات المجموعة.

لم تأتيا، فقرأت نعيين معلّقين على الشجرة، ثمّ ابتعدت قليلًا ونظرت إليهما وقلت لنفسي: شجرة كينا عزا هاي! كيف تخيّلتها تلك الّتي في القصّة بلّوطة؟

أتعرف ما يعنيه خروج قارئ من كنبة "إيكيا" الصغيرة المزيّنة بعشرات الشجرات، بحثًا عن شجرة الموتى؟ إنّ الترقّب قبل قراءة أسماء الراحلين من الوجود إلى نصّك له رائحة غريبة، رائحة جذّابة لا تشبه رطوبة حيفا الخانقة.

كنت أقرأ وخيالي يتغزّل بمشاهد من فيلم "الخطايا السبع"، لقد مارست كلّ ضحيّة واحدة من الخطايا الّتي تدفع نحو الهلاك؛ هل تذكر هذا الفيلم يا مجد، راوي نصّك في مقدّمة الرواية مثل شخصيّة جون دوي، يحاكم وينفّذ قرار محاكمته، ويختار ضحاياه بعناية فائقة جعلتني أفكّر في معنى الإثم وفي جدوى الثواب والعقاب. ماذا وراء الموت؟ (عَ قولة محمود درويش).

 

غلاف الكتاب

 

عن أيّ موت تتحدّث؟

عن موت الجسد، موت الروح، الفقدان، الألم، الخسارة، الحسرة، الفراغ، رائحة الموت، طعمه المرّ، الوحدة، الانتحار، الشنق، الذبح، الغلّ، الحقد، الغضب، الإيمان، الكفر، الخوف، أم عن الحبّ؟

كلّ هذه ميتات لها طقوسها، تمامًا كطقوس مارسها بطلك الأخرق ليقدّم لنا إبداعًا شخصيًّا متفرّدًا في مواراة الجثث. أتعلم؟ أكاد أسمع صوتًا لطيفًا لحبّات "الكورن فليكس" وهي تتكدّس فوق بعضها - ششششششش - وتتكسّر فوق جثّة كان مزعجًا صاحبها؛ لم أحزن لمّا قتلته، حزنت لأنّك تركته يحيا وحيدًا تؤنسه قنّينة الويسكي الخرساء، وقصص أمريكا الخياليّة، والفراغ الّذي يملؤه بعض روّاد البار اللامُبالين بحديثه الباهت.

ثمّ ما اسمها تلك الفتاة المسكينة الّتي قتلتها؟ عفوًا، تلك الّتي قتلها بطلك. أتعلم أيّ ألم تسبّبتما لها؟ هل شعر أحدكما بوخز الفرو الناعم، البنفسجيّ والزهريّ إخاله، وهو يهوي برفق فوق جسد قتيلة لطيفة المقاس؟ كلّ هذه الألعاب الإسفنجيّة الرقيقة لن يخفّف من ألم روحها الّتي تذبحها أسئلة الناس: بأيّ ذنب قُتلت؟ وين كانت؟ مع مين؟ ليش؟ شو كانت لابسة؟ يا حرااااام!

يا لهول الكارثة! قتل فتاة عربيّة أمر جلل، أنت تعرف ذلك... لا، لا، هذا المجتمع لا يتطرّق إلى الخسارة الإنسانيّة، لا ينشغل بقدرات تلك الضحيّة الّتي خسرناها جميعًا، يشغله سؤال آخر... فاهم عليّ، لا؟

وبعدين ليه الاغتصاب؟ هذا الوصف القاسي الّذي أتقنته يا مجد، كالدخول في التجربة وعدم النجاة من الشرّير.

حيفا من هنا بدأت؟

لعلّي انتظرتك لنناقش موت المدينة، موت حيفا العربيّة، وولادة حيفا أخرى تحتضن الهاربين من واقع 5 قرًى ومدينتين، مدينة تلمّ التوّاقين إلى طعم الخطايا... حيفا الفوضى الخلّاقة والوحدة. حيفا غريبة يبتكر ساكنوها استحضارات لهويّتهم وكيانهم، يتصارع الناس فيها بهدوء مع رغبتهم في ابتلاع المزيد من حبوب الحرّيّة الّتي تمتدّ فوق الشواطئ.

