الرواية العربيّة الأولى في الدولة العبريّة

مهجّرون فلسطينيّون يغادرون حيفا عام 1948


هل الرواية العربيّة الأولى الّتي صدرت في الدولة العبريّة، هي رواية المحامي النصراويّ توفيق معمر، وعنوانها "مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة"؟ أم ثمّة روايات أسبق منها؟

صدرت رواية توفيق معمّر عام 1958 في الناصرة عن "مطبعة الحكيم"، وكانت حقوق النشر محفوظة للمؤلّف، وصنّفها كاتبها على أنّها قصّة.

 

روايات أسبق

في كتاب منار مخّول الصادر مؤخّرًا، "سيسموغرافيا الهويّة: الانعكاسات الأدبيّة لتطوّر الهويّة الفلسطينيّة في إسرائيل 1948 - 2010"، الصادر عن مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة عام 2019، وقد ترجمه نصّار إبراهيم، وحرّر الترجمة إياد برغوثي، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه أنجزها الباحث في جامعة كامبردج، ذهب الباحث إلى أنّ رواية "مذكّرات لاجئ" هي الرواية العربيّة الأولى في الدولة العبريّة.

في كتاب منار مخّول الصادر مؤخّرًا، "سيسموغرافيا الهويّة: الانعكاسات الأدبيّة لتطوّر الهويّة الفلسطينيّة في إسرائيل 1948 - 2010"... ذهب الباحث إلى أنّ رواية "مذكّرات لاجئ" هي الرواية العربيّة الأولى في الدولة العبريّة.

في كتاب محمود عبّاسي "تطوّر الرواية والقصّة القصيرة في الأدب العربيّ في إسرائيل 1948 - 1976" - وهو أيضًا أطروحة دكتوراه من الجامعة العبريّة، وقد صدر بالعربيّة عن "مكتبة كلّ شيء" و"دار المشرق" عام 1998، وأنجز ترجمته حسين محمود حمزة - في كتاب عبّاسي ذكر لروايات أخرى أسبق؛ فالدكتور عبّاسي يُشير إلى روايات "العالم السعيد" (1951) لعزرا منشه عابد، وهو من يهود العراق، و"ليالي حزيران" (1945) لحنّا أبو حنّا، و"الزوجة الخائنة" (1954) ليوسف أبو حسين ومحمود عبّاسي، و"القضاء والقدر" (1954) لكامل نعمة. ومع ذلك، فإنّ عبّاسي حين يدرس الروايات يبدأ بدراسة رواية "مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة"؛ فهل يعني هذا ضعف الروايات الأسبق منها، وعدم اعتبارها روايات؟ في الصفحة 88 من الكتاب، يبدأ عبّاسي بتحليل الروايات، كلّ على حدة، حسب الترتيب الزمنيّ الّذي نُشرت به الرواية، وهو لا يدرس الروايات الأسبق لرواية توفيق معمّر.

 

التجنيس

في مقدّمة رواية توفيق معمّر، وعلى الغلاف أيضًا، لا يستخدم الكاتب دالّ رواية، وإنّما يستخدم كلمة "الكتاب": "إنّ موضوع هذا الكتاب"، ثمّ يكرّر كلمة "قصّة": "هو قصّة"، و"من هنا نشأ اهتمامي بالموضوع حتّى انتهى إلى وضع هذه القصّة الواقعيّة، ونشرها على الملأ"، و"يجد القارئ في ثنايا القصّة"، و"أمّا بشأن موضوع القصّة والرأي الّذي تعبّر عنه"، و"أرجو أن تتقبّل السلطات الإسرائيليّة هذه القصّة، بما يتّفق وحرّيّة الرأي".

وقد حلّل منار مخّول الكتاب، وتوقّف أمامه على أنّه الرواية الأولى.

