ك. ساتشيداناندان... شعر في وجه الأوقات المظلمة | حوار

الشاعر الهنديّ ك. ساتشيداناندان

 

التقيت الشاعر الهنديّ ك. ساتشيداناندان العام الماضي، في "ليالي الشعر" في ستروغا المقدونيّة. قضينا الساعات الأولى في باص صغير، أقلّنا من العاصمة سكوبيا جنوبًا إلى بلدة ستروغا المسترخية على شاطئ بحيرة أوهريد الآسرة. خلالها، تبدّت حرارة الشاعر في حديثنا عن التغييرات السياسيّة القاسية في وطنه الهند، وفضوله تجاه القضيّة الفلسطينيّة، واطّلاعه الواسع على القضايا العربيّة والشعر العربيّ.

يلقى ك. ساتشيداناندان، المولود عام 1948 في قرية بولوت في محافظة كيرالا في الهند، اهتمامًا عالميًّا في تجربته ومنجزه الشعريّ. عربيًّا، تُرجمت له مجموعة شعريّة بعنوان "كيف انتحر ماياكوفسكي"، إضافة إلى قصائد متفرّقة تُنشر في "العربي الجديد" ينقلها إلى العربيّة أحمد م أحمد. تجربته، وإن بدت متخصّصة شعريًّا وأكاديميًّا ونقديًّا، مترامية من حيث شموليّتها في العمل الأدبيّ والثقافيّ، متمثّلًا في تحرير المجلّات وإقامة المهرجانات الأدبيّة، وانحيازها إلى قضايا المرأة والعمّال والبيئة والقضايا الجندريّة والسياسيّة.

نفهم في هذه المقابلة الّتي أجريناها معه في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، مقدار الخوف الّذي قد يصيب الكاتب لو اشتبك مع هذه القضايا العادلة تحت حكم فاشيّ، إلّا أنّ ك. ساتشيداناندان يعتبر مقاومة هذا الحكم واجبًا من واجبات الكاتب، والصمت شكلًا من أشكال التواطؤ. يشعر المرء كأنّ الغضب والحرارة والفضول الكامن في جوف هذا الشاعر، هو الّذي يشعل محرّك الكتابة لديه، وهي كتابة تتفرّع إلى أكثر من جنس وشكل كتابيّ؛ فيكتب الشعر والنقد والمسرح والقصّة القصيرة. في رصيده أكثر من 30 مجموعة شعريّة، ونحو 30 مؤلّفًا في النقد والدراسات، و36 مجموعة شعريّة مترجمة إلى لغات هنديّة وعالميّة، و27 كتابًا ألّفه آخرون عن شعره وتجربته، وأكثر من 20 مجموعة شعريّة لشعراء آخرين نقلها ك. ساتشيداناندان إلى لغته الأمّ المالايالاميّة. يكتب الشاعر الشعر بهذه اللغة، ويكتب النثر بها وبالإنجليزيّة. ورغم معرفته العميقة باللغة الإنجليزيّة الّتي ينقل إليها معظم قصائده بنفسه، إلّا أنّ لغته الأمّ المالايالاميّة، تبدو النحّات الوحيد القادر على صقل صخرة الشعر العظيمة في داخله.

يكتب ك. ساتشيداناندان من منطقة شعريّة مصفّاة، حتّى في أكثر صوره الشعريّة ظلامًا أو ألمًا أو قسوة، يكتب كأنّما من حلم أو من فناء خلفيّ مشمس وراء عمارة الزمان والمكان العملاقة؛ فيكتب عن الذاكرة والموت والحبّ واللغة، لكن من ينابيع خاصّة به هو، وعبر استعارات لا تتشكّل إلّا في لغته هو، وفي أجراسها الّتي وحده يسمعها، ومعانيها الّتي تفسَّر له فحسب، ومهما أغرقها الشاعر في ذاتيّتها وانفرادها على لغتها الخاصّة، لا يفوته أن يشرّع أبوابها المضيافة أمام القارئ. هكذا هي قصيدة ك. ساتشيداناندان، سرّيّة ومعلنة في آن، انطوائيّة وشعبيّة، غامضة وصريحة في نفس الوقت.

