"تايه" لصافي صافي... القصصيّ في الروائيّ

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

إن كان ارتباط البنى الحكائيّة بواقعها الاجتماعيّ، من دلالات العلاقة بين النصّ والمرجع، فإنّ رواية "تايه" (2019) للكاتب صافي صافي[1]، يمكنها أن تحتلّ مكانة متقدّمة في هذا التجلّي. وإن سلّمنا بالوصف القائل: "إنّ التاريخ هو التراث، والتراث هو الأرض"، كما يرى الراحل الأستاذ علي الخليلي[2]، فحكاية "تايه" تُعَدّ إحدى حكايات هذا التاريخ المتّكئ على المرويّات الشعبيّة الشفويّة، وتجلّياتها المتّكئة على تراث القرية، من لغة ومعتقدات وعادات وتفاعلات بينيّة حينًا ومتقاطعة أحيانًا.

نجد الزمن بوصفه قيمة، حاضرًا بقوّة على لسان الراوي الّذي لم يترك حيّزًا لأيّ حوارات ثنائيّة أو جماعيّة في العمل، راسمًا للقارئ ملامح المجتمع القرويّ في زمن الانتداب البريطانيّ

في سرديّة "تايه" الّتي تقترب إلى حدّ بعيد من الحبكة القصصيّة أكثر منها للروائيّة، نجد الزمن بوصفه قيمة، حاضرًا بقوّة على لسان الراوي الّذي لم يترك حيّزًا لأيّ حوارات ثنائيّة أو جماعيّة في العمل، راسمًا للقارئ ملامح المجتمع القرويّ في زمن الانتداب البريطانيّ، وما يليه من أزمنة النكبة والنكسة، وربّما إلى يومنا هذا.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

إشكاليّة تايه

يفتتح الروائيّ سرديّته بمشهد ساخن يتحدّث عن الأسبوع الّذي أعقب الحرب، واصفًا فضاءَي الرواية المكانيّ والزمانيّ؛ فالمكان قرية بيت إللو، غرب رام الله، والزمان الأيّام الأولى الّتي تلت النكسة عام 1967، مقدّمًا بطله المحوريّ تايه، مع جملة افتتاحيّة ذات دلالات سياسيّة مهمّة، قائلًا: "وتايه لا يعرف هؤلاء الغرباء"[3].

ومع توالي المشاهد، يقدّم لنا الروائيّ الأبعاد الإنسانيّة والاجتماعيّة، الّتي ينسج من خلالها تايه علاقاته بالآخرين، في محاولة ربّما لتحليل البنية الاجتماعيّة للقرية الفلسطينيّة في هذه الحقبة من الزمن، وتعقيدات هذه البنية وأشكال تطوّرها أو انغلاقها، وما شكّلته من مفارقات مؤلمة أفرزتها مآلات النكبة والنكسة من بعدها.

إذن، الحديث يدور حول تايه، الشخصيّة المركزيّة في السرديّة، وبين ما خلّفه وجود هؤلاء الغرباء في الحيّزَين المكانيّ والزمانيّ، كما في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة للناس، لتشكّل الجملة المتكرّرة على لسان تايه "عَرَبْ يَهود تْقاتَلوا" أرضيّة، تدور حولها ومعها كلّ القصص المنفصلة والمتّصلة في السرديّة وشخوصها الأساسيّة: أمّ تايه، ومجدي، وصلاح، إضافة إلى الشخصيّة المحوريّة تايه.

أمّا سبب أنّها شخصيّة إشكاليّة؛ فذلك يعود إلى عدم استطاعتها أن تخلق حدثًا تدور حوله أحداث الرواية، لكنّها أدّت، من حيث قَصَد الروائيّ أو لم يقصد، دور العين الثالثة الّتي تنظر إلى الأشياء من خارجها

وشخصيّة تايه في سرديّة صافي، شخصيّة إشكاليّة في الأعمال الروائيّة أو حتّى القصصيّة الفلسطينيّة، بوصفها شخصيّة ساذجة، محدودة الذكاء، تعيش على الفطرة، ناشئة لمعاييرها الخاصّة في تعاملها مع الآخرين، بشرًا وحجرًا وكائنات، وكذا في تعاملها مع الأشياء من حولها، مسالمة لا تؤذي أحدًا ولا تُسيء إلى أحد. وعلى الرغم من ذلك، فهي شخصيّة خفيفة الظلّ، حاضرة لا تُنسى بسهولة.

أمّا سبب أنّها شخصيّة إشكاليّة؛ فذلك يعود إلى عدم استطاعتها أن تخلق حدثًا تدور حوله أحداث الرواية، لكنّها أدّت، من حيث قَصَد الروائيّ أو لم يقصد، دور العين الثالثة الّتي تنظر إلى الأشياء من خارجها، وكذا إلى الناس وعاداتهم وتصرّفاتهم. ما يُطرَح على الروائيّ، سؤال الدور الوظيفيّ للبطل المحوريّ في سرديّته، وهل يُنازع في هذه الحالة الراوي السارد للأحداث على أداء هذا الدور؟ خاصّة أنّ صوت الأخير، الصوت الأعلى من بداية الرواية إلى نهايتها!

