هدى بركات: على العالم أن يمنح احترامًا أكبر للأدب والفنون

الروائيّة هدى بركات

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

تندرج هيئة البناء السرديّ عند الروائيّة اللبنانيّة هدى بركات تحت صفة الغرابة، والابتعاد عن المألوف؛ ففي كلّ عمل سرديّ لها، تظهر أدوات مغايرة، تربط الإنسان بعلاقات مركّبة بالواقع، تلك الآتية من مراسٍ بعيدة في الخيال.

عمليّة الربط هذه، تُتمّمها بركات عبر شخصيّات بأصوات مختلفة، محقّقة "بوليفونيا" أدبيّة، تُسهم في تعزيز ديمقراطيّة السرد. وتجمع بركات أحجيات الأماكن والزمن، بأسلوب مكفول بالسلاسة، فما يتسلّل في لغتها من انسيابيّة، يُسهم في عمق الاشتباك مع الوعي عند المتلقّي.

عن تجربتها الأدبيّة المكرّسة، وجدليّات الكتابة، وواقع المشهد الأدبيّ العربيّ، كان لفُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة معها هذا الحوار.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

فُسْحَة: بدايةً، ما الّذي يمكن أن يقدّمه المشروع الروائيّ للعالم الحديث؟

هدى: أرى أنّه غير منصف أن نحمّل فنّ السرد أكثر ممّا يحتمل؛ فالسرد يُعيد صياغة الواقع بصورة شخصيّة لا أكثر. يُفترض أن ينتظر الأدب والفنّ، من العالم الحديث، المزيد من الاحترام والتقدير، ولن يكون! فأنا محبطة!

 

فُسْحَة: أيّهما أهمّ في كتابة الرواية، اعتبارها عمليّة بحثيّة، أم التقاط التكنيك السرديّ المغاير مسارًا تجديديًّا؟ وماذا أضفت إلى أدواتك في "بريد الليل"؟

هدى: كلّ مبدع في الفنّ أو الأدب، يمتلك موهبة ومهارات، بالإضافة إلى مؤهّلات ومعارف، وخبرات وظروف، كلّها يقود إلى إنجازات تخصّ المبدع عن الآخر. أمّا ما ذُكر في السؤال فهذه مصطلحات وتسميات تخصّ النقّاد والباحثين، وهي خارج تفكير أيّ مبدع وتعبيره.

 

فُسْحَة: إلى أيّ مدًى يمكن الروائيّة أو الروائيّ، التخفّي خلف السطور؟ وهل تشعرين بأنّك تنجحين في ذلك؟ أم أنّ جذر هدى وملامحها الداخليّة تظهر في السرد؟

هدى: لا يشغل الروائيّ هذا الأمر، مَنْ ينشغل بهذا هم القرّاء، لسبب لا علاقة له بالرواية.

 

فُسْحَة: لاحظت في لغة هدى بركات، الابتعاد عن شاعريّة الكلمات، لكن ثمّة شاعريّة متوارية في سرد القناعات والمفاهيم واستدراجها، خلف الجملة، ولربّما الفقرة؛ كيف تؤذي الكثافة الشعريّة موضوعيّة السرد؟

هدى: الأسلوبان اللغويّ والأدبيّ يتمازجان؛ فمن التأسّس على بيان اللغة ومعانيها وبديعها، إلى النحت والاختلاف والتميّز، والأدب عبر أنواع الكلام: فنّا الشعر والنثر وفنّ السرد وفنّ القول، يُتيح الكثير لكلّ مبدع. ماذا تقصد بالكثافة الشعريّة؟ المجاز؟ فهو موجود في الكلام اليوميّ، كما أنّه موجود في النثر قبل الشعر، وفي القول قبل السرد. ماذا تقصد بموضوعيّة السرد؟ القيمة؟ فهي موجودة في كلّ أقسام الكلام، وأمّا الأدب فلا يقدّم طرقًا لممارسة العلوم وكشف الحقائق العلميّة!

 

فُسْحَة: كيف ترين انتقال بعض الشعراء إلى كتابة الرواية؟ هل في ذلك أيضًا إضافة إلى العالم الروائيّ؟ ولماذا هيمنة الرواية خلال العقدين الأخيرين على الشعر؟

