مغامرة في القبو

GrandFailure

 

يرنّ جرس المنبّه معلنًا بداية يوم جديد، فيظهر حكيم من بين ركام الكتب، حيث قضى ليلته هناك كالعادة. 
يقف متوعّكًا، يتوجّه ممسكًا بظهره نحو الحمّام، ثمّ يخرج منه بعد وقت قصير ليرتدي ثيابه. ..يضع بعض الكتب في حقيبته، يمسك واحدًا منها في يده، ثمّ يغلق الغرفة بإحكام، ويجلس لتناول فطوره وهو يطالع في الكتاب، وبعد فراغه من الفطور يتّجه نحو مدخل البيت لينتعل حذاءه ويحمل حقيبته، ثمّ ينطلق في اتّجاه المدرسة. وطوال الطريق، لا يفارق نظره أوراق الكتاب الّذي بين يديه.

يصل إلى بوّابة المدرسة، يصادف رفاقه، فيهمس أحدهم بأمرٍ ما، ويضحك الآخرون.

يرفع حكيم يده ملوّحًا: مرحبًا يا رفاق... صباح الخير.

يردّون: أهلًا حكيم... صباح النور.

ثمّ يكمل طريقه ويدلف إلى المدرسة وعيناه لا تفارقان صفحات الكتاب.

***

فتانا حكيم مُهَوَّس بالكتب، يقضي جلّ أوقاته يقلّب أوراقها، ويبحث بين سطورها عن الجديد والمفيد ليروي عطشه. لا يكاد يسمع بعنوان لمؤلَّف جديد أو قديم حتّى يبادر إلى اقتنائه وقراءته، لذلك هو دائم الوجود في المكتبات، يبحث في هذا الرواق، أو يرتقي السلّم ليصل إلى ذلك الرفّ، حتّى أطلق عليه رفاقه لقب "دودة الكتب"، وهذا ما همس به أحدهم فضحكوا لدى وصوله المدرسة.

في إحدى المرّات، كان حكيم يبحث بين أروقة المكتبة عن عنوان جديد، وقد بذل في ذلك وقتًا وجهدًا كبيرين، حتّى يئس من إيجاده فتوجّه نحو صاحب المكتبة، العمّ وديع، وطلب منه المساعدة.

أدخل العمّ وديع بيانات الكتاب في جهاز الحاسوب، وبعد ثوانٍ قليلة نظر إلى حكيم من فوق نظّارته، وقال : "هذا الكتاب قديم جدًّا! لم نعد نتوفّر عليه في مكتبتنا!".

ثمّ صمت العمّ وديع برهة يفكّر، وأردف: "يمكنك أن تبحث عنه في القبو، فقد تجد نسخة قديمة هناك!".

أسرع حكيم ونزل درج القبو، فإذ به مكان متكوّم ممتلئ بالكتب القديمة الّتي علاها الغبار، لكنّه لم يهتمّ وأقبل يبحث بينها بعناية، واستغرق في ذلك وقتًا طويلًا، حتّى وجد ضالّته. ثمّ جلس على مقعد قديم يقرأ الكتاب غير آبه بما حوله.

كان الكتاب رواية تاريخيّة تحكي أحداثًا قديمة دارت في عهد الرومان... استغرق في القراءة بشغف حتّى نسي الوقت. أمّا بالنسبة إلى العمّ وديع، فقد نسي تمامًا هو الآخر أمر حكيم، وحان موعد إغلاق المكتبة، فأقفل الأبواب وعاد إلى بيته تاركًا حكيمًا في القبو، حيث بقي منغمسًا في قراءة الكتاب حتّى غلبه النوم كالعادة.

***

فتح حكيم عينيه فوجد نفسه في ظلام دامس، تحسّس المكان ليشعل النور، فلم يجد سوى مشعل معلّق على الحائط، بحث في جيبه عن علبة كبريت كان يحتفظ بها، فأضاء المشعل ثمّ تلفّت حوله فتعجّب من غرابة المكان؛ لقد كان القبو مبنيًّا بالحجارة على الطراز القديم. تفحّص المكان جيّدًا باحثًا عن منفذ للخروج، فهلع حين اكتشف أنّه مسجون داخل زنزانة تحت الأرض.

سمع بعد قليل صريرًا وأصوات أشخاص قادمين، ثمّ فُتِحَ قفل الباب الحديديّ للزنزانة، ودخل رجلان يرتديان  درعين حديديّين يشبهان ما كان يرتديه الجنود قديمًا، ثمّ اقتاداه غير مباليَيْن بأسئلته واستفساراته.

وصل الجنديّان ومعهما حكيم إلى ساحة كبيرة، تجمّعت حولها أعداد غفيرة من الناس، ثمّ أحكما وثاقه إلى أحد الأعمدة وانصرفا.

بعد قليل حضر أشخاص يبدو عليهم أنّهم قضاة، وراحوا يتجهّزون لعقد مجلس من نوع ما. كانت الأصوات عالية والجميع يطالب ببدء المحاكمة بسرعة، فتكلّم رئيس القضاة وقال :

- حكيم، أنت مُدان بجريمة خطيرة يا فتى. لقد ألقى الجنود القبض عليك بتهمة نشر كتب الفكر اليونانيّ الحديث، وذلك ممنوع في بلادنا كما يعرف الجميع، والقانون يعاقب على ذلك بالإلقاء في عرين الأسود!

فزع حكيم من كلام رئيس القضاة، وصاح قائلًا:

- أنا لا أعرف هذا الفكر وهذه الكتب الّتي تتحدّث عنها، ولا دليل على ما تتّهمونني به!

