بلسان توني موريسون... عادات وأفكار حول الكتابة

توني موريسون (1931 - 2019)

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

الكاتبة الشعريّة

لم تُخفِ توني موريسون (1931 - 2019) يومًا رفضها لوصفها بـ "كاتبة شعريّة"، وقد بات لصيق اسمها في الصحف والمجلّات الثقافيّة. إنّها تعتقد أنّ الاهتمام الّذي أُولي للغنائيّة في أعمالها يكاد يهمّش موهبتها القصصيّة الواقعيّة، موضحة أنّ ذلك ينطوي على تواطؤ ما يمكن تسميته بتحمّل ترف اختيار ما يمتدحه القبول لدى القرّاء.

لا تظهر موريسون رافضة لجميع التصنيفات؛ إذ أشارت - وفي غير مكان واحد - إلى أنّها تحتضن لقب "الكاتبة السوداء" في قلبها. إضافة إلى ذلك، تشير إلى أنّها لا تهتمّ بالمدارس الأدبيّة وتصنيفات الكتابة، لكنّها لا تُخفي إحساسها بالمفاجأة حين تُوصَف أعمالها بالواقعيّة السحريّة، الّتي كان أحد أعمدتها جابريل غارسيا ماركيز، لا لشيء سوى أنّها لا تهتمّ بالمدارس الأدبيّة إلّا حين تُدرّسها: "بينما أكون منهمكة بالكتابة، فإنّ ما يعنيني أن أجلس هنا، مع كومة كبيرة من الورق الأصفر الفارغ... ماذا أقول؟ أنا واقع سحريّ؟ كلّ موضوع يتطلّب شكله الخاصّ".

 

محرّرين أفضل لنصوصنا

عن بداياتها تقول: "أردت أن أكون قارئة فقط. اعتقدت أنّ كلّ ما نحتاج إلى كتابته قد كُتب حقًّا، كتبت الكتاب الأوّل فقط لأنّني اعتقدت أنّه لم يُكتب من قبل. وأنا أختلف مع الادّعاء القائل بأنّنا نكتب لأنفسنا؛ هذا يبدو فظيعًا للغاية ونرجسيًّا أيضًا. المطلوب أن نعرف كيف نقرأ أعمالنا الخاصّة - أي مع تلك المسافة الحرجة اللازمة – وهو ما يجعلنا كتّابًا أفضل ومحرّرين أفضل لنصوصنا. عندما أدرّس الكتابة الإبداعيّة، أتحدّث دائمًا عن كيفيّة تعلُّم قراءة أعمالنا الخاصّة، لا أقصد الاستمتاع بها، أعتقد أنّه لا يمكننا الاستمتاع بما نكتب؛ لأنّنا كتبناها أصلًا، لكنّي أقصد أن نبتعد عنها ونقرأها، كما لو أنّها المرّة الأولى الّتي نراها، ثمّ نحاول نقدها بهذه الطريقة".

‘إنّ أحد أهمّ الأشياء الّتي نحتاج إلى معرفتها عندما نكون في أفضل حالاتنا: كيف تبدو الغرفة؟ هل ثمّة موسيقًى؟ هل هناك صمت؟ أهناك فوضًى أم أن ثمّة صفاء في الخارج؟ إلامَ أحتاج من أجل إطلاق مخيّلتي؟‘

تكاد الفترة الصباحيّة تكون أهمّ ما يميّز عادات موريسون الكتابيّة: "أدركت أنّني كنت أكثر وضوحًا وأكثر ثقة وأذكى بشكل عامّ في الصباح. عادةُ الاستيقاظ مبكّرًا، الّتي بدأت عندما كان أطفالي صغارًا، أصبحت خياري الآن. أحسّ أنّني لست مشرقة أو بارعة أو مبدعة جدًّا بعد غروب الشمس"، تضيف: "في البداية، اعتقدت أنّني لم أمارس طقوسًا، لكنّني تذكّرت أنّني دائمًا أستيقظ وأصنع فنجانًا من القهوة، بينما يسود الظلام - يجب أن يكون المكان مظلمًا - ثمّ أشرب القهوة وأراقب تسلّل الضوء. قلت: حسنًا، هذه طقوس. الضوء بالنسبة إليّ هو إشارة للمرحلة الانتقاليّة، ليس الضوء ذاته، إنّه موجود قبل وصوله إليّ، إنّها الحالة الّتي تتملّكني. أسأل نفسي دائمًا، وأقول لطلبتي: ‘إنّ أحد أهمّ الأشياء الّتي نحتاج إلى معرفتها عندما نكون في أفضل حالاتنا: كيف تبدو الغرفة؟ هل ثمّة موسيقًى؟ هل هناك صمت؟ أهناك فوضًى أم أن ثمّة صفاء في الخارج؟ إلامَ أحتاج من أجل إطلاق مخيّلتي؟‘".