 

سؤال التجنيس

وإذا ما تحدّثنا عن الدور الوظيفيّ لأيّ سرديّة كانت، فسنجد رواية "تايه"، وبخلاف البحث التاريخيّ المرتبط بجغرافيا الأماكن – قريتي بيت إللو وبيت نبالا نموذجًا - اجتهد كاتبها في الترميز إلى أبعاد أساسيّة في الحكاية الفلسطينيّة، منها الصمود والمقاومة، على سبيل المثال لا الحصر.

فأمّا المقاومة الّتي تمثّلت في شخصيّة مجدي، وكذا شخصيّة الشيخ العاروري على وجه التحديد، فهنا مشهد الأخير على لسان الراوي: "وجّه بندقيّته نحو الغرب، وأطلق أخرى قائلًا: هؤلاء الناس يودّون أن يروحوا هناك، وليس في الاتّجاه الآخر"[4]. وأمّا الصمود فها هي أمّ تايه تعبّر عنه بقولها: "إذا قصفوا المغارة، ومتّ داخلها، فلا تُزيلوا الردم، بل طيّنوه، وأبقوني هنا"[5].

الطرح الّذي انتصر لسرد السياق التاريخيّ التوثيقيّ لواقع القرية الفلسطينيّة - وهذا حقّ وضرورة - على حساب المقولة الوطنيّة بصياغاتها الروائيّة، أضعفَ العمل الّذي اتّفقنا قبلًا على أنّه يميل إلى الشكل القصصيّ أكثر من ميله إلى الروائيّ

لكنّ هذا الطرح الّذي انتصر لسرد السياق التاريخيّ التوثيقيّ لواقع القرية الفلسطينيّة - وهذا حقّ وضرورة - على حساب المقولة الوطنيّة بصياغاتها الروائيّة، أضعفَ العمل الّذي اتّفقنا قبلًا على أنّه يميل إلى الشكل القصصيّ أكثر من ميله إلى الروائيّ؛ وهذا ما يطرح على الروائيّ سؤال عن ماهيّة الأدوار المنوطة بالأعمال الروائيّة، وهل يُعَدّ البحث التاريخيّ - وهو زائد على الحاجة في رواية "تايه" - عملًا روائيًّا؟ أم هو عمل بحثيّ يندرج تحت جنس آخر من أجناس الكتابة؟ وإن كان من أدوار للرواية في البحث التاريخيّ، ألا يفرض هذا على الكاتب وجود روابط لحبكة سرديّة، تقدّمه من خلالها بعيدًا عن مباشرة الأعمال البحثيّة؟

هذه الأسئلة وغيرها، لا تُنكر على سرديّة "تايه" لكاتبها صافي صافي، معالجتها للمسألة الاجتماعيّة في غير مشهد، وإجادتها في الموضوعين التاريخيّ والجغرافيّ، وارتباط الإنسان الفلسطينيّ بهما، لكنّها أيضًا أهملت العقدة (الصراع)، والحوار، وتطوّر الأحداث، والتخييل، وتطوّر شخصيّات العمل ونموّها، عدا شخصيّة تايه المحوريّة، الّذي أدّت إصابته في نهاية الرواية إلى إفاقته من غفوته، الّتي امتدّت إلى أكثر من عقدين من الزمن، ودخوله في مونولوج، ما بين الحياة والموت، حول سؤال الوجود وشرعيّته؛ وهذا ما يدفعني إلى القول، إنّ ما قرأناه هنا إنّما ملامح روائيّة في سرديّة قصصيّة.

..........

إحالات:

[1]  صافي صافي: أستاذ الفيزياء في "جامعة بير زيت"، ابن قرية بيت نبالا المُهجَّرة، ومولود في قرية بيت إللو. تُعَدّ روايته "تايه"، الرواية التاسعة بعد ثماني روايات، هي: "الحاجّ إسماعيل" (1990)، و"الحلم المسروق" (1991)، و"الصعود ثانيةً" (1994)، و"اليسيرة " )1996(، و"شهاب" (2001)، و"الكوربة" (2005)، و"سما، ساما، سامية" ()2010، و"الباطل" (2017).

[2] علي الخليلي، الورثة الرواة (عكّا: مؤسّسة الأسوار، 2001)، ص 13.

[3] صافي صافي، تايه (دار الناشر والدار الأهليّة، 2019)، ص 5.

[4] المرجع نفسه، ص 17.

[5] المرجع نفسه، ص 18.

 

 

أحمد زكارنة

 

 

شاعر وإعلاميّ يقيم في رام الله. يعمل في إذاعة "صوت فلسطين"، ويرأس تحرير موقع "اليوم الثامن"، كما عمل سابقًا مستشار تحرير في "صحيفة الحدث". له مجموعة شعريّة بعنوان "ما لم أكنه" (2017).

 

 

 

تعليقات Facebook