 

فُسْحَة: تحضر اللغة، ثيمةً وموضوعةً، بقوّة في قصائدك؛ هل لك أن تصف علاقتك باللغة، ولا سيّما أنّ لغتك الأمّ المالايالاميّة؟ وبأيّ طريقة يشكّلها الشعر؟

ك. ساتشيداناندان: أنت محقّة، كثير من النقّاد لاحظوا ذلك. صدر لي حديثًا مجموعة شعريّة عن اللغة حرّرها أحد الأصدقاء، ثمّ إنّي كتبت قصيدة طويلة عن لغتي الأمّ المالايالاميّة. يبدو أنّ هذا الاشتباك مع اللغة يحدث على ثلاثة مستويات: الأوّل يرتبط بكون المجتمع الهنديّ مجتمعًا متعدّد اللغات، حيث لن تجدي هنديًّا أحاديّ اللغة، حتّى في الطبقات الدنيا من المجتمع؛ لذلك نحن نعيش وسط آلاف الألسن، لهجات، لكنات قبائليّة، لغات يوميّة، نترجم من واحدة إلى أخرى بصفة يوميّة في حياتنا. وفي سياقات كلاميّة، قد يتحدّث المرء إلى شخص بلغة غير لغته، في حين يفكّر هذا الشخص بلغة ثالثة. ثانيًا، أشتبك - بصفتي كاتبًا - مع اللغة من حيث هي معنًى وصورة ورمز واستعارة. الكثير من قصائدي نتاج مباشر لهذا الاشتباك؛ قصيدة "تأتأة" مثال على ذلك. ثالثًا، فالشعر، من حيث هو فنّ، احتواء لما يصنع الشاعر من اللغة، مهما كانت ثيماته واهتماماته. مقدّر لكلّ شاعر – أو شاعرة - أن يجد صوته في بابِل الأصوات؛ الأمر الّذي لا يتحقّق إلّا من خلال الطرائق الخاصّة، الّتي يستخدم فيها الشاعر اللغة في قصائده. ثمّ إنّ كلّ قصيدة اكتشاف لسانيّ ولغويّ، بمنطق آخر؛ إنّها اللغة الّتي تكتب القصيدة عبر الشاعر.

 

فُسْحَة: لكن كيف تصف لنا الكتابة باللغتين، المالايالاميّة والإنجليزيّة؟ كيف تذهب القصيدة إلى هذه اللغة دون الأخرى؟ هل يرتبط ذهابها بالمزاج؟ هل هو عفويّ؟ مدروس؟

ك. ساتشيداناندان: نعم، أكتب باللغتين، لكنّي أكتب الشعر بالمالايالاميّة فقط. ما تقرئينه بالإنجليزيّة هي القصائد الّتي أنقلها بنفسي من المالايالاميّة إلى الإنجليزيّة. ترجمت نحو 60 - 70 بالمئة من قصائدي إلى الإنجليزيّة، بينما ثمّة قصائد لا أجرؤ على ترجمتها لأنّها محلّيّة جدًّا، وتحمل إحالات لن يفهمها إلّا مجتمعي، أو أنّ عنصر الصوت فيها ذو أهمّيّة بالغة في الإسهام في خلق بيئتها ومعناها وتلقّيها. من جهة أخرى، أكتب النثر بالإنجليزيّة، في مسائل ترتبط بالأدب أو المجتمع، لديّ 5 كتب بالإنجليزيّة عن الأدب الهنديّ، إضافة إلى 8 مجموعات شعريّة ترجمت فيها قصائدي إلى الإنجليزيّة. يُعَدّ وجود كتّاب ثنائيّي اللغة وثلاثيّي اللغة في الهند تقليدًا، معظمهم يكتبون بلغتهم الأمّ وبالإنجليزيّة أو الهنديّة أو الأوردو. كمالا داس (1934 – 2009)، القادمة من كيرالا أيضًا، كتبتْ أدبًا بالمالايالاميّة وشعرًا بالإنجليزيّة باسترسال وجمال مماثل. حين أترجم شعري أفعل ذلك كأنّما أترجم لشخص آخر، مقلّصًا هامش حرّيّتي، وأترجم أيضًا لشعراء آخرين من المالايالاميّة إلى الهنديّة، ومن الإنجليزيّة إلى المالايالاميّة.

