لعنة الحبر

إيما ليرسون

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

انسابت القطرات الكثيفة بهدوء، قطرةً قطرة، كلٌّ منها فيه عوالم مختلفة من الكلمات الّتي قد تُكْتَب، لكنّه تركها تقطر دون أن يُعنى بها. لطالما كان هذا السائل عالمه، لكنّه اتّخذ قراره اليوم بمغادرة هذا العالم نحو اللامكان... اتّخذ قرارًا حاسمًا بترك الكتابة إلى الأبد.

جلس في زاوية الغرفة عاجزًا مخذولًا، بينما يراقب الكتاب أمامه يغرق بالسائل، عنوانه يشعّ بالأبيض الّذي يتلطّخ بالبقع، يعاتبه ويؤنّبه بصمت. لمّا يفهم بعدُ السبب الّذي جعل والده يمنعه من أن يلمس كتابًا خاليًا! لم يتجرّأ يومًا على الكتابة في صفحاته الفارغة، فقد كان يشعر بطريقة ما بأنّه حَيّ، كان يسمع في بعض الأحيان أنفاسًا عميقة تصدر من بين أوراقه. عنوانه لا يزال لغزًا بالنسبة إليه، وقد بات يؤمن بأنّ كلمة "حبر" ليست سوى اختصار لـ "حياة بلا رحمة". تكوّر على نفسه في الزاوية، نكش شعره الّذي طال دون أن يلاحظه، وغفا في مكانه بينما لا يزال قلقًا من أن يبتلعه الحبر.

أصوات مزعجة وضوء قويّ جعلته يستيقظ مرغمًا. صداع غريب ينخر ويرتدّ في رأسه. مَنْ هذا المتطفّل الّذي اقتحم شقّته؟

لم يكلّف نفسه عناء الاستيقاظ، فليس ثمّة ما يُقَدَّر بقيمة ليُسْرَقَ منه، لكنّه فوجئ بركلة قويّة تصيب جانبه الأيسر ليستيقظ فزعًا. لم يكن المكان مألوفًا، فبدلًا من شقّته البالية، وجد نفسه في غرفة رماديّة صغيرة تَحُفُّها القضبان. توجّه ببصره نحو المزعج الّذي أيقظه، كان رجلًا طويلًا مفتول الساعدين ومن الواضح من مظهره أنّه حارس الزنزانة. ما الّذي فعله ليُجَرَّ إلى السجن؟

"لقد قلت لك انهض أيّها الوغد الكسلان! ستتوجّه إلى المحكمة وإلّا فستُسْجَن طيلة عمرك دون أن تملك الحقّ بالتكلّم!". صرخ الحارس... تبعه مذعورًا ومصعوقًا.

اقتيدَ نحو السيّارة مرغمًا، لم تكن سيّارة عاديّة، لم تكن المباني والساحات طبيعيّة هي الأخرى، غَصَّ بِريقِهِ وتردّدت خطاه... فها هو يُدْرِكُ بأنّه في عالم ورقيّ بالكامل!

دخل المحكمة واثقًا، لم يكن السجن يهمّه؛ فهو على أيّ حال مسجون بأفكاره المتضادّة، عواصف مشاعره المتضاربة، حياته البائسة. جلس إلى جانب المحامي، كان ذا شعر غزير طويل، وعينين خضراوين برموش طويلة، وشاربين كثّين.

الطرقة الأولى: هدوء... بدأت المحكمة.

تقدّم المدّعي ليعلن التهم الموجّهة إليه، وقف منتصبًا برأس شامخ وقال بصوت عميق واضح: "سيّدي القاضي، ورد إلى عِلْمِنا بعض المخالفات الّتي قام بها المتّهم أدهم، وقد كان من الواجب علينا نحن حرّاس المملكة أن نوجّهه ليُحاكَم مباشرة. المتّهم قام بجريمتين عظيمتين لا يمكن أن يُغْفَرَ لهما، جريمته الأولى جريمة إتلاف كتاب قديم موروث منذ أجيال!".

سُمِعَتْ بعض الشهقات من الحضور وتطايرت الشتائم من بعض الألسن.

الطرقة الثانية: صمت آخر... وحركة طفيفة.

أتبع المدّعي كلامه ولا يزال واقفًا دون حراك: "أضف إلى ذلك سيّدي القاضي أنّ المتّهم قد قرّر ترك الكتابة، ليصبح جاهلًا في مملكتنا العلميّة!".

تعالت الشهقات أعلى من سابقتها، وتدافع بعض الموجودين يلقون كلّ ما تطوله أيديهم إلى ظهره.

الطرقة الثالثة: قرار القدر...

كان صوته قد تلاشى تمامًا، حاول الحديث عندما سُمِحَ له، لكنّ صوته بقي عالقًا بين شفتيه. وقف القاضي ليُعْلِنَ الحكم النهائيّ. قال بصوت ارتجّت له جدران القاعة: "أُعْلِنُ أنّ جرائم المتّهم أدهم جرائم لا تُغْتَفَر! وسيُحْكَمُ عليه بالإعدام لتُصَفّى دماؤه وتُسْتَخْدَم حبرًا لكتّاب المملكة جميعًا".

الطرقة الرابعة: رُفِعَتِ الجلسة...

لم يكن يدرك شيئًا ممّا يحصل، اجْتُرّ في الشوارع بين الناس بينما يتلقّى وابلًا من الشتائم، صعد إلى المنصّة حيث سَيُعْدَم علنًا، اقترب السيّاف منه، استلّ سيفه وراقبه يلمع قريبًا من عنقه، أغمض عينيه مترقّبًا، لم يشعر بنفسه إلّا وقد ضحك ملء شِدْقَيْه...

كاد ذلك السيف ينتزع رأسه من مكانه، قبل أن يسمع صوتًا مألوفًا، صوت صفحةٍ تُقْلَب في مكان ما...
فتح عينيه ليعثر على نفسه في شقّته مرّة أخرى، كان كابوسًا، ليس أكثر. نظر إلى الكتاب نظرة فاحصة قبل أن يُقَرِّرَ وضع حدٍّ لكلّ شيء.

راح كلّ شيءٍ يشتعل، وكانت النهاية رمادًا فقط. لكنّ الرماد راح يتجمّع مجدّدًا، ويصبح كتابًا مرّة أخرى. بدأت الكلمات بالظهور شيئًا فشيئًا، تكتب نفسها بنفسها، ثمّ أُغْلِقَ الكتاب بعد أن امتلأ بالحروف، ليُضاف إلى رفوف مكتبة العالم. مَنْ يدري إن كان ثمّة مَنْ سيقرؤه؟

لكنّ كتابًا يحمل روح أدهم في داخله يستقرّ هناك، ورغم الغبار الّذي اعتلاه، إلّا أنّ أنفاسه لا تزال تُسْمَعُ بوضوح، وعنوانه لا يزال يشعّ... يشعّ بكلمات بسيطة مخيفة: "لعنة الحِبْر"!

 

 

* قصّة فائزة بجائزة "القصّة القصيرة لطلّاب المدراس - المرحلة الإعداديّة" (2019/ 2020)، الّتي تُنَظّمها جمعيّة الثقافة العربيّة، وهي تُنْشَر ضمن ملفّ خاصّ بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

للاطّلاع على بيان لجنة التحكيم الخاصّ بالمسابقة، ومسوّغات فوز هذه القصّة.

 

 

رؤى عياشي

 

 

 

14 عامًا، الصفّ التاسع، من بلدة كابول الفلسطينيّة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook