"جراح تجرّب نفسها"... وشعر يستدعي جراحًا

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

منتشيًا

وضاحكًا

عائدًا من سفري البعيد

مُحدقًا في طريقي الطويل

حافظًا سكّتي

مُغمّضًا عيني

فاتحًا ذراعي

جاهزًا لأيّ حضن قادم

ناسيًا تمامًا

أنّني قطار

[حامد عاشور، "قطارات مودِّعة"، جراح تجرّب نفسها (ص 101)].

 

"تلقٍّ مختلف للعالم"

صدرت المجموعة الشعريّة "جراح تجرّب نفسها" في عمّان، عن "دار الأهليّة للنشر والتوزيع" و"مؤسّسة عبد المحسن القطّان" عام 2018، وقد جاءت في 103 صفحات من القطع المتوسّط، وهي تحتوي على 35 قصيدة.

 

 

حصلت المجموعة على إشادة لجنة تحكيم "مسابقة الكاتب الشابّ" لعام 2017 من القطّان، وتوصية بالنشر، وهي أوّل إصدار لمؤلّفها الفلسطينيّ حامد عاشور (25 عامًا)، والّذي يعيش في مدينة رفح في قطاع غزّة. وقد جاء في نصّ بيان لجنة تحكيم المسابقة ما يأتي: "تقدّم هذه المجموعة موهبة يجب تشجيعها، ومخيّلة نشطة، ونبرة شخصيّة في الكتابة تستحقّ الانتباه، وتنطوي على عمل شعريّ ممتع ومدهش ومتدفّق وغنيّ، لغةً وإيقاعًا وصورًا ورؤيا، مقدّمًا شعرًا ناجمًا عن تلقٍّ مختلف للعالم، وثقة بالنفس كافية لتمنح الأشياء فرصة كي تقول نفسها بنفسها".

أقدّم في هذه المقالة قراءتي للمجموعة، مؤمنًا أنّ الشعر لا يمكنه أن يمشي على قدم واحدة، وبالتأكيد لا يمكنه أن يمشي على قدمين متساويتين، الشعر دائمًا يعرج.

 

أحمر

لا تختلف فكرة تصميم الغلاف عن بقيّة أغلفة كتب "دار الأهليّة للنشر والتوزيع"، ولا سيّما الكتب الّتي تُنشر بالتعاون مع "مؤسّسة عبد المحسن القطّان"، ضمن مسابقة "الكاتب الشابّ"، فكلّها من تصميم الفنّان زهير أبو شايب.

نجد عنوان المجموعة "جراح تجرّب نفسها"، الّذي كُتب على الغلاف الأماميّ، قد تُرجم إلى الإنجليزيّة على الغلاف الخلفيّ إلى 'WOUNDS THAT LICK THEMSELVES'، وهنا نلاحظ أنّ كلمة "تجرّب"، المفتوحة على معانٍ واسعة في اللغة العربيّة، قد حُصرت في اللغة الإنجليزيّة إلى معنًى واحد، أو ربّما تُرجمت خطأً، فكلمة 'LICK' تعني "يلعق"؛ فهل هذا هو المعنى المحدّد الّذي يقصده الكاتب؟ أو أنّ هذا ليس إلّا مجرّد خلل فنّيّ؟ ربّما نجد الإجابة في صفحة 77، في قصيدة تحمل نفس عنوان الكتاب؛ إذ يقول فيها الشاعر:
لا لشيء خُلِقت

إنّما...

لأنّه - وبطريقة ما -

ثمّة جراح تريد أن تجرّب نفسها

 

أمّا لوحة غلاف هذا الكتاب فهي للفنّان الفرنسيّ رومبير لوبان، ونرى فيها أنّه استخدم لونًا واحدًا فقط هو الأحمر وتدرّجاته، وقد اعتمد على المساحات البيضاء لتغطّي الفراغات أو ربّما لتصنعها.