 

فُسْحَة: صف لنا الرابط بين نشاطك السياسيّ والاجتماعيّ من أجل المساواة والعدالة في مجتمعك وبين الكتابة. وكيف يمكن الأدب والشعر أن يكونا أكثر فاعليّة في هذه الأوقات العصيبة؟

ك. ساتشيداناندان: أنشط بشكل أساسيّ من خلال كتابة مقالات دوريّة، والمشاركة في ندوات ولقاءات وتحرير منشورات. توجّهاتي السياسيّة يساريّة بعامّة، على الرغم من أنّي لم أنتمِ إلى أيّ حزب سياسيّ، لِما يشكّل ذلك من معيق أمام الكاتب، كما أُثبت في الكثير من الحالات. أجد نفسي مشتبكًا بقضايا اجتماعيّة وبيئيّة ونسويّة وجندريّة، أكثر من الأحزاب والفرق السياسيّة، وأنا مهتمّ ببعض القضايا العالميّة كقضيّة اللاجئين والمهاجرين أو القضيّة الفلسطينيّة. لعلّ الشعر، والأدب بشكل عامّ، غير قادر وحده على تغيير العالم، لكن باستطاعته أن يسهم في رفع الوعي أو خلق التعاطف تجاه مسائل معيّنة. نحن نعي الدور الّذي لعبه الأدب في الثورات العربيّة، وفي قضيّة السود، وفي الوعي النسويّ والنضال ضدّ الفاشيّة. لا يعمل الشعر عبر استمالات مباشرة، لكن عبر تشكيل وعي مضادّ وخلق جماليّته الخاصّة بطرق غير مباشرة. وحتّى إن تناولت الحبّ أو الموت أو اللغة ثيمةً، فبإمكانك تناولها من زاوية خاصّة ترتبط بسياقك الحضاريّ والسياسيّ كما فعل محمود درويش، وكما يفعل نجوان درويش وشعراء فلسطينيّون شباب آخرون مثلكِ. خطاب لأمّك، رسالة إلى الحبيب، قصيدة عن بتر شجرة، يمكن لها أن تحمل مقولات سياسيّة أيضًا، من المؤكّد أنّها قد تكون أكثر مباشرةً، كما في قصائد نزار قبّاني أو ناظم حكمت أو نجاة العدواني. الشاعر البولنديّ تشيسلاف ميلوش قال مرّة: "في غرفة يحافظ فيها أناس على مؤامرة الصمت، ستُسمع فيها كلمة حقيقة واحدة كطلقة مسدّس. أنت الّذي أخطأت في حقّ إنسان بسيط، حين انفجرت ضاحكًا أمام ألمه، لا تشعر بالأمان، فالشاعر سيتذكّر ذلك، بإمكانك قتله، لكنّ آخَر سيولد؛ الأعمال والكلام سيُسجَّلان". لهذا؛ أجد أنّ مقولة أدورنو عن استحالة كتابة الشعر بعد أوشفيتس، ليست سوى تعبير مكثّف عن التفجّع. نحن نعلم أنّ معسكرات الإبادة النازيّة أنتجت "شعر الهولوكوست"، عبر عشرات الشعراء مثل بريمو ليفي وبول تسيلان وآبا كونفر ونيلي زاكس. "فقط شعرهم كان شعر المفزوعين، أولئك الّذين تُركوا للذبح، والّذين نجوا. مصنوع من بقايا كلمات وكلمات مستعادة، مصنوع من كلمات مُضجرة مأخوذة من كومة القمامة الكبيرة"، أستشهد بكلمات تاديوش روجيفيتش.

في المانيفستو الّذي كتبه عام 1935، "نحو شعر فاسد"، يشرح بابلو نيرودا مفهومه عن "الشعر الفاسد": "الأسطح المستعملة للأشياء، الاهتراء الّذي تعطيه الأيدي للأشياء، الهواء، تراجيديّ أحيانًا وعاطفيّ أحيانًا، كلّها تمنح جاذبيّة فضوليّة للحقيقة الّتي يجب ألّا نستخفّ بها". وفي عام 1966، قال مرّة أخرى: "لطالما أردت أن تكون أيادي الناس مرئيّة في قصائدي، لطالما آثرت الشعر الّذي يُظهر بصمات الأصابع: شعر من صلصال حيث يستطيع الماء الغناء، شعر من خبز حيث بإمكان الجميع أن يأكل".

حَلُمَ نيرودا بشعر يحمل بصمة البشريّة الأبديّة، سواء أخارج الشيء كان أم داخله، مهترئ من الاستخدام الدائم، مليء بالدخان والعرق، ببقع الطعام والعار، بالتجاعيد، بالملاحظات، بالأحلام، بالنبوءات، بالإفصاح عن الحبّ والكراهية، بالحماقات والصدمات، بالشكوك والتجاهل، بالبراهين والاحتفالات، يحمل غبار المسافات ورائحة الزنابق والبول، قذر مثل خرقة، مثل الجسد. أوكتافيو باث عرّف الشاعر بأنّه الإنسان الّذي يتكوّن وجوده من كلماته، ومن ثَمّ يستطيع أن يخلق احتمالًا لحوار جديد. أعتقد أنّ ثمّة دروسًا بإمكاننا، نحن الشعراء، أن نتعلّمها منهم.  

 

فُسْحَة: حسنًا، في العودة إلى اشتباكك السياسيّ مع المحيط، نجد أنّ نقدك حادّ جدًّا تجاه سياسة الحكومة الهنديّة؛ كيف يؤثّر وعيك تجاهها في حياتك اليوميّة، وفي صورة الوطن بالنسبة إليك؟ وهل يُحدث ذلك تغييرًا على كتابتك عن المكان؟

ك. ساتشيداناندان: "هل سيكون ثمّة غناء في الأوقات المظلمة؟" سأل الشاعر والكاتب المسرحيّ الألمانيّ برتولت برخت، وردّ: "نعم، الغناء عن الأوقات المظلمة". أنا أقترح هذا الهامش: "شعر في وجه الأوقات المظلمة أيضًا". جيمس جويس وافق على ذلك أيضًا، حين قال عن الكتّاب: "اعصرونا، نحن حبّات زيتون". أثبت الزمن حقيقة هذه المقولة، في الأوقات الصادمة والمؤلمة من الفاشيّة والتوتاليتاريّة بأشكالها المتنوّعة. 

شعراء ابتداءً ببول تسيلان، وأوجينيو مونتالي، ولوركا، وميجيل إيرنانديث، وبابلو نيرودا، وأوكتافيو باث، وسيزار باييخو، حتّى و. هـ. أودن أيضًا، وستيفن سبندر، وكيم تشي ها، وأوسيب ماندلشتام، وآنا أخماتوفا، جميعهم ردّوا على أهوال الفاشيّة والدول الاستبداديّة. كانوا على وعي تامّ بأنّ الصمت أمام انقضاض الفاشيّة، لم يكن أقلّ من الإذعان والتعاون مع مشروعها الوحشيّ.

أُطيل الحديث عن شعراء المقاومة هؤلاء، من أجل تسليط الضوء على الظروف الّتي نعيشها في الهند، حيث تظهر فاشيّة من نوع جديد. بدأ كلّ شيء قبل عقود، مع تأسيس "الجمعيّة الهندوسيّة العامّة - Hndu Maha Sabha"، الّتي أخذت على عاتقها تكوين صنف جديد من الحصريّة الهندوسيّة - حتّى تلك اللحظة، كان لدى الهندوسيّة نظرة شموليّة تتضمّن داخلها حتّى التيّارات الملحدة - وذلك من خلال إبعاد المسلمين، وتصويرهم على أنّهم معتدون وغرباء. هذا الأمر دبّ خوفًا كبيرًا في أوساط الهنود المسلمين؛ إذ استغلّهم محمّد علي جناح، الّذي كان غير متديّن، فقاد فكرة تقسيم الهند وتأسيس باكستان عام 1947. منذ ذلك الحين، لدينا تنظيمات هندوسيّة رجعيّة عسكريّة مثل الـ "RSS"، الّتي روّجت للهندوسيّة الرجعيّة الّتي تتغذّى على كراهية الديانات الأخرى وعلى التعصّب؛ فتُزعزع أساسات البنية الهنديّة القائمة على المُثُل العلمانيّة والاشتراكيّة. قادت هذه القوى الكثير من أعمال الشغب، وارتكبت مجازر كبيرة بحقّ المسلمين في ولاية كجرات، شمال غرب الهند، عام 2002، وفي الشمال الشرقيّ من دلهي عام 2020. الآن، وجدوا رعاة جددًا من رؤوس الأموال، يعطونهم تمويلًا سخيًّا، ويحصلون في المقابل على مقابل ضخم على شكل امتيازات متنوّعة، مثل الإعفاء من الضريبة، وقروض بلا فائدة، غالبًا ما لا يُعاد دفعها؛ وهو ما يتسبّب في انهيار الاقتصاد الهنديّ.

لدينا مزيج وحشيّ بين القوى الرجعيّة والرأسماليّة الّتي تهرول إلى السلطة عبر الدم والمال، تحكم الهند الآن، من خلال سياسات يمينيّة ضدّ القانون وضدّ المرأة وضدّ العمّال وضدّ الفلّاحين، وتطبّقها بقوّة عنيفة. لا يزال بإمكان البعض منّا التظاهر، فقط لأنّهم يريدون المحافظة على صورة ديمقراطيّة، على الرغم من أنّهم غير متسامحين مع المعارضة الّتي تتجاوز خطوطهم. 

قُتل صحافيّ شجاع وثلاثة كتّاب ومفكّرون؛ لأنّهم حقّقوا في نظريّة الحكّام وممارساتهم بعد اتّهام عدد من قيادات اليمين، وهم أعضاء في البرلمان وبعضهم وزراء، بالقتل والتحريض على العنف في خطاباتهم. الكثير من المؤسّسات المتنوّرة الديمقراطيّة، الّتي أُسّست لتروّج العلم والتاريخ والفنون واللغات والأدب والثقافة وتُطَوِّرها، وقد أسّسها رئيس الوزراء الأوّل جواهر لال نهرو، استولت عليها هذه القوى وحوّلتها إلى آلات دعاية لمصالحها. هؤلاء الحكّام الّذين لم يكن لهم أيّ دور في النضال الهنديّ من أجل نيل الحرّيّة من الإنجليز، بل في الحقيقة خانوا هذا النضال في كثير من المناسبات، هم مشغولون الآن بإعادة كتابة التاريخ، وتصوير أنفسهم على أنّهم أبطال القوميّة، ومحو ذاكرة نهرو، وتصوير غاندي، الّذي قُتل على يد متطرّف هندوسيّ، بعد أن رسّخ الألفة والوحدة بين الأديان، على أنّه بطل هندوسيّتهم السامّة، وهم يجدون صعوبة في ترويج هذه الفكرة.

في هذه الأوقات، يخطّطون لإقصاء قسم من المسلمين، من خلال ما يسمّونه "السجلّ المدنيّ للمواطنين"، الّذي سيؤثّر تأثيرًا جسيمًا على فقراء الهند من جميع الديانات، ممّن لا يملكون سجلّات ولادة سليمة. لقد أرجؤوا تنفيذ هذه الخطوة بسبب تفشّي فايروس كورونا المستجدّ (Covid-19)، الّذي وضع نهاية مؤقّتة لنضال الناس ضدّ سياسات الحكومة الوحشيّة. هذه التطوّرات تعيق بشكل جذريّ التفكير الحرّ للمواطنين الهنود. دعينا لا نتحدّث عن الكتّاب المستقلّين مثلي، نحن نحاول أن نحارب من خلال المؤسّسات الثقافيّة، والتظاهرات الفنّيّة، والمنصّات الإلكترونيّة، والكتابة في الصحف، ومن خلال التحدّث في الندوات والمهرجانات أيضًا، وبالطبع من خلال مشاريع الكتابة الشخصيّة. يستحيل على أيّ كاتب متنوّر ألّا يقول الحقيقة، لكن ثمّة كتّاب يرفضون قولها لأنّهم إمّا متواطئون وإمّا خائفون. لا أريد أن أدّعي أنّي بطل، أنا رجل عاديّ، لكن بصفتي كاتبًا، أعلم أنّ من واجبي أن أقاوم بأيّ طريقة ممكنة، وسأستمرّ بالمقاومة دونما خوف ما داموا سيُبقونني حيًّا.

