جان دوست: لم أتأثّر ببلد مثلما تأثّرت بفلسطين | حوار

الأديب الكرديّ جان دوست

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

في تمّوز (يوليو) من العام الماضي، زار الكاتب الكرديّ السوريّ جان دوست فلسطين المحتلّة، لحضور فعاليّات "الملتقى الثاني للرواية العربيّة"، كانت هي الأولى له إلى أرضٍ لطالما حلم بزيارتها، فيقول إثرها: "فلسطين الخيال كانت شيئًا، وفلسطين الواقع كانت شيئًا آخر".

وجان شاعر وقاصّ وروائيّ ومترجم كرديّ سوريّ، من مواليد بلدة كوباني (عين العرب) بريف حلب عام 1965، ويُعَدُّ من أبرز الأسماء الأدبيّة في المشهد الثقافيّ الكرديّ السوريّ في العقدين الأخيرين، وهو يقيم منذ عام 2000 في ألمانيا. صدر له مجموعات شعريّة عدّة، وعشر روايات بعضها صدر باللغة الكرديّة وبعضها بالعربيّة، فضلًا على بحوث وترجمات عديدة. ومن أشهر ترجماته، ترجمته لـ "مم وزين"، الّتي تُعَدّ أشهر قصص الحبّ في التراث الكرديّ.

وكان أن حاز جوائز مهمّة، منها: "جائزة القصّة الكرديّة القصيرة" في سوريا عام 1993، و"جائزة الشعر" عن "مهرجان الشعر الكرديّ" في ألمانيا عام 2012، و"جائزة الكتاب الشرقيّ" عن ترجمته لقصص كرديّة، جُمِعَتْ في كتاب صدر بعنوان "رماد النجوم" عام 2013، وهي الجائزة الّتي أعلنتها مجلّة "دمشق" الصادرة في لندن عن الكتاب ذاته، وعام 2014 حاز "الجائزة الذهبيّة" في "مهرجان گلاویژ"، الّذي يُقام سنويًّا في مدينة السليمانيّة (إقليم كردستان العراق)، عن مجمل عمله الإبداعيّ.

في حوار مع فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، يتحدّث جان عن انطباعاته عن زيارته مدن رام الله، وبيت لحم، والقدس، وما تركته من أثر عميق في وجدانه. وقد نحا حوارنا معه، نحو التطرّق إلى إعادة اشتغاله بعد مرور قرن من الزمان، على القاموس العربيّ الكرديّ الموسوم بـ "الهديّة الحميديّة في اللغة الكرديّة"، الّذي وضعه العلّامة المقدسيّ يوسف ضياء الدين باشا الخالدي، في نهاية القرن التاسع عشر، وإلى زيارته التاريخيّة إلى "المكتبة الخالديّة" في المدينة المقدّسة، للمشاركة في ندوة خاصّة إحياءً لذكرى يوسف ضياء الدين باشا، واحتفاءً بطبعة القاموس الجديدة.

 

فُسْحَة: زرتَ فلسطين لأوّل مرّة في حياتك في شهر تمّوز (يوليو) 2019؛ حدّثنا عن الانطباعات الأولى الّتي شعرت بها لحظة وطِئت قدماك الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة.

جان: عاشت فلسطين في وجداننا، بأشعارها ومقاومة أبنائها قبل أن نراها. تعرّفنا القضيّة الفلسطينيّة ونحن أطفال على مقاعد الدرس. عشنا النكبة ورافقنا المنكوبين في تغريبتهم المرّة، وهم يحملون مفاتيح دورهم أملًا في عودة قديمة إلى بيوتهم وبيّاراتهم، لإكمال جني الزيتون والبرتقال وعقد الدبكة الفلسطينيّة البهيجة فرحًا بهبات الأرض. عشنا الهمّ الفلسطينيّ في الشتات، رأينا استغلال بعض الحكومات العربيّة لهذه القضيّة الإنسانيّة، وبكينا بصدق على ضحايا المجازر، وما أكثرها في تاريخ الفلسطينيّين. لكنّ فلسطين الخيال كانت شيئًا وفلسطين الواقع كانت شيئًا آخر.

