لا شيء أشكوه في زمن الكورونا

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

لا شيء أشكوه في زمن الكورونا. لا أشكو البقاء في البيت، ولا خسارة نزهات الربيع (كلّ سنة نتّفق أن نخرج في نزهة إلى الطبيعة نهاية كلّ أسبوع، ولا نفعل، فماذا تغيّر؟). لا أشكو الحذاء البنّيّ الّذي تركته عند الباب قبل ثلاثة أسابيع إشارةً لدخولي في الحجر الطوعيّ (زوجتي اشتكت، فاضطررت لدحشه في جارور الأحذية المكتظّ واستغنيت عن الفكرة). ولا أشكو بازل "اليوني كورن" الّذي أركّبه كلّ يوم مع ابنتي. لا أشكو البقاء في بيتي، بل كنت سأشكو لو هجّروني منه.

أسير وفق التعليمات، ولا أشكوها.

لا أشكو حتّى بُعدي عن والدَيّ وإخوتي؛ فقد كان عندي الوقت الكافي لأكتشف في فترة الكورونا اكتشافًا، قد يتبيّن بسهولة أنّه غير صحيح، أنّ الأبناء رقم 2 قلّما يشكون. كان عندي ما يكفي من الوقت لاستكمال البحث الّذي أجريه منذ الصف التاسع عن الخصال المشتركة بين الأبناء رقم 2 (الساندويش، بكلمات أخرى)، حيث تشكّل مكانتنا العائليّة شخصيّتنا؛ فلا نشكو لأنّ توقّعاتنا من الحياة معقولة، فقد كانوا هناك قبلنا وجاؤوا من بعدنا؛ أي أنّنا لا نشعر بأنّ كلّ شيء كان لنا وحدنا يومًا ما، ولا نتوقّع أن يبقى لنا كلّ شيء يومًا ما. لا أشكو بعدي عن والديّ؛ لأنّني كنت سأشكو أكثر إن آذيتهم بزيارتي. أسكن بعيدًا عنهم نصف ساعة، لكنّني كالمهاجر أكلّمهم محادثات فيديو كلّ يوم تقريبًا، ونعبّر عن شوق جديد، ما كان لولا هذا الحجر... لا أشكو الشوق. كنت سأشكو من غيابه.

لا أشكو أيضًا الأفكار المتفائلة حول ما بعد الرأسماليّة، ولا التنبّؤات المتشائمة لنهاية العالم واقتراب النيزك، ولا أشكو حتّى فيديوهات مدرّبي التنمية البشريّة والفنّانين المحبطين من اختفاء المنصّة. أقرأ كلّ يوم مقالة (غالبًا ما أصطدم بها في Feed الفيسبوك، صدفةً) عن المستقبل بعد انتهاء الوباء، وعن حياتنا مع إنترنت الأشياء، وعن تنّفس طبقة الأوزون وعودة رياح الكون إلى مساريها. لا أشكو كثرة قراءة المقالات (غالبًا ما لا أكمل كلّ المقال أصلًا، بل أقفز بين فقراته وعناوينه وصوره وفيديوهاته؛ إذ تصلني إشعارات جديدة، أو نداءات لوجبات غير متوقّعة)، بل كنت سأشكو قلّتها، وكذلك عدم تمييزي للأخبار الكاذبة.

لا أشكو شحّ العمل والمجهول، ولا عدم اليقين؛ فلديّ طمأنينة غير مبرّرة، واتّكال لاعقلانيّ ورثته، وجاهزيّة غريزيّة للتأقلم، ولا أشكو أيًّا منها.

لا أشكو الملل، ولا الأكل، ولا الوقت العائليّ؛ هذه كلّها أمور لا يُسمح للإنسان أن يشكوها، بل عليه أن يشكو غيابها.

لا شيء أشكوه في زمن الكورونا، لكن ثمّة مَنْ يشكو. ثمّة الآن مَنْ تشكو ضَرْبَها في بيتها الّذي أبقوها فيه، وثمّة مَنْ لا بيت له ليبقى فيه. ثمّة مَنْ يشكو الجوع، والألم، وثمّة مَنْ يشكو اختناق رئتيه وضيق نفسه قبل أن يصبح رقمًا في الإحصائيّات الّتي تتغيّر كلّ ثانية، وثمّة مَنْ تخسر الآن مع جدّتها تاريخها وإجاباتٍ عن أسئلة ستحيّرها، وثمّة مَنْ يعملون ورديّات متواصلة، يقاومون الفايروس في ردهات المستشفيات والمختبرات وغرف العلاج المكثّف، وفي الشوارع والمصانع. ثمّة مَنْ يخسر الآن الاستقرار وأموالًا كثيرة، وأحلامًا لا يعرف كيف سيسدّدها. كلّهم لديهم ما يشكونه، أمّا أنا، فإلى الآن، لا شيء أشكوه في زمن الكورونا، سوى قلبي الّذي توجعه شكاوى الآخرين.

 

 

إياد البرغوثي

 

 

كاتب من فلسطين. درس علم الاجتماع وعلوم الإنسان والعلوم السياسيّة في جامعة تل أبيب. عمل محرّرًا لصحيفة "فصل المقال" ومديرًا لـ "جمعيّة الثقافة العربيّة" في حيفا. له مجموعة من المؤلّفات السرديّة، قصّةً وروايةً ومسرحيّة، منها: "بردقانة" (2014)، و"بين البيوت" (2008)، ومسرحيّة "الظاهر عمر" (2010).

 

 

 

تعليقات Facebook