وبأخذ عنوان المجموعة "جراح تجرّب نفسها" بعين الاعتبار، نرى أنّ استخدام اللون الأحمر دليل على الدم، لكن ما من شيء يؤكّد إذا كان هذا الدم مصوّرًا هنا، على أنّه لا يزال يخرج من الجرح، أو أنّ ثمّة دمًا قد أُخذ من الجرح وخُطّ به ما نراه أمامنا. نلاحظ أيضًا في الغلاف اعتمادًا كبيرًا على الخطوط أو الحدود المنحنية، وقليلًا على الخطوط المستقيمة، كما نلاحظ هنا تركّزًا متكرّرًا للّون الأحمر، يبدأ في جهة ويخفّ تركّزه إلى أن يتلاشى في الجهة الأخرى. والأشكال في اللوحة متلاصقة جدًّا وغامضة. لا بدّ أنّ كلّ هذا يوحي أو يمهّد لمدلولات شعريّة.

جرح مَنْ؟ ومَنْ تسبّب فيه؟ بالنسبة إليّ، لا بدّ للوحة الغلاف لأيّ كتاب أن تؤدّي دورين، دور يأتي قبل القراءة، وهو أن تثير فيك أسئلة تدفعك إلى قراءة الكتاب لتعرف الإجابة، ودور يأتي بعد القراءة، وهو أن تشعرك بأنّ اللوحة تتكامل مع ما قد انتهيت من قراءته. نجحت هذه اللوحة في دورها الأوّل؛ فهل ستنجح في دورها الثاني؟

يهدي الشاعر مجموعته إلى الّذين جاؤوا حياتَه "يحملون تلويحات وداع" متبوعة بصفحة - ليست فيها صيغة إهداء مباشر - يصبّح الشاعر فيها على كلٍّ من ريم بنّا ومهنّد يونس؛ فهل ثمّة علاقة بين هاتين الصفحتين؟ وهل من الطبيعيّ ألّا يكون لهما علاقة ببعضهما بعضًا، وألّا يشكّلا انسجامًا مع جوّ المجموعة؟

 

تمرّد

وفي أولى قصائد المجموعة الّتي تحمل عنوان "تمرّد"، يخبرنا الشاعر بتمرّده على خيبات كثيرة، أبرزها الوحدة، الّتي تمثّل الموضوع الأساسيّ في أغلب قصائد هذه المجموعة، في محاولة ليصوّر لنا بشاعة هذا النوع من الجراح على المستوى النفسيّ؛ فهي تجرّب نفسها في غير قصيدة، وفي غير زاوية، معتمدًا على عناصر متشابهة في غير مكان، وهو ما يعطي القارئ شعورًا حقيقيًّا بالوحدة والاختناق، فتتحقّق الغاية من القصائد. لكن هل يغفر الشعر هذا القدر من تكرار المفردات من أجل هذه الغاية؟ هل تكون السهام الّتي يمكن أن نصوّبها على المجموعة مرامَ الشاعر أصلًا؟

فنحن نرى الشاعر قد استخدم كلمة "باب" في جمل كثيرة جدًّا، مثلًا في النصف الأوّل من الكتاب ذكر: "ثمّ أغلق عليه الباب"، "أريد أن أصافح بابًا"، "لو كان لي طفلٌ أسمّيه بابًا"، "ولا الطريق إلى الباب الّذي تقفين خلفه"، "اقتنيتَ بابًا للبيت"، "يفتح الأبواب كلّها ويبقى هو مغلقًا"، "وأبوابًا مفتوحة إلى نصفها". هل ذكر الشاعر الأبواب كثيرًا وكأنّه يقول إنّ جراحه أبواب؟

مسكين يا أخي الباب

تفتحُ قلبك لكلّ مَنْ قبضَ

على يدك...

["أخي الباب" (ص 72)].

 

تكرار

يكرّر الشاعر أفكاره عبر مجموعته، كما يقتبس أفكارًا مطروقة في الشعر العربيّ والعالميّ، فمثلًا نجد أنّه ذكر في قصيدة "إلى أصلها تعود الأشياء" (ص 29):

يا صديقتي المرآة

ستصبحين ترابًا

هذا لأنّكِ بالأصل

إنسان؟

 

ليعود في قصيدة "هؤلاء البشر" (ص 70)، ليذكر الفكرة ذاتها بصياغة أخرى:

أشعر بسخافتي

كلّما تذكّرتُ أنّني تراب

على أيّ شيء يتفاخر هؤلاء؟

 