إنّ أوّل ما لفت نظري المستوطنات المبنيّة على مرتفعات تطلّ على البلدات الفلسطينيّة، شعرت بها ثقيلة غريبة شاذّة يحيط بها الرعب، رعب سكّانها من سطوة الحقّ؛ لذلك كانت مسيّجة بالأسلاك الشائكة والجدران الأسمنتيّة، منفيّة إلى مرتفعات وكأنّها أرانب مذعورة. غمرني شعور خليط من الحزن والبهجة وأنا أتنفّس هواء فلسطين. شعرت به هواء حزينًا يشكو بحرقة. عانقت التاريخ في أزقّة رام الله، لامست أثر الفراشات في الأفق، شممت رائحة زهر الليمون يعطّر الأجواء، سمعت شهقة المسيح في بيت لحم إذ ولدته أمّه في المغارة، وأصغيت السمع جيّدًا لوقع أنّات المسيح على الصليب، وتناهت إلى أذنيّ صيحات صلاح الدين الأيّوبيّ وهو يساوي صفوف الجند في المعارك، ثمّ يساوي صفوف المصلّين في المسجد الأقصى. في القدس كدت أبكي من التأثّر حين وقفت أتأمّل قبّة الصخرة تقبّلها الشمس فتبدو مثل زرّ ذهبيّ سقط من معطف الربّ في الأعالي. لم تكن القدس غريبة عليّ، التقيتها كأنّني ألتقي شخصًا بيني وبينه سابق معرفة. شممت عطر التاريخ من حجارتها، وأسواقها، على الرغم من زيارتي القصيرة الخاطفة لها. للقدس رهبة المقدّس وسطوته وحميميّة الأمّ الحنون. أحببت كلّ بقعة مررتُ بها، ولا أبالغ حين أقول إنّني زرت أماكن كثيرة من العالم، لكن لم أتأثّر بأيّ مكان كما تأثّرت بالقدس وبيت لحم ورام الله، هذه المدن تخاطب الإنسان، تلامس أعماق الوجدان، كلّ بقعة منها تناديك بألف لسان ولسان لتحكي لك حكاية ما.

زرت المخيّمات، مخيّم الدهيشة والأمعري مثلًا، وتعرّفت صعوبة العيش منفيًّا عن أرضك وأنت على أرضك. قرأت الغضب في كلّ عينين التقيتهما، وعرفت معنى التحدّي وأنا أزور مع وفد الكتّاب أمّهات الأسرى وأهاليهم ومتاحف الفنّ والأدب والسياسة.

الشيء الوحيد الّذي أساء إلى المشهد الجميل هو صدّام حسين، ولست في حاجة إلى سرد تفاصيل ما جرى. باختصار أقول: الغريق يتعلّق بقشّة، وللأسف المتاجرة بفلسطين وقضيّتها عبر شعارات طنّانة وبعض المعونات نجحت، وانطلت الحيلة على الجماهير وحتّى على القيادات.

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

فُسْحَة: في أثناء زيارتك إلى القدس، زرت "المكتبة الخالديّة"؛ اروِ لنا تفاصيل ذلك اللقاء بالجمهور المقدسيّ في رحاب المكتبة.

جان: لهذه الزيارة قصّة طويلة، مختصرها أنّني، ومنذ مدّة طويلة، كنت أرغب في إعادة طبع قاموس "الهديّة الحميديّة في اللغة الكرديّة"، الّذي ألّفه السياسيّ والأديب الفلسطينيّ المقدسيّ يوسف ضياء الدين باشا الخالدي. كان هذا القاموس المهمّ الّذي طُبِعَ نهاية القرن التاسع عشر في إسطنبول، يعاني من مشكلات عويصة، منها سوء الطباعة وسوء صفّ الأحرف. وكان الدكتور محمّد مكري - رحمه الله- قد طبعه في باريس، في سبعينات القرن الماضي، فأساء إلى القاموس إساءة كبيرة؛ إذ لم يعمد إلى تخريجه وتصحيحه بل أبقاه على شكله القديم بكلّ نواقصه، وفوق ذلك حذف المقدّمة المهمّة الّتي كتبها يوسف باشا الخالدي عن قواعد اللغة الكرديّة، كما حذف الخاتمة الّتي ضمّت شرحًا لبعض القصائد الكرديّة، وتقريظات أدباء العصر للقاموس وبعض النتاجات الكرديّة. ورأيت أنّ من الضروريّ أن يخرج القاموس مرّة أخرى إلى النور، بشكل يناسب العصر، ويليق بصاحب القاموس الّذي أراد الخير للشعب الكرديّ، حين عاش بينهم ووجد أنّهم يفتقرون إلى قاموس يضمّ مفردات لغتهم.

لنأتِ إلى موضوع الزيارة.

بعد تواصلي مع العائلة الخالديّة الكريمة؛ إذ دلّني إليها أصدقاء ذكرت أسماءهم في مقدّمة القاموس، اتّفقنا على عمل ندوة في القدس إحياءً لذكرى يوسف ضياء الدين باشا، واحتفاءً بالطبعة الجديدة، لكنّ الظروف حالت بيني وذلك إلى أن سنحت لي الفرصة في زيارة فلسطين، لحضور "ملتقى الرواية العربيّة الثاني". اتّفقت مع د. رجا الخالدي ود. امتياز دياب على تفاصيل الندوة، وتكرّمت د. ريم غنايم بتقديمي في الندوة.