 

استبدال الانضباط بالإكراه

وعلى الرغم من ذلك كلّه، يتملّك توني موريسون إحساس دائم باستعصاء الكتابة في كلّ الأوقات: "أنا غير قادرة على الكتابة بانتظام. لم أتمكّن قطّ من القيام بذلك؛ لأنّني كنت دائمًا لديّ وظيفة من التاسعة حتّى الخامسة. اضطررت إلى الكتابة إمّا بين تلك الساعات، على عجل، وإمّا قضاء الكثير من عطلة نهاية الأسبوع وأوقات ما قبل الفجر. لقد حاولت التغلّب على عدم وجود مسافات منتظمة عن طريق استبدال الانضباط بالإكراه. حاولت استخدام المسجّل الصوتيّ كي أتغلّب على ضيق الوقت، لكنّي لم أنجح. لا أثق بكتابتي الّتي لم تكتمل كتابتها؛ أقصد أنّني لا أثق بصوتي. عندما أريد أن أكتب، عليّ أن أكتب ذلك فعلًا، بيدي، على الرغم من أنّني أعمل بجدّ في المراجعات اللاحقة لإزالة المفتعل منها، لإعطائها مزيجًا من اللغة الغنائيّة والمعياريّة والعامّيّة. أعتقد أنّ الجمع بين كلّ هذه الأشياء في شيء واحد أكثر حيويّة وتمثيلًا، لكنّني لا أثق بشيء يحدث لي، وبعد ذلك يكون التحدّث فيه ونقله على الفور إلى الصفحة".

أنا غير قادرة على الكتابة بانتظام. لم أتمكّن قطّ من القيام بذلك؛ لأنّني كنت دائمًا لديّ وظيفة من التاسعة حتّى الخامسة. اضطررت إلى الكتابة إمّا بين تلك الساعات، على عجل، وإمّا قضاء الكثير من عطلة نهاية الأسبوع وأوقات ما قبل الفجر

وعن علاقتها بالناشرين تقول: "لقد فهمت العلاقة العدائيّة الّتي تحدث في بعض الأحيان بين الكتّاب والناشرين، إنّها علاقة فيها من الشدّ والجذب ما فيها. لكنّني تعلّمت مدى أهمّيّة محرّر الصحف، وهو ما لا أعتقد أنّني كنت سأعرفه من قبل. أنت ترتكب الأخطاء، فأنت أفضل حالًا وحدك. ولكنْ يوجد محرّرون نادرون ومهمّون جدًّا يستحقّون البحث عنهم، وستتذكّر دائمًا متى كان لديك محرّر يسلّط الضوء على زوايا مهمّة، كانت غائبة عنك".

 

تحرّر من الطهرانيّة

تتّخذ موريسون موقفًا متحرّرًا من النزعة الملائكيّة أو الطهرانيّة المفرطة في الكتابة، وتشير إلى أنّها مهتمّة بتعقيدات الأحداث وهشاشة الفكرة. لا تقدّم عبر كتابتها مقولة "هذا ما أؤمن به"؛ لأنّ ذلك لن يكون كتابًا، بل مجرّد قصّة حقيقيّة حدثت. المشاعر بوصفها خلاصة التحيّزات والقناعات مثل الآخرين تمامًا. تقول: "حسنًا، لو حاولت كتابة ما أؤمن به، وافترضنا أنّه كان خطأً! ماذا يمكن أن يكون؟ أو لا أعرف ما هو عليه، لكنّني مهتمّة بمعرفة ما قد يعنيه ذلك بالنسبة إليّ، وكذلك بالنسبة إلى الأشخاص الآخرين"، وعلاوة على ذلك: "لا يمكن أن أرضى عن نصّ بشكل تامّ ونهائيّ ومطلق، أتذكّر أنّني قضيت صيفًا كاملًا في كتابة شيء أُعجبت به كثيرًا، لكنّني لم أستطع العودة إليه حتّى فصل الشتاء. عدت واثقة بأنّ تلك الصفحات الخمسين كانت من الدرجة الأولى حقًّا، ولكن عندما قرأتها، كانت كلّ صفحة من الصفحات الخمسين مروّعة، كانت حقًّا أسوأ ما يمكن تصوّره".

