مديرته

 

بردت القهوة في الفنجان من غير أن تمسّها شفتاه. استمرّ عبدالله لأكثر من ربع ساعة يحدّق بشرود في التقرير الّذي وبّخته المديرة بشأنه وطلبت منه تصحيحه. ومشكلته الآن أنّه بدأ يشعر بتصلّب مزعج في أصابعه يمنعه من العمل في التقرير مرّة ثانية.

من خلف شاشة حاسوبها، ظلّت زميلته في المكتب تراقب إيماءات الكَدَر البادية في وجهه، ثمّ اقترحت عليه المساعدة في التقرير، فرفض، من غير أن يرفع عينيه في عينيها.

 ما لبث أن قام من مقعده ووقف أمام نافذة المكتب الّتي تطلّ على موقف سيّارات خلفيّ. شعر بدوار خفيف أثناء الوقوف، وفكّر أنّ هذا قد يكون نتيجة ما يكبت من غضب بعد رجوع التقرير، فأخذ نفسًا طويلًا محاولًا تهدئة أعصابه. في هذه الأثناء، شاهدَ سيّارة جيب دفع رباعيّ تدخل إلى باحة الموقف وتتّخذ لها مكانًا للاصطفاف. ومن خلال المسافة غير الكبيرة الفاصلة بين نافذة المكتب وسيّارة الجيب، استطاع مشاهدة السائق وهو يُحادث المرأة الجالسة بجواره. بدا له حديثهما حادًّا متشنّجًا، على الرغم من أنّه لم يكن بمقدوره سماعه، لكنّ حركاتهما الهائجة أظهرت أنّهما في غضب عارم، وقد يكونان على وشك اشتباك بالأيدي.

"أتودّ فنجان قهوة جديدًا؟"

من خلفه أتاه الصوت الدافئ لفتاة المطبخ العاملة في المكتب. لفّ ظهره، وافق، وشكرها. أحسّ أخيرًا بمزاج مُواتٍ لشرب القهوة، ثمّ عاد يراقب ذَينك الاثنين في السيّارة.

لم يبدُ أنّ أزمتهما ستنتهي بخير، فيداهما تزدادان تشويحًا وتهديدًا في كلّ دقيقة تالية. فجأة، فتحت المرأة باب السيّارة ونزلت منها، فنزل الرجل أيضًا من ناحيته، وتابعا تراشق الشتائم والتهديدات من على جانبَي السيّارة. أصبح الآن صراخهما مسموعًا إلى حدّ ما لعبدالله من خلف النافذة، كما أنّه غدا قادرًا على تأمّل هيئتيهما في محاولة اكتشاف العلاقة بينهما. بدا له الرجل أربعينيًّا بمعطف طويل يدلّ - مع السيّارة بالطبع - على الثراء. أمّا المرأة، فلم يستطع تخمين سنّها أو تمييز حالتها الاقتصاديّة من هيئتها؛ فكلّ مَنْ يعرفهنّ من النساء – لو استثنينا فتاة المطبخ - يبدون له على الدوام متأنّقات، أكثر ممّا هو مُحتمَل، وبأعمار صعبة التحديد. كما أنّه لم يستطع تخمين العلاقة الّتي تربط المرأة بالرجل؛ قد تكون زوجته، حبيبته، شقيقته، أو حتّى زميلته في العمل. في كلّ الأحوال، التساؤل حول نوع العلاقة بينهما لم يعُد مهمًّا لعبدالله بالنظر إلى التفاقمات الّتي يشهدها المشهد أمامه...

كان واضحًا أنّ الصياح والتهديد عن بُعد بين الرجل والمرأة لم يشفِ غليلهما، فمع استعار الشجار، كأنّما شعرا بحاجة أكبر إلى الاقتراب، حتّى واجها بعضهما بعضًا عند مقدّمة السيّارة. وتحسّبًا لأيّ تطوّرات تستدعي التدخّل وقد اقتربا من بعضهما بعضًا إلى هذا الحدّ، جوّل عبدالله عينيه سريعًا في أرجاء موقف السيّارات. كان المكان فارغًا من الناس، ولم تكن من أبنية حول الموقف سوى هذه البناية القديمة، الّتي يقع هذا المكتب في الطابق الثاني منها. في طابقها الأوّل مركز دروس خصوصيّة يفتح أبوابه مساءً؛ لذا فهو مُقفَل الآن. وفي طابقها الثالث تسكن عائلة عاملة، تقضي ثلثَي النهار خارج بيتها. هكذا، أدرك عبدالله أن لا أحد في الغالب يتابع بعينيه هذين المتشاجرَين سواه. 

بشكل مباغت، وفي حُمّى شجارهما، سحب الرجل المرأة من ذراعها ثمّ قبض رقبتها ليضرب برأسها في مقدّمة السيّارة. ارتعدت فرائص عبدالله. نوى الاتّصال بالشرطة، فهبّ إلى هاتف المكتب اللاسلكيّ، سحبه من قاعدته ثمّ عاد مسرعًا أمام النافذة، ليرى الرجل يكرّر ضرب رأس المرأة في مقدّمة السيّارة مرّات عدّة متتالية، وفي كلّ مرّة جديدة، كان يهوي به بعنف أشدّ من عنف المرّة السابقة. في الأثناء، تعلّق بصر عبدالله بهما كبرادة حديد مجذوبة إلى مغناطيس.

كان يريد الاتّصال بالشرطة، لكنّ التصلّب المزعج في أصابعه ظلّ يزداد شدّة، حتّى أنّه طرأ في ذهنه تساؤل خاطف عن كيفيّة استطاعته حمل الهاتف بهذه الأصابع. وإذ هو يتساءل، تنبّه فجأة إلى يديه فوجدهما فارغتين. نظر فورًا إلى القاعدة فوجد الهاتف يستريح فوقها كأنّه لم يُمَسّ. ذُعِر ونظر عبر النافذة، لم يرَ الرجل أو المرأة أو حتّى السيّارة، فكأنّما تبخّر ثلاثتهم أو غادروا في زمن قياسيّ.

تقهقر عبدالله إلى الخلف مشدوهًا، ولم يعرف منذ حينها حقيقة ما اختبره أمام النافذة في ذلك اليوم.

 

 

ميس داغر

 

كاتبة قصّة قصيرة تقيم في بير زيت. لها مجموعتان قصّصيّتان، "الأسياد يحبّون العسل" (مركز أوغاريت للنشر، 2013) و"معطف السيّدة" (الأهليّة للنشر والتوزيع، 2017)، ورواية لليافعين "إجازة اضطّراريّة" (الأهليّة للنشر والتوزيع، 2016). حاصلة على جائزة الكاتب الشابّ من مؤسّسة عبد المحسن القطّان لعام 2015.

 

 

تعليقات Facebook