في العنوان، استخدام دالّ "مذكّرات"، ولكنّ الكتاب يناسب اللفظ/ التجنيس الّذي ورد في المقدّمة؛ أي القصّة لا المذكّرات. إنّه يذكّرنا برواية إسحق موسى الحسيني "مذكّرات دجاجة"، ولاحقًا برواية سحر خليفة "مذكّرات امرأة غير واقعيّة"، ورواية عبد الرحمن عبّاد "مذكّرات خروف". ترد كلمة "مذكّرات" في العنوان، ويقول المتن شيئًا آخر، والسؤال هنا هو: هل كان الكتّاب على قدر من الوعي بالأجناس الأدبيّة والتمييز بينها؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فلماذا قرأنا قصصًا وروايات لا كتب مذكّرات؟ ولماذا دُرست هذه الأعمال والدارسون يدرسون فنّ الرواية؟

 

في العنوان، استخدام دالّ "مذكّرات"، ولكنّ الكتاب يناسب اللفظ/ التجنيس الّذي ورد في المقدّمة؛ أي القصّة لا المذكّرات ... ترد كلمة "مذكّرات" في العنوان، ويقول المتن شيئًا آخر، والسؤال هنا هو: هل كان الكتّاب على قدر من الوعي بالأجناس الأدبيّة والتمييز بينها؟

 

تقسيم الرواية

على صفحة الغلاف الداخليّة لـ "مذكّرات لاجئ"، نقرأ الآتي:

" للمؤلّف:

 المتسلّل وقصص أخرى.

 مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة.

يصدر قريبًا:

 الحاضر الغائب.

(قصّة من خمسة عشر فصلًا)،

انتظروها".

لم أقرأ عن "الحاضر الغائب" أيّ مراجعة أو أيّ ذكر؛ فهل صدرت حقًّا؟ وإن كانت قد صدرت، فهل اختفت؟

تتشكّل قصّة "مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة"، المكوّنة من 124 صفحة، من مقدّمة وخاتمة وتسعة فصول عناوينها هي:

 مقرّ المناضلين.

 صديق المناضلين.

 النجدة.

 الهجوم.

 الحاجة إلى الأسلحة.

السطو على معسكر الجيش.

 كرّ وفرّ واستعداد.

 المعركة.

 الرحيل.

وممّا هو لافت في القصّة صورة الإنجليزيّ وقد بدت سلبيّة في المطلق؛ الجنرال سلّم حيفا وفلسطين لليهود، متمّمًا وعد بلفور، ثمّ صار جنرالًا في الأردنّ. كأنّنا ما رحنا ولا جئنا، وقد يصحّ وصف إميل حبيبي لنا بأنّنا ذوو ذاكرة عذراء.

 

قيمة وثائقيّة

لكتاب معمّر هذا "مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة" قيمة وثائقيّة كبيرة جدًّا، وأعتقد أنّ إعادة طباعته ضرورة وطنيّة، للحفاظ على الذاكرة الفلسطينيّة وعلاقتها بالدولة الإسرائيليّة، وعلاقة الفلسطينيّين بالنظام العربيّ.

وأنت تقرأ "مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة"، وتنظر في الواقع الفلسطينيّ، تلحظ تكرار المأساة؛ وهذا ما يعني أنّنا لم نتعلّم من ماضينا ولا نتعلّم. وممّا هو لافت في القصّة صورة الإنجليزيّ وقد بدت سلبيّة في المطلق؛ الجنرال سلّم حيفا وفلسطين لليهود، متمّمًا وعد بلفور، ثمّ صار جنرالًا في الأردنّ. كأنّنا ما رحنا ولا جئنا، وقد يصحّ وصف إميل حبيبي لنا بأنّنا ذوو ذاكرة عذراء.

لن أكتب الكثير عن الكتاب المهمّ أن يُعاد إصداره، ولسوف أرفق معه المقدّمة الّتي كتبها المؤلّف الحقيقيّ لا المؤلّف الضمنيّ؛ فالأخير غالب، وهو معلّم مدرسة ينضمّ إلى المقاومة في 1948، هو المؤلّف الضمنيّ ونحن نُصغي إليه يقصّ كشاهد عيان عن تسليم الإنجليز حيفا لليهود، بعد أن مهّدوا لذلك، ونُصغي إليه أيضًا يقصّ عن تخاذل الجيوش العربيّة؛ وهو ما أدّى إلى رحيل سكّان المدينة ونهب مخازنها وبيوتها.

ومشهد النهب الّذي رواه حيفاويّ شاهد المأساة يذكّرنا بما جرى في اللدّ، وكتب عنه إلياس خوري في روايته "أولاد الغيتو: اسمي آدم"، والكاتب الإسرائيليّ يورام كانيوك في كتابه "1948".

