شيء من نهفات سميح

سميح القاسم (1939 - 2014)

 

إلى جانب أنّه شاعر كبير، فقد عُرِف سميح القاسم بقدرته على سرد النهفات والأحداث الشخصيّة بشكل حكائيّ، يجذب المستمعين إليه. وكان يستمتع جدًّا بعد المهرجانات الشعريّة والخطابيّة، بأن يجلس بين أصدقائه ورفاقه، ليكون نجم السهرة، ويسرد النهفات الّتي حدثت معه في أثناء مشاركاته في مهرجانات دوليّة شعريّة وسياسيّة.     

كان سميح في بداية عمله في صحافة "الحزب الشيوعيّ"، يسافر في الحافلة من الرامة إلى عمله في حيفا، فتمرّ الحافلة من مجد الكروم. في يومٍ ما دخلت إلى الحافلة، فوجدته جالسًا في المقعد القريب من السائق، فقلت له: "صباح الخير أيّها الليلك"؛ في إشارة إلى روايته الصادرة حينذاك، وهي "إلى الجحيم أيّها الليلك" (1977)، وجلست إلى جانبه، كانت مفاجأة بالنسبة إليه أنّني قرأت روايته، ثمّ قدّمت رأيي وتناقشنا فيها.  

هكذا بدأت لقاء سميح القاسم يوميًّا، في "كلّ العرب"، وما يتخلّل ساعات العمل من نقاشات عمل ومواقف سياسيّة وعلاقات اجتماعيّة، إلى أن أصيب في حادث طرق عام 2009، وخرج منه مضطرًّا إلى الاستعانة بعكّاز على المشي.

 

تمتّع سميح بصفة التسامح ورحابة الصدر، والقدرة على استيعاب المختلف، واعتبرها جزءًا من شخصيّته ومن اسمه، لكنّه لم يكن يتسامح مع مَنْ حاولوا تشويهه في دعاية أنّه خدم في الجيش الإسرائيليّ، أو تناولوا شخصيّته من زاوية طائفيّة بصفته درزيًّا.

في بداية صدور صحيفة "فصل المقال"، كتبتُ فيها عددًا لا بأس به من المقالات، وكنت أحضر أحيانًا إلى مكاتبها في الناصرة، وتعرّفت على عدد من الصحافيّين الزملاء، وكنت قبل هذا، قد ساعدت زميلًا في نشرة محلّيّة لمنطقة الشاغور باسم "الخميس"، رأَسَ تحريرها الدكتور إبراهيم مالك، وصار لديّ بعض الخبرة في تحرير الموادّ الصحافيّة.          

في أواخر عام 1998، قرأت إعلانًا حول حاجة صحيفة "كلّ العرب" في الناصرة إلى محرّر أدبيّ، وكنت آنذاك أعمل وكيلًا لشركة بيع قطع كهربائيّة.

قرّرت أنّها فرصتي للعمل الصحافيّ القريب من الكتابة، وكنت حتّى ذلك الحين قد أصدرت مجموعتين قصصيّتين وروايتين، وقصّتين للأطفال؛ فاتّصلت بـ "كلّ العرب" بشأن الإعلان، فحوّلتني الموظّفة إلى سميح القاسم، وبما أنّه يعرفني منذ سنين، ومطّلع على بعض قصصي ومقالاتي، قال فورًا: "بإمكانك أن تبدأ العمل ابتداء من صباح الغد". 

حضرت في اليوم التالي، وتعرّفت على إدارة "كلّ العرب" وأصحابها وموظّفيها، وعلى الصحافيّ محمود أبو رجب الّذي كان رئيسًا للتحرير ومحرّرها الأدبيّ، وقد قرّر إصدار صحيفة مستقلّة خاصّة به، فسلّمني مكانه بعد شرح عن طبيعة العمل.

واحدة من النهفات الكثيرة الّتي أذكرها خلال عملي معه، أنّ أحد الشعراء جاء إلى مكاتب "كلّ العرب"، وفي حوزته ديوان شعر جديد. مرّ إلى جانب طاولتي، حيّاني ومضى إلى مكتب سميح، دخل إليه، فاستقبله سميح باحترام مثل أيّ ضيف، ثمّ أهداه الشاعر ديوانه، وطلب منه أن يكتب عنه خبرًا.

 

هكذا بدأت لقاء سميح القاسم يوميًّا، في "كلّ العرب"، وما يتخلّل ساعات العمل من نقاشات عمل ومواقف سياسيّة وعلاقات اجتماعيّة، إلى أن أصيب في حادث طرق عام 2009، وخرج منه مضطرًّا إلى الاستعانة بعكّاز على المشي.