ونجد في قصيدة "أشياء بسيطة" (ص 21) فكرة مستهلكة في كلّ الفنون تقريبًا:

أشياء بسيطة

كأن تكتبَ حربًا

ثمّ تتأمّلَ حرف الراء

الّذي انزلقتْ عبره الأمم للقاع

حوِّله لأرجوحة

وامرح مع ما تبقّى من الأحياء

 

ونجد في مقطع آخر أنّ الشاعر قد زجّ - بقصد أو غير قصد - بفرضيّة قديمة ومعروفة في علم النفس، فلا يقدّم المقطع الآتي من قصيدة "شذرات" (ص 55)، أيّ جديد على المستوى الفنّيّ أو المعرفيّ:

زلّة اللسان

أصدق ما يمكن قوله

 

ويعتمد الشاعر في بعض نصوصه على تكرار لفظ أو تركيب في بداية كلّ مقطع أو نهايته، وحدث ذلك في 10 قصائد - من أصل 35 قصيدة – وهنا سأذكر اسم القصيدة وما كرّره الشاعر فيها: "تمرّد: أريد أن..."؛ "لأنّ الوحدة تحتاج إلى شريك: لم نكن..."؛ "نسيان: ليس لديّ..."؛ "الحكاية من لسان الذئب: لتكون..."؛ "ماذا تريد امرأة أحبّها؟: إذا كنتِ تريدين..."؛ "لم تكن كلمات فحسب: ليس لدينا..."؛ "ميّت في نزهة: أخرجُ..."؛ "وحدة: ماذا يعني لو..."؛ "كلمات خلف الذاكرة: خُذ..."؛ "هؤلاء البشر: تقول...".

 

ثنائيّات

ويعتمد الشاعر أيضًا على كثير من الثنائيّات الواردة في كثير من الأدبيّات عربيًّا وعالميًّا، مثل: الورد في الحديقة والورد في المزهريّة؛ الحطّاب والغابة؛ ليلى والذئب؛ العصفور في اليد والعصافير على الشجرة؛ النعامة ودفن الرأس؛ النهر والضفّتان؛ الصيّاد والغزالة؛ الباب وأمّه الغابة؛ العين والدود؛ وغيرها.

في نظري، هذه الثنائيّات طرقها كثير ممّن يكتبون الشعر حاليًّا، فاستُسهلت واستُهلكت، كأنّها أصبحت السبيل الوحيد لتصبح شاعرًا، حتّى لو لم تكن هذه العناصر موجودة في وعي الشاعر أو بيئته، وكأنّ مهمّة الشاعر أصبحت تتوقّف على أن يُشبه غيره في كتاباته، كما يشبه نجّار غيره من النجّارين في صنعه خزانة فيُقال عنه نجّار مُتقِن. وأقول، حتّى لو كان استخدام الشاعر هنا مختلفًا في بعض الأحيان عن استخدامات غيره، فإنّ السؤال يبقى قائمًا عن سبب انحصار الشعر هذه الأيّام في هذه المواضيع، وكأنّ ثمّة مرجعًا في كتابة الشعر يحويها، ويؤكّد ضرورة وجودها في عقل كلّ شاعر وروح كلّ قصيدة! وجود عدد قليل من الأفكار المعروفة أمر لا بأس به، ولا سيّما لو كان الشاعر يحاول أن يتميّز باستخدامه هذا الشيء عمّن سبقوه، لكنّ الإكثار من ذلك يُضعف العمل حتّى لو عرضها كلّها بطريقة غير مسبوقة.

نلاحظ أيضًا، ظهور التأثّر الدينيّ في بعض عناوين المجموعة، مثلًا في قصيدة عنوانها "ستّة... سابعهم خوفهم"، وقصيدة أخرى بعنوان "قاب غمّازتين أو أدنى".

 

تقسيم السطور

تبرز ظاهرة أخرى في هذه المجموعة تدعو إلى التفكير، لما قد تسبّبه من إعاقة الانسجام، فعلى سبيل المثال في المقطع أدناه، على الرغم من جمال فكرته وشاعريّته، إلّا أنّنا نواجه صنعة مفرطة في تقسيم سطوره. لو كان ثمّة كلمة حقًّا يجب أن نتوقّف عندها لأنّها ضروريّة أو صادمة، لتوقّفنا عندها حتّى لو كانت بين سطور عديدة، أمّا أن تضع القارئ أمام الأمر الواقع هكذا؛ فلربّما يشغله أمر السطور والهدف من اقتطاعها، وهو ما سيقلّل فرص وقوعه في فخّ الانسجام.