*****

مقدّمة "مذكّرات لاجئ أو حيفا في المعركة" كما كتبها توفيق معمّر:

إنّ موضوع هذا الكتاب هو قصّة، تقع حوادثها في حيفا في الأشهر الأولى من عام 1948، وتنتهي بعد ذلك في الأردنّ. إنّها تصوّر ناحية مهمّة من نواحي "الحرب الفلسطينيّة" والكفاح العربيّ، إبّان الحوادث الدامية الّتي سبقت رحيل العرب وخلاله وما بعده. وهي مستوحاة من صميم حياتنا وكفاحنا، ومبنيّة على اختبارات شخصيّة وانطباعات كان لها وقع أليم في النفوس.

لن أكتب الكثير عن الكتاب المهمّ أن يُعاد إصداره، ولسوف أرفق معه المقدّمة الّتي كتبها المؤلّف الحقيقيّ لا المؤلّف الضمنيّ؛ فالأخير غالب، وهو معلّم مدرسة ينضمّ إلى المقاومة في 1948، هو المؤلّف الضمنيّ ونحن نُصغي إليه يقصّ كشاهد عيان عن تسليم الإنجليز حيفا لليهود

إنّ هذه الكارثة الّتي نزلت بالعرب، وتناولت مصير شعب بأسره، وما رافقها من فوضًى وفساد وخيانة، لجديرة بالتدوين والنشر لتكون عبرة لأولادنا وأحفادنا من بعدنا؛ من هنا نشأ اهتمامي بالموضوع حتّى انتهى إلى وضع هذه القصّة الواقعيّة ونشرها على الملأ. ويجدر بي أن أوجّه انتباه القارئ الكريم، إلى أنّ ما جاء على لسان غالب عبد الكريم بطل القصّة، من أقوال ثائرة وعبارات هائجة في وصف الرحيل ومآسيه، وما أحاط بالحرب الفلسطينيّة من مؤامرات وخيانات، لهو قول حقّ، وهو أقلّ ما يجب أن يُقال في ظروف المحنة القاسية، إذا أخذنا بعين الاعتبار الجروح العميقة والآثار البعيدة المدى، الّتي خلّفتها في النفوس وفي كلّ مكان.

ويجد القارئ في ثنايا القصّة شروط الصلح اليهوديّة الّتي دار البحث حولها، بإشراف الجنرال ستو كويل قائد القوّات البريطانيّة، في دار البلديّة في حيفا، في الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 1948، بين الممثّلين العرب واليهود، وهي وثيقة تاريخيّة مهمّة أُثبِتُها كما حصلت عليها من السيّد إلياس الكوسا المحامي، الّذي حضر الاجتماع واشترك في أبحاثه.

وأمّا بشأن القصّة والرأي الّذي تعبّر عنه، فيما يتعلّق بالأسباب الّتي دفعت العرب إلى الرحيل، فإنّه رأي شخصيّ أعتنقه وأجهر به بقوّة، عملًا بحرّيّة القبول والفكر الّتي ننعم بها في إسرائيل. وأرجو أن تتقبّل السلطات الإسرائيليّة هذه القصّة، بما يتّفق وحرّيّة الرأي، وبرحابة الصدر، وطول الأناة الّتي تعوّدنا أن نلمسها في سلوكها، حيال كلّ ما يُقال ويُكتب بشأن مطالبنا وقضايانا، مستشهدًا بالكلمة الخالدة الّتي بعث بها فولتير العظيم إلى جان جاك روسو قبل مئتَي عام، يقول له فيها: "إنّي - وإن كنت لا أوافق على كلمة واحدة ممّا تقول - غير أنّني سأدافع حتّى الموت عن حقّك في قول ما تريد أن تقول"  .

الناصرة
توفيق معمّر المحامي.

 

 

د. عادل الأسطة

 

أستاذ جامعيّ وباحث. حاصل على الدكتوراه من جامعة BAMBERG في ألمانيا عام 1991. يكتب المقالة في الصحافة الفلسطينيّة والعربيّة. أصدر العديد من الكتب، منها: 'جداريّة محمود درويش وصلتها بأشعاره'، و'الصوت والصدى: مظفّر النوّاب وحضوره في الأرض المحتلّة'. يكتب القصّة القصيرة والرواية ويهتمّ بدراستهما.

 

 

تعليقات Facebook