وعُقِدَت الندوة الّتي حضرها جمهور مقدسيّ مهتمّ، وألقى الدكتور عاصم الخالدي كلمة مؤثّرة. للأسف لم أتمكّن من أخذ كمّيّات كبيرة من القاموس لأوزّعها على الحضور، لكنّني أخذت ما طلبه منّي الدكتور وليد الخالدي لأجل وضع بعض النسخ في "المكتبة الخالديّة". هناك شعرت بعمق الأخوّة التاريخيّة بين الشعبين الكرديّ والفلسطينيّ اللذين يجمعهما أكثر من علاقة تاريخيّة ومعرفيّة. وبدأت كلمتي بجملة أُعْجِبَ بها الجمهور؛ يقول محمود درويش: "ليس للكرديّ إلّا الريح"، وأنا أقول: "لا يا محمود، للكرديّ شعب فلسطين ومحبّتهم أيضًا، للكرديّ أحرار العالم كلّه".

حاولت أن أستغلّ فرصة إعادة طباعة القاموس، لتصحيح هذه العلاقة الّتي شابها قليل من التوتّر، على خلفيّة الأحداث السياسيّة الكبيرة الّتي جرت في منطقتنا. لاحظت مدى الفتور الجماهيريّ لدى الفريقين اللذين يكيل أحدهما اتّهامات مجحفة بحقّ الآخر، وآمل أن أرى في المستقبل ثمرة هذا الجهد في تصفية الأجواء.

 

فُسْحَة: كيف تقيّم تجربتك مع هذا العمل المعجميّ والإقبال عليه من قِبَل أبناء الشعبين الكرديّ والفلسطينيّ؟ وكيف استقبلته المؤسّسات الثقافيّة الفلسطينيّة؟

جان: احتفى الفلسطينيّون بالعمل كثمرة معرفة مهمّة أهداها أحد أبناء شعب فلسطين إلى إخوانه الكرد، وصارت مناسبة ليتذكّر بعض الّذين نسوا أمرنا أنّ لهم إخوة في هذه الجغرافيا، يشاركونهم كثيرًا من الهموم. أمّا الكرد فقد احتفوا به عن طريق اقتنائه للاستفادة منه.

 

فُسْحَة: أخيرًا، ما الّذي تعكف على كتابته في الوقت الحاليّ؟

جان: لا بدّ من أن أدوّن انطباعاتي عن زيارتي التاريخيّة. كانت زيارة مؤثّرة، ولا ينبغي أن أعاملها كأيّ زيارة سياحيّة أخرى... زرت عوامّ وحواضر رائعة الجمال، هنا في أوروبّا وكذلك في بلاد المشرق، لكنّني لم أتأثّر بأيّ بلد كما تأثّرت بفلسطين. مدينتان أثّرتا فيّ سابقًا تأثيرًا عميقًا، ونتج عن زيارتي إيّاهما روايتان مهمّتان هما "مهاباد وطن من ضباب" و"ميرنامه".

المدينة الأولى كانت "مهاباد"، عاصمة أوّل جمهوريّة كرديّة في العصر الحديث، و"بايزيد" حيث دُفن أحمد الخاني مؤلّف "مم وزين"، أعظم أثر أدبيّ كرديّ.

كذلك الحال خلال زيارتي أرض فلسطين الحبيبة، هاجت أشجاني وكنت ثملًا بالأماكن الّتي أمرّ بها وأنا أستحضر تاريخًا رائعًا، قصصًا وحكايات كثيرة يجب أن تُدَوَّن. نعم، سأكتب حكايتي في فلسطين.

أمّا كتابي الّذي أنكبّ عليه حاليًّا بالترجمة فهو "حكايات من بلاد الكرد"، قصص وحكايات من التاريخ الكرديّ تستحقّ أن يقرأها القارئ العربيّ والكرديّ، أقضي أيّامي بترجمتها من الكرديّة، وأزجي بها وقتي في عزلتي الكورونيّة.

 

 

أوس يعقوب

 

صحافيّ وباحث فلسطينيّ من مواليد دمشق، يتخصّص في الشؤون الفلسطينيّة والصهيونيّة. درس الصحافة وعلوم الأخبار في جامعة تونس، ويعمل مراسلًا صحافيًّا ومحرّرًا في عدد من المنابر العربيّة منذ عام 1993. له عدّة إصدارات، من ضمنها دراسات منشورة في 'أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين' الصادرة عن المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو).

 

 

تعليقات Facebook