كان سميح يسرع في قيادة السيّارة، سافرت معه غير مرّة، وكانت سرعته تذهلني، وعندما أنبّهه إلى ذلك، يزيد من السرعة. كنت موقنًا أنّه سبب الحادث، لكن تبيّن أنّ السائق الآخر كان قد غلبه النعاس، وانحرف عن مساره، واصطدم بسيّارة سميح.

بعدها صار سميح يأتي إلى الناصرة برفقة الزميل عزّات سلامة، الّذي عمل في "قسم الجباية والتوزيع" في "كلّ العرب"، وكنت أرافقهما أحيانًا، إلّا أنّ أبا داود، عزّات، ترك "كلّ العرب". وصرت أعرّج على الرامة، فآخذه معي، والحقيقة أنّ السفر معه خلال الذهاب والإياب كان احتفاليًّا، في السياسة والأدب والمجتمع والموسيقى، وأحيانًا نتناول الطعام أو الكنافة، أو نذهب إلى بيت أجر لتقديم واجب العزاء في طريقنا.

واحدة من النهفات الكثيرة الّتي أذكرها خلال عملي معه، أنّ أحد الشعراء جاء إلى مكاتب "كلّ العرب"، وفي حوزته ديوان شعر جديد. مرّ إلى جانب طاولتي، حيّاني ومضى إلى مكتب سميح، دخل إليه، فاستقبله سميح باحترام مثل أيّ ضيف، ثمّ أهداه الشاعر ديوانه، وطلب منه أن يكتب عنه خبرًا.

ناداني سميح فدخلت، فقال له القاسم: "أعطِ أبا سمير الديوان؛ فهو المحرّر الأدبيّ، وسيهتمّ بالأمر". إلّا أنّ الشاعر الّذي أعرفه ويعرفني جيّدًا، قال لسميح بلهجة استخفاف: "سهيل كيوان هذا ولد، أنا أريدك أنت أن تكتب عن ديواني"، فقال له سميح رحمه الله: "تلحس ط..."؛ فاحمرّ وجه الشاعر "الكبير" واصفرّ واخضرّ، وتساءل بلسان ملتوٍ: "ما هذا الكلام يا أستاذ؟"، فقال له سميح: "مِثِل ما إنت سامع"، ثمّ قال لي: "أنت حرّ في أن تكتب أو لا تكتب خبرًا عن ديوان جرير".

لا شكّ، تحدّثنا عن محمود درويش وعن كثيرين من المبدعين والسياسيّين، ولم يكن يخفي رأيه في أحد. كان يتضايق جدًّا من أولئك الّذين حاولوا إظهار المنافسة الشعريّة بينهما، كأنّها صراع شخصيّ وغيرة على طريقة "كيد النساء"، وكان يمقت المتسلّقين على هذه الموجة...

جاء أحدهم مرّة، ينوي إصدار كتاب في الفنّ، ويريد مقدّمة لكتابه من سميح، وكنت جالسًا أسمع الرجل الّذي راح يتحدّث عن الموسيقى العربيّة، مركّزًا على فريد الأطرش وفيروز، بصفته ناقدًا فنّيًّا، ونصّب الرحابنة ثمّ فريد الأطرش على أنّهم قمّة الهرم في الموسيقى العربيّة. سألني سميح عن رأيي في ما سمعت، قلت له: "مع تقديري الكبير للرحابنة وفريد، إلّا أنّ ناقدًا فنّيًّا يتناول الموسيقى الشرقيّة ولا يذكر اسم أمّ كلثوم أبدًا؛ هو إمّا مُدّعٍ وإمّا مريض، والأفضل أن يبحث له عن بِسّة ينتقدها"، فضحكنا وقال: "... خلص، وأنا هيك بقول، الله يفتحها بوجهه".

كان سميح متواضعًا ومَرِحًا، مع القريبين منه، لكنّه كان حادًّا جدًّا مع خصومه ولم يجاملهم.

كان بعد أن يكتب كلمة افتتاحيّة العدد بعنوان "نقطة وسطر جديد" يضعها أمامي، ويقول: "أبا سمير، راجعها؛ لعلّني أكون نسيت شيئًا، أو إذا عندك ملاحظة"، وكان مستعدًّا لأن يصغي ويناقش.