شغلتني كثيرًا في اختيارك "الموت في حيفا"، هذه الميتات الّتي آثرت أن تغذّي مزاجي بها فتعكّر صفوه، أهو سعي منك لجعلنا نقرأ وننبش معك بواطن معاني الموت والحياة، أم هو صياغة من جديد للوحيد الحتميّ في هذا الوجود؟ هل يعترف هذا النصّ بالموت أصلًا؟ وأيّ سبب يدفع بأبطالك ليتقنوا تقديم نماذج جديدة من القتل المنفّر؟

فكّرت في الموت. وك لااا... لم أفكّر في قتل نفسي، بل فكّرت في ماهيّة الموت ومعناه ومكانه والفائدة منه. هل حقًّا في الموت عبرة؟ أيّ عبرة؟ ماذا يتعلّم الأحياء من فكرة الموت؟ هل يتعلّمون شيئًا عن معنى الغياب أو التلذّذ بالشوق والحبّ؟ هل يستدعي وجود - أو انحسار - أيّ من هذه الثلاث الرغبة في الانتقام موتًا؟ هل الموت انتقام من الحياة؟ أهو انتقام من القدر؟

***

 

لماذا تعاكس الأيقونات يا زلمة؟ ما لك وما لها؟ لقد كنت أجلس في "أروما" الجامعة عندما انقضّ عليّ النصّ الجامح، وخجلت من الرذيلة الّتي مارسها ذهني خلال تخيّل فيروز كما وصفتها. يا الله! كم صعبٌ تخيّل هذه المرأة تمارس حياتها كباقي البشر، وتموت في النهاية.

هل حقًّا ستموت فيروز يومًا ما؟ أفكرة موتها ممكنة أم محتملة أم حتميّة؟ هل سيتوقّف العبث بعد موتها؟ هل يتوقّف شيء ما في مسار الحياة عند موت أحدٍ أصلًا؟ لا شيء يتغيّر... ها هم الناس يموتون، ويُشاع أنّ موتهم "جزا" من الله، وتستمرّ أنت في التهكّم من القصص الدينيّة، وتتحدّث عنها كأنّها أساطير وكأنّك لا تخشى "الجزا"!

***

 

تترك لنا الأحداث - على اختلافها وتسارع لعبة الواقع والخيال فيها - بابًا للتفكّر. ما الّذي أخشاه أنا القارئة؟ أأخشى الموت أم أخشى الفناء أم أخشى غيابي عن مشهد ألفته؟ هل أريد الحياة لأجلي؟ لِمَ يترك الموت طعمًا مرًّا وفقدانًا لا يملؤه آخرون؟ لِمَ يموت الناس انتحارًا؟ أيّ ذكرى يريد المنتحر أن يترك؟ وأيّ ذكرى يريد أن يحمل معه إلى الأبديّة؟ أأردت يا مجد، أن نعيش المغامرة، أم أردت أن تعبث بحبّ استطلاعنا ونختار أيّ موت نريد؟ هل نريد موتًا أنيقًا؟ هل نريده هادئًا شائب الشعر؟ أيّ وصيّة بتغي أن نوصي بها ولمن؟ لِمَ نريد أن نبقى أحياءً بعد موتنا؟ وأيّ موت أريد أنا؟ سماح؟ لا أعرف... لن أجيب. نحن جميعًا قتلة وضحايا يواعدون أقدارهم ويطاردون الحياة.

***

 

ينتهي النصّ تاركًا وراءه بشرًا كثرًا على قيء الحياة!

 

* مجموعة قصصيّة بعنوان "الموت في حيفا"، لمجد كيّال، صادرة حديثًا عن الدار الأهليّة للنشر والتوزيع.

 

سماح بصول

 

 

تسكن في الرينة، شمال فلسطين. صحافيّة، محرّرة 'دوغري نت' بالعربيّة، ومركّزة مشروع الإعلام العربيّ في مركز 'إعلام'. حاصلة على البكالوريوس في اللغة العبريّة وأدبها، والماجستير في ثقافة السينما، وتدرس حاليًّا الماجستير في الأدب العربيّ.

 

 

 

تعليقات Facebook