هدى: لا أحد ينتقل من وإلى. ما خبرته عبر هذه السنوات، أنّ ثمّة من المبدعين والمبدعات مَنْ يتملّك أساليب تفتح لهم إمكانيّات الكتابة، في كلّ أقسام الكلام، وإنّما مَنْ يقتصرون على نوع أدبيّ واحد ليس بالضرورة أنّهم ينشرون كلّ ما يكتبون، أو أنّهم يُدركون طاقات الإبداع لديهم ونُموَّها عبر السنوات. ولا توجد هيمنة، هذا مصطلح سياسيّ، وأمّا كثرة الروايات فهل هي حقًّا روايات؟ هل يتوهّم كُثُر أنّهم إذا التحقوا بمختبرات الرواية فسيكون الواحد منهم روائيًّا؟ فهم يتعلّمون مهارات وإن كتبوا ونشروا وباعوا؛ التاريخ الأدبيّ يقول أمرًا آخر. لعلّك تُراجع فهارس المكتبات أو مسارد الروايات المنشورة في حقب مختلفة من القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين؛ ربّما لا تصنّف حتّى روايات! الكثير من الزملاء والزميلات في المجال الأكاديميّ، في أقسام اللغة العربيّة وآدابها، يواجهون في البحوث الّتي يكتبونها حول الروايات، أو حين يكلِّفون طلبة الدراسات العليا، يواجهون الكثير من الإشكاليّات في التعامل مع الكتب الّتي توهّم كاتبوها بأنّها روايات، إذ هل هي روايات حقًّا؟ وأمّا الشعر فهو عزيز دائمًا، وقد مرّ بفترات الإسهال الكتابيّ عند كثيرين، وسقط كلّ الكتب وبقي الشعر.

 

فُسْحَة: ماذا على الروائيّ أن يقول في ظلّ تقلّبات المنطقة العربيّة سياسيًّا؟ ولماذا لم يعُد للروائيّ والمفكّر ذلك الأثر الواضح بين الجماهير؟

هدى: يمكن أن نسأل بشكل مغاير: ما دور الأمّ والأب في المنزل؟ ثمّة مَنْ هم بلا تربية في بيوت ميسورة وثريّة! ما دور المدرّسين والموجّهين؟ ثمّة مَنْ هم جهلة بشهادات! وما دور الإعلام؟ لماذا يَخرُج إلينا سياسيّون كَذَبة، ووُعّاظ مأجورون؟ وما دور الإعلام الرقميّ؟ لماذا يُرهبنا المشاهير بتفاهتهم وحماقتهم؟ لا تطلب من أيّ أحد دورًا مفترَضًا، مقابل أنّك تصمت عمّن يُفسد فيها دون محاسبة!

 

فُسْحَة: هل تأخَّر تتويج هدى بركات بجائزة "بوكر" العربيّة؟ وكيف يخدم مثل هذا التتويج تجربة الروائيّ؟ أهو امتياز تسويقيّ واقتصاديّ لا أكثر؟

هدى: حصلت على جوائز وأوسمة وشهادات تقدير، وهي تصدر عن اعتراف وتكريم لمُنجَز أيّ مثقّف، وأمّا تحويلها إلى امتيازات في مجالات اقتصاديّة، فهذا ناتج لا هدف.

 

فُسْحَة: هل تتويج جوخة الحارثيّ في جائزة "مان بوكر"، ومن قبلها هدى بركات في "بوكر" العربيّة، يُعَدّ بمنزلة استحقاق تفقده المرأة العربيّة في ظلّ ذكوريّة الوعي العربيّ؟

هدى: موهوم مَنْ يظنّ ذلك؛ فالذكوريّة والنسويّة متفاوتتان في كثير من المجتمعات. وأمّا سؤالك عن الرواية الفائزة بـ "مان بوكر"، فيُوجَّه إلى المترجمة نفسها واللجنة المقيّمة؛ ففي كلّ جائزة معايير واعتبارات لا نعرفها، لكن لِمَ لا نفرح لفرح الآخرين؟ فجوخة الحارثيّ من حقّها أن تفرح، ويفرح بها الآخرون.

 

فُسْحَة: كيف يمكن التكنولوجيا أن تكون إضافة إلى الأدب العربيّ؟ وهل هي كذلك حاليًّا؟

هدى: لا أظنّها تُضيف إلى المتن؛ فهي أداة لا لغة، بل وسيلة من الوسائل، لكن طريقة تعامل العرب معها لا تصدر عن وعي وهدف واضحَين.

 

 

حسام معروف

 

شاعر ومحرّر. عضو هيئة تحرير مجلّة 28 الغزّيّة، ويدير أنشطتها. يدير صفحة بيانات الأدبيّة على 'فيسبوك'. عضو مؤسّس في التجمّع الشبابيّ من أجل المعرفة 'يوتوبيا'. حاصل على جائزة متحف محمود درويش عن قصيدة النثر (2015)، وجائزة مؤسّسة بدور التركي للتنمية الثقافيّة (2015) والتي صدرت في إطارها مجموعته الشعريّة، 'للموت رائحة الزجاج".
 

 

تعليقات Facebook