فردّ القاضي: لقد وجد الجنود بحوزتك هذا الكتاب، فهل تنكر؟

نظر حكيم إلى ما بيد القاضي فوجد الكتاب القديم الّذي كان يقرأ فيه، فقال بتعجّب:

- لكنّها رواية فحسب، وليس فيها ما يخالف القوانين!

- لا تسمح القوانين بإدخال الكتب اليونانيّة الحديثة إلى البلاد، مهما كان موضوعها، وها أنت تعترف بالمنسوب إليك! لذا، فأنا أوْقِعُ عليك الحكم، ودون مراجعة، حفاظًا على مصلحة روما العظمى، وسيُطَبَّق الحكم بعد أيّام، فاستعدّ لذلك!

بعد ذلك أحاط به الجنديّان وعادا به إلى الزنزانة.

مضت الأيّام بطيئة جدًّا على حكيم، والقيود الثقيلة تكبّله وتمنعه من الحركة، والفزع والخوف يكادان يحطّمان قلبه، ولم يجد حلًّا لمعضلته سوى الصلاة والدعاء.

في أحد الصباحات سمع جلبة كبيرة، ثمّ رأى جنودًا كثيرين يقتحمون عليه الزنزانة ويفكّون وثاقه لاقتياده معهم. حاول حكيم مقاومتهم بكلّ ما أُوتِيَ من قوّة، لكنّهم كانوا أقوى منه كثيرًا.

وصل به الجنود إلى الساحة، فانخلع قلبه حين رأى أسدًا ضخمًا يزأر بقوّة داخل قفص كبير. حاول بكلّ السبل واللغات التوسّل إلى الجنود كي يطلقوا سراحه أو يعيدوه إلى الزنزانة على الأقلّ، حتّى لو أمضى فيها بقيّة حياته، لكن لا حياة لمَنْ تنادي، ولم تعد رجلاه تقويان على حمله، وخارت قواه كلّها، فجرّه الجنود حتّى توسّطوا به الساحة، وفكّوا قيوده، وتوجّه آخرون إلى قفص الأسد لفتحه، فكاد حكيم يفقد عقله من الخوف، فأغمض عينيه بقوّة ووضع يديه على أذنيه وبقي يدعو ويتضرّع بصوت عالٍ.

أحسّ بالجنود يحيطون به من جديد، وسمع أحدهم يقول له:

-  ما بك يا فتى؟ اهدأ، لا تخف!

-  وكيف لا أخاف وأنت تفعل بي هذا؟

-  إنّني أعتذر إليك يا حكيم... لقد نسيتك تمامًا!

فتح حكيم عينيه، فكان العمّ وديع يقف بجانبه ويهزّه ليستيقظ، فحمد الله كثيرًا وعانقه بقوّة... لم يفهم العمّ وديع سبب فرح حكيم؛ فقد كان يتوقّع أن يجده غاضبًا منه.

- إنّني أعتذر إليك بشدّة يا حكيم، لقد نسيت أمرك تمامًا ولم أتذكّر إلّا حين وصلت منزلي، فعدت أركض إليك. اعذرني يا ولدي!

-  لا بأس يا عمّ، فأنا مَنْ يجب أن يشكرك، لقد أنقذتني من موت مُحَقَّق!

-  لا تبالغ كثيرًا يا حكيم، فما كنت لتموت بسبب بقائك هنا ساعتين من الزمن!

-  ساعتين! هل قضيت كلّ هذه الأيّام الطويلة والأهوال العظام في ساعتين؟

-  ماذا تقول؟ إنّك تبالغ كثيرًا جدًّا!

-  لا بأس... المهمّ أنّني قد نجوت الآن!

ثمّ توجّه حكيم مسرعًا نحو الدرج ليصعد من القبو، فناداه العمّ وديع:

- هل هذا هو الكتاب الّذي كنت تبحث عنه؟

- آه... نعم...


-  ألن تأخذه معك؟

-  كلّا... لم أعد أرغب فيه... بإمكانك إعادته إلى مكانه!

هزّ العمّ وديع كتفيه بتعجّب... يبدو أنّ البقاء في القبو قد أثّر في عقل هذا الفتى!

-  نعم، يا عمّ! هل قلت شيئًا؟

- هل أنت بخير فعلًا يا بنيّ؟


قهقه حكيم وقال: لا تخف عليّ يا عمّ! فأنا بخير ولم أُجنّ! عليّ أن أعود إلى البيت بسرعة... لا شكّ في أنّ أهلي قلقون عليّ... طاب مساؤك!

خرج حكيم من المكتبة وأطلق ساقيه للريح يعدو في اتّجاه بيته. أمّا في أمر ما حدث، فقد فضّل أن يحتفظ به لنفسه ولم يبح به لأحد. لكنّه بعد ذلك اليوم، لم يعد يسهر على قراءة الكتب حتّى يغلبه النوم، بل صار يأوي إلى فراشه باكرًا، وخصّص للمطالعة وقتًا محدّدًا في كلّ يوم، وبقي سرّ ذلك اليوم وتلك المغامرة العجيبة في مخيّلته، يبتسم كلّما تذكّرها!

 

 

* قصّة فائزة بجائزة "القصّة القصيرة لطلّاب المدراس - المرحلة الإعداديّة" (2019/ 2020)، الّتي تُنَظّمها جمعيّة الثقافة العربيّة، وهي تُنْشَر ضمن ملفّ خاصّ بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

للاطّلاع على بيان لجنة التحكيم الخاصّ بالمسابقة، ومسوّغات فوز هذه القصّة.

 

 

شادن الحواري

 

 

 

 13 عامًا، الصفّ التاسع، مدرسة المنهل الدوليّة الخاصّة، الإمارات العربيّة المتّحدة.

 

 

 

تعليقات Facebook