 

فُسْحَة: ابتكرتَ اصطلاح "Pennezuthu" لتعريف "الكتابة النسويّة"؛ هل لك أن تضيء على جانب أساسيّ في هذا المضمار؟ وكيف تختلف في رأيك كتابة النساء عن كتابة أخرى؟

ك. ساتشيداناندان: لقد استخدمت هذا الاصطلاح ترجمةً صرفةً للمالايالاميّة للعبارة النسويّة الفرنسيّة l’Ecriture Feminine (الكتابة النسائيّة)، وهي الكتابة الّتي تتشكّل فيها اللغة حول الجسد الأنثويّ والرغبة، حيث توضع البطريركيّة موضع السؤال في كلّ منحًى، حيث تُؤَكَّد المساواة الجندريّة، حيث تحاول النساء إيجاد لغة، لغة أمّ، تختلف عن لغة الرجل الموصومة بالبطريركيّة، حتّى في قواعدها وتعبيراتها العاديّة. استخدمت الاصطلاح في مقدّمة مجموعة قصصيّة كتبَتْها بالمالايالاميّة النسويّة سارة جوزف، فأحدثت نقاشًا مثيرًا. في مكان ما، كان ذلك بداية حوار نقديّ نسويّ بالمالايالاميّة، على الرغم من أنّها كُتِبَت بقلم رجل يعتبر نفسه نصف أنثى.

 

فُسْحَة: حتّى في أكثر صورك الشعريّة ألمًا، تبدو قصيدتك كأنّها حضن آمن، وحوار ذو صوت خافت مع القارئ. أنت لا تلقي الوجع بوجه قارئك، بل تقوده ليراه بنفسه؛ هل تفكّر في ذلك خلال الكتابة؟ هل تعمد إلى تنقية شعرك من اللغة المباشرة؟

ك. ساتشيداناندان: أحاول ألّا أصرخ أو أولول في شعري، أحاول قدر الإمكان ألّا أكون مباشرًا، وأن أتحدّث عبر الصور والاستعارات والرموز. لا شكّ في أنّ بعض السياقات السياسيّة تضطرّك إلى المباشرة، أنا لا أتجنّبها لكنّي أظلّ أكثر سعادة حين أكون غير مباشر، لكن صريحًا وواضحًا في نفس الوقت. أستخدم كذلك المفارقات في شعري، وهي طريقة أخرى ليكون الشعر غير مباشر. يُطْلَب منّي أحيانًا أن أعرّف الشعر، فأعرّفه دائمًا بالنفي: "الشعر ليس أدبًا، ليس دراما، ليس مقالًا، ففي النهاية ما يمايز هذه الأشياء عن بعضها الكيفيّة الّتي تُستخدم بها اللغة".

 

فُسْحَة: يُحتفى بك عالميًّا، من خلال الجوائز والترجمات إلى العديد من اللغات، ثمّ إنّ الكثير من الكتب في رصيدك؛ ماذا تقول في هذا التكريس؟ وما السرّ في الكتابة، الّذي جعلها تكسب وقتك ووفاءك؟

ك. ساتشيداناندان: لا أحد يكتب كي يكون مشهورًا. نحن نكتب لنعبّر عن أنفسنا، وعن عالمنا الّذي يحوي الطبيعة أيضًا. أنا نفسي أُفاجَأ حين يطلب منّي شخص يتحدّث لغة أخرى، أن يترجم قصائدي أو مجموعاتي الشعريّة. قد يكونون صادفوا ترجمات لقصائدي إلى الإنجليزيّة. مجموعاتي الشعريّة المترجمة إلى الفرنسيّة والألمانيّة، وبعض اللغات الهنديّة كالتاميليّة والهنديّة والتيلوغويّة، نُقلت مباشرة من المالايالاميّة. المترجمة الإيطاليّة أقامت في بيتنا حتّى تتمكّن من المقارنة بين المسوّدات الّتي نقلتها من الإنجليزيّة وبين القصائد الأصليّة. أمّا المترجمون العرب فنقلوا من الإنجليزيّة، لكنّي أتأكّد من تفاصيلها من خلال صديق مالايالاميّ متضلّع في العربيّة. الكتب الإيرلنديّة والصينيّة واليابانيّة نُقلت من الإنجليزيّة أيضًا. ما أستخلصه من تجربتي أنّ للشعر جوهرًا كونيًّا، على الرغم من الخصوصيّات الّتي تتمتّع بها اللغات المحلّيّة، لا شكّ في أنّ هذا هو السبب الّذي يدفع قرّاء من لغات مختلفة إلى التواصل مع شعري. قد تكون الترجمة، كما يقول والتر بنيامين، إعادة اختراع للغة البشر المشتركة، الّتي كانت من المفترض أن تكون هناك قبل بابِل.