على الوجه نفسه

تحت الحاجب نفسه

في منتصف الرأس

جنبًا

إلى جنب

نغفو

وندمع

لعشرات السنين

ولا نلتقي

- عين تقول للأخرى

["عن العين والنظرة" (ص 87)].

 

صنعة وموهبة

يقول الشاعر في مقطع من قصيدة "لو كان لي طفل" (ص 14):

الطويلة جدًّا الّتي اعتادت على الوحدة

والّتي كان بإمكانها أن تستيقظ

قبل أن يأتيها المخاض

أنجبتْ سريرًا

يتمدّد إلى جوار حائط

وينام معه يدًا بيد

 

أعتبر هذه القصيدة من أفضل القصائد في المجموعة، من حيث بناؤها الفنّيّ المُحكَم. ولو كان ثمّة أنطولوجيا تجمع أجمل ما كتبه الكتّاب الشباب في فلسطين شعرًا، لوجب أن تكون هذه القصيدة واحدة منها. 

وعلى غرار هذه القصيدة في تحقيقها هذا المستوى الجماليّ، ثمّة قصائد عديدة لافتة في المجموعة، تندمج فيها الصنعة والموهبة بشكل لافت، مثلًا: مثلًا: "لو كان لي طفل" (ص 13)، "ارتحال في النهر" (ص 31)، "قلب مفتوح" (ص 52)، "جراح تجرّب نفسها" (ص 77)، "عن العين والنظرة" (ص87) "تجاهل" (ص 91)، "حياتي القادمة" (ص 95)، "قطارات مودّعة" (ص 101).

يتابع الشاعر إبداعه في استخراج المفاجِئ من المتوقّع في قصيدة "إلى أصلها تعود الأشياء" (ص 28):

أنتَ فقط سيخونك الظنّ

ليس لأنّكَ في قفص

يعني بالضرورة أن تصبحَ عصفورًا.

لو عادت الأشياء إلى أصلها

أنتَ يا قلب

ستصبح حجرًا

 

ويتابع في قصيدة "ارتحال في النهر" (ص 32)، إبراز عينه الشعريّة - العالية الدقّة والجودة - فيقول:

كلّ قطرة ماء

تظنّ نفسها النهر كلّه

والباقيات

مرايا

 

وبدقّة وجودة أعلى، يقول في قصيدة "أشجار وجثث" (ص 45)، مقارنًا بين صورتين:

كما يقف تلاميذ المدرسة

تقف الأشجار في الغابة المجاورة

بالزّيّ الموحّد

والأحجام المختلفة

والأعمار المتفاوتة

 

صراع

إذن، يمكننا أن نقول إنّنا نرى في هذه المجموعة صراعًا في بطن الشاعر، بين الشعر بما هو عليه والشعر كما يجب أن يكون. والسهام الّتي يمكن أيّ قارئ أن يُطلقها على هذه المجموعة، هي في النهاية جراح ستنضمّ لما في المجموعة من جراح. لكن على عكس موقفنا تجاه الجراح الواقعيّة؛ فنحن نحبّ هذه الجراح في القراءة الأولى، ونتنبّه لها في الثانية أو الثالثة.

في خاصرة الحاضر

سهمان

الماضي

والمستقبل

["شذرات"  (ص 51)].

 

 

يحيى عاشور

 

شاعر فلسطينيّ من مواليد غزّة عام 1998. يدرس علم الاجتماع وعلم النفس في جامعة الأزهر – غزّة. عضو في عدد من الأطر والمبادرات الأدبيّة والأكاديميّة. حصل من "برنامج اليس" على منحة للتبادل الثقافيّ مدّتها عام في ولاية أوهايو الأمريكيّة. له مجموعة شعريّة بعنوان "أنت نافذة... هم غيوم" (مؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ، 2018)، وهو حاصل على جائزة "كتابي الأوّل" من مؤسّسة تامر.

 

 

تعليقات Facebook