 

كتابات البيض عن السود

تُظهر موريسون ميلها إلى الاطّلاع على شخصيّات السود في الأعمال الأدبيّة، وترى في ذلك كلّه عالمًا يستحقّ استكشافه. وجدت في كتابات مارك توين عن الأيديولوجيّة العنصريّة طريقة قويّة وبليغة وتعليميّة، على حين واظبت على قراءة إدغار ألان بو، على الرغم من حبّه للتفوّق الأبيض والطبقة الأرستقراطيّة الأمريكيّة. ورغم ما كتبه همنغواي وفلانيي أوكونور وفولكنر وفيتزجيرالد في أعمالهم عن السود، إلّا أنّ ذلك لم يغيّر من موقفها تجاههم؛ فقد وجدت في قراءة أعمالهم اكتشافًا لخيالات الرجل الأبيض حول السود.

إنّ استخدام حياة بسيطة قد تتسبّب في إفساد حياة الآخرين، وله آثار أخلاقيّة كبيرة. هؤلاء يملكون حيواتهم، لديهم براءة اختراع عليها، يجب ألّا تكون مُتاحة للخيال

تبدو الشخصيّة الروائيّة في أعمال موريسون بنت خيالها البحت، بلا استدخالات أو إحالات من الواقع: "أنا لا أستخدم أيّ شخص أعرفه أبدًا. في رواية ‘The Bluest Eye‘، أعتقد أنّني استخدمت بعض الإيماءات والحوارات مع والدتي في أماكن معيّنة. لم أفعل ذلك منذ ذلك الحين. أنا حقًّا ضميريّة جدًّا حول ذلك، لا أفعل ما يفعله العديد من الكتّاب ولا أريد أن أفعله. هذا الشعور مستحوذ لدى الفنّانين - المصوّرين، أكثر من الآخرين، وأعتقد أنّ الكتّاب أيضًا يتصرّفون ببعض الشيطانيّة، هذه العمليّة تشبه تناول شيء حيّ واستخدامه للأغراض الشخصيّة. إنّ استخدام حياة بسيطة قد تتسبّب في إفساد حياة الآخرين، وله آثار أخلاقيّة كبيرة. هؤلاء يملكون حيواتهم، لديهم براءة اختراع عليها، يجب ألّا تكون مُتاحة للخيال".

 

الجنس في الكتابة

في مبحث الجنس، وهو من الثيمات المهمّة الّتي ظهرت في الكثير من أعمالها، تنظر موريسون إلى الكتابة عن الجنسانيّة بلا إغفال دور القارئ فيها، تتبنّى فيها نهجًا مثيرًا للخيال، حالة من حالات الاقتراب الحذر في التصوير والكتابة. تقول: "دع القارئ يجلب حياته الجنسيّة إلى النصّ. لقد كتبتْ كاتبة - أُعجبت بها عادة - عن الجنس بأكثر الطرق إزعاجًا، ثمّة الكثير من المعلومات. كانت حين تقول مثلًا ‘منحنى جسدها‘، يتملّكك إحساس بأنّها طبيبة نسائيّة. جيمس جويس مثلًا، تمكّن من الإفلات من ذلك، قال كلّ تلك الكلمات المحرّمة، وقال ’مهبل‘، كانت الكلمة أشبه بالصدمة. هذا النوع من الكلمات يمكن أن يكون استفزازيًّا، ولكن بعد فترة تصبح في غاية الرتابة بدلًا من الإثارة. الإقلال من الإسهاب دائمًا أفضل. يعتقد بعض الكتّاب أنّهم إذا استخدموا كلمات قذرة فسينجزون المهمّة. يمكن لذلك أن يؤدّي المهمّة فترة قصيرة، ولخيال صغير وضئيل جدًّا، لكن بعد فترة من الوقت لن ينجح ذلك".

 

 

أمير داود

 

 

كاتب وباحث في الشأن الثقافيّ من فلسطين. يكتب في منابر عربيّة وفلسطينيّة، صدرت له مجموعة نصوص سيريّة بعنوان "صديق نقطة الصفر".

 

 

 

تعليقات Facebook