 

فُسْحَة: تكتب في أشكال أو أجناس أدبيّة متعدّدة: الشعر، والقصّة القصيرة، والمسرحيّة؛ هل يلائم كلّ جنس شروطًا شخصيّة وفنّيّة؟ ولِمَ يظلّ الشعر أساسيًّا بينها؟

ك. ساتشيداناندان: بدأت شاعرًا، وأنا متأكّد أنّي سأنتهي شاعرًا. الأجناس الأخرى جاءت مفاجَأة؛ بدأت بكتابة القصص القصيرة فقط منذ سنتين، ذاك حين شعرت بأنّ ثمّة أشياء من الأفضل قولها في السرد، على الرغم من أنّ هناك عنصرًا سرديًّا في كثير من قصائدي، كما لاحظ مرّة محاور فرنسيّ. من جهة أخرى، تحتوي قصصي على الكثير من الخيال والمفارقة والسخرية والمواربة. كذلك، كتبت الغزليّات، نحو 50 منها، وقد لُحِّن معظمها وأدّاها موسيقيّون، وكان ذلك محض مفاجأة حدثت خلال فترة من الراحة بعد عمليّة جراحيّة. أعددت مسرحيّات لبريخت وييتس وليدي جريجوري، في الفترة الّتي كان لدينا منتدًى ثقافيّ جماهيريّ في كيرالا، ثمّ لاحقًا كتبت مسرحيّة عن أيّام غاندي الأخيرة، وعن الانقسام في الهند لصالح "المنتدى الهنديّ العلمانيّ". أمّا في أمر النقد، فقد بدأت بكتابته من أجل تقديم أنماط الكتابة الشعريّة الجديدة بالمالايالاميّة، الّتي صار بعضنا رائدًا فيها، ثمّ صرت ناقدًا، بصورة ما، وكتبت عن أجناس أخرى كالأدب والمسرح والسينما والتشكيل. إنّ اشتباكي بالحركات المجتمعيّة يدفعني إلى أن أكتب تعليقات حول عدد من القضايا، من التربية، إلى لاهوت التحرير، حتّى البيئة. وخلال كلّ ذلك، حافظت على ترجمة الشعر من أنحاء عديدة من العالم، تصل إلى 2000 صفحة ترجمة، نفّذتها على مدار 50 عامًا.

لكن في النهاية، كلّ شيء يجيء بسبب علاقتي بالشعر، وإن كنت سأكون معروفًا في المستقبل، أحبّ أن يعرفني الناس شاعرًا. دعيني أُنهي هذا ببعض السطور من قصيدة لك:

"هذه ليست لعبة يا محترمون

هذه ألوان فوق بنفسجيّة وتحت حمراء

حتّى الـ Acid لا يستطيع إليها

وعلينا أن نكون أنبياء أو مجانين

حتّى نراها".

 

 

تسمية

 

شاعرة وصحافيّة. حاصلة على البكالوريوس في الصحافة والأدب الإنجليزيّ من جامعة حيفا. لها ثلاث مجموعات شعريّة؛ "ليوا" (2010)، و"كما ولدتني اللدّيّة" (2015)، و"لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب" (2019). تشارك في أنطولوجيّات ومهرجانات شعريّة في العالم. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة. عملت لسنوات في الصحافة المكتوبة وفي التلفزة. تدير حاليًّا "فناء الشعر"، وهي مبادرة مستقلّة أسّستها عام 2017. تكتب في عدد من المنابر العربيّة.

 

 

تعليقات Facebook