كان يلقي معظم قصائده الّتي كتبها خلال فترة عملي على طاولتي، ثمّ يطلب رأيًا صريحًا. في إحدى قصائده العموديّة أشرت إلى أحد الأبيات، بأنّه لا يمثّل موقف سميح الحقيقيّ، فتقبّل رأيي وحذف البيت.

بلا شكّ، تحدّثنا عن محمود درويش وعن كثيرين من المبدعين والسياسيّين، ولم يكن يخفي رأيه في أحد. كان يتضايق جدًّا من أولئك الّذين حاولوا إظهار المنافسة الشعريّة بينهما، كأنّها صراع شخصيّ وغيرة على طريقة "كيد النساء"، وكان يمقت المتسلّقين على هذه الموجة، ولا سيّما الشعراء والأدباء الّذين كانوا يهدفون إلى النيل من القاسم، من خلال الظهور مدافعين عن درويش، ويفتعلون صراعًا بينهما.

في إحدى المرّات قلت له: "إنّ أحد أسباب استمرار المأساة الفلسطينيّة الشعر الفلسطينيّ"؛ فتساءل: "كيف؟"، فقلت: "إنّ الشعراء في فلسطين أكثر من المناضلين؛ فقد صار الشعر ملاذًا للتعويض عن النضال الحقيقيّ!". استفزّه رأيي، وقال: "بالعكس، ليت السياسة ترتقي إلى مستوى الشعر في فلسطين".      

كان يحكي عن لقاءاته الكثيرة، ونهفات حدثت بينه وكبار الشعراء والأدباء والصحافيّين والفنّانين العرب؛ فقد التقى بمعظمهم، لكنّ أكثرهم قربًا منه محمّد مهدي الجواهري، الّذي كان القاسم يعتبره شيخه في الشعر العموديّ. في أحد اللقاءات، في أثناء إلقاء القاسم، هتف الجواهري معجبًا: "أكمل يا عدوّ الله، أكمل"!

 

كان يحكي عن لقاءاته الكثيرة، ونهفات حدثت بينه وكبار الشعراء والأدباء والصحافيّين والفنّانين العرب؛ فقد التقى بمعظمهم، لكنّ أكثرهم قربًا منه محمّد مهدي الجواهري، الّذي كان القاسم يعتبره شيخه في الشعر العموديّ. في أحد اللقاءات، في أثناء إلقاء القاسم، هتف الجواهري معجبًا: "أكمل يا عدوّ الله، أكمل"!

وحكى لي مرّة عن لقائه بالكبير يوسف إدريس، الّذي أكّد له وجود أشباح تعيش تحت البيت الّذي يعيش فيه؛ فكتبت يومئذ قصّة عن يوسف إدريس من وحي هذه النهفة.    

كان القاسم يحترم التقاليد الاجتماعيّة، ورجال الدين، لكنّه حارب التعصّب الدينيّ بلا هوادة. لم يكن يقصّر في تعزية أحد من أصدقائه، وكان يشارك في الأفراح أو يبعث أحد أبنائه مندوبًا عنه، ولا تتفاجأ لو زارك وفي يده كيس من القهوة.

بعد اطّلاعه عن كثب على الوضع العربيّ، من خلال زياراته كثيرًا من العواصم أهمّها القاهرة، كان فاقدًا الأمل، ويقول لي: "لا يوجد عرب يا سهيل، لقد عشنا في وهْم كبير".

في بداية الربيع العربيّ، وانطلاق الثورة التونسيّة ثمّ المصريّة، تحمّس جدًّا وشعر بأنّ التغيير حاصل، لكنّ الأمل بدأ يخبو مع ظهور "داعش"، وتخريب الثورة السوريّة وإجهاضها، ومن خلالها إجهاض مشروع التحرّر العربيّ كلّه.

رحم الله القاسم، وما زال لدينا الأمل بأنّ شمس العرب لا بدّ أن تشرق بالحرّيّة، رغم أنوف الأعداء والطغاة.

 

 

سهيل كيوان

 

كاتب صحافيّ وروائيّ من فلسطين. عمل محرّرًا أدبيًّا في صحيفة "كلّ العرب" بين عامي 1998 و2014، ويكتب منذ سنوات في صحيفة "القدس العربي" وموقع "عرب 48". له مؤلّفات عديدة في القصّة القصيرة، والرواية، وأدب الأطفال، والمسرحيّات، بالإضافة إلى دراستين أكاديميّتين. حاصل على جائزة مؤسّسة توفيق زيّاد للثقافة الوطنيّة عام 2002، عن دراسة نقديّة في أدب غسّان كنفاني.

 

 

تعليقات Facebook