في حضن موجةٍ تعودْ

أيمن صفيّة (1991 - 2020)

 

ماذا تفعل مع الأسماك هناك؟
هل تصمّم لها رقصةً صوفيّةً في دوائرَ من الموج؟
من أسفل العتمة إلى أعلى الزرقة؟
أم هي حوريّةٌ كانت تبحث عن بسمةٍ طوال الشتاء،
فلمّا رأت فرحكَ أخذتك لتغيظ بك الأخريات؟

في بروكسل،
منك ومن أصحابك،
عرفت للأقدام معانيَ أخرى،
أنّها شيءٌ غير المشي والوقوف والركض والقفز،
وأنّك حين تتمرّد على الجاذبيّة وتُخْلِصُ إليها معًا،
وتسبح في الهواء حتّى طرف الغرق،
راقصًا ستكون

لقد صار ما قبل الحَجْر بعده،
وبعده كان علينا أن نهزّ كثيرًا في إِكْسارْخْيا وجازي،
على الأسطح وفي الأقبية،
بعد شمسٍ تسيح على بيوت أثينا من تلّة الأكروبوليس،
وكان أبناء المدينة سيرسلون إلى تيربسيكوري بأمرك،
وكانت سترسل إليك من قيثارتها لحنًا، تدعوك فيه إليها،
وهناك، في الأوليمب، حيث أخواتها ربّات الإلهام الثماني الأخريات، وأبوهنّ زيوس،
كنتَ ستسألها عن معنى اسمها، فتقول لك إنّه "السرور النابع من الرقص ومتعته"،
وكانت ستسألك عن الأرض الّتي جئت منها، وناسها، فتحكي لها عن لقاءك الأوّل ببعل مرقودي في كفر برعم، حيث أَفْزَعْتَهُ بطربوشك الأحمر وأفزعك، بينما كان يجمع آثار أقدام الراحلين عن أدراج بيوتهم وحجارة ساحاتهم وأسوارهم، ليصنع منها رقصةً كنعانيّةً يقدّمها هديّةً لحجّاج معبده في بَعْلَبَكْ...
ألم تقل دومًا إنّك تتمنّى لو تزور لبنان، وأنّ قرطاج كانت لك شيئًا غير الأشياء كلّها؟

ماذا سأقول لعيون لاجئين هاربين من بلادٍ حَرَمَتْهم أن يكونوا ما يشاؤون، هويّةً ورغبات،
فانفلتت على أجسادهم لأنّها لا تريد أن تكون مثل أجساد الآخرين،
ماذا أقول عن "الراقص اللّي من فلسطين زيّ ريما"،
الّذي سيأتي ليدرّبهم بعد أن تفتح المطارات؟
كيف سأشرح لهم أنّ البحر الّذي سمح لهم بالعبور صدفةً
أحبّك أكثر ممّا ينبغي
وأنّك الآن، في علوّه وهبوطه، ترقص رقصتك الأطول
بينما عيونٌ تنظر إليه،
فتزيد ملوحته من دمعها المصبوب فيه؟

هل حقًّا كان آخر كلامنا عن خوفٍ من الماء،
وأنّ الغرق الحقيقيّ والأصعب يكون بعد بلوغ الشواطئ،
حيث قيعان المدينة الحامضة؟
وأنّك تؤمن بالحلاوة الّتي يمكن لجنون الجسد رسمها في مرارة الألسنة والشفاه؟

كيف سنشرح لحيفا أنّ واحدةً من أجمل فراشاتها طارت أبعد ممّا ينبغي
وأنّ جناحيها يحلّان الآن في جسد غيمةٍ أو نجمةٍ
تسبح فوق بقايا قلعة "فرسان الهيكل" في
عتليت؟

كيف سنشرح لحبٍّ فاض في كفرياسيف، بدورًا
أنّ الأبيض الّذي جَعَلَتْه فيكَ، فجعلتَ عليه نفسكَ
يغفو الآنَ في المحارِ
ويصحو في فسيح المجرّات؟

كيف سنفسّر لإحدى عشرة وردةً
نفختَ في أنوثتهنّ نارًا بين عالمين،
فصرتَ لهنّ يوسفًا، وصرن لنا رؤيا
أنّ قصصنا الأحسن
قد تكون خواتيمها
مُفْجِعَةً ومُطْلَقَة؟

وَعَدْتُكَ بالنصِّ
ووَعَدْتَني بالرقصِ
لتكون اللغة ثالثةً، ورابعةً، وتاسعة
فاعذر تأخّري

وها أنا يا حبيبي
أناديكَ كي لا تطيل الغياب في الرقصةِ
وتعودْ
في حضن موجةٍ
تعودْ
إلى برٍّ لو ترى
كم يملؤه
حبّكْ

 

 

علي مواسي

 

 

كاتب وباحث. يعمل محرّرًا لفُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة، بالإضافة إلى تحرير إصدارات مؤسّساتيّة وخاصّة، وتدريب مجموعات، وتدريس اللغة العربيّة وآدابها. ينشط ثقافيًّا وسياسيًّا في عدد من الأطر والمبادرات. له مجموعة شعريّة بعنوان "لولا أنّ التفّاحة" (الأهليّة، 2016)، وكتاب من تحريره بعنوان "الثقافيّة الفلسطينيّة في أراضي 48" (مدار، 2018).

 

 

تعليقات Facebook