الصورة الأخيرة

كوبي بيريانت


وقف أحمد وسط ملعب كرة السلّة، يخبط بيده الكرة البرتقاليّة أرضًا، وهو يتقدّم خطوة خطوة نحو المرمى، وخلال ذلك يراوغ مهاجمي الفريق الخصم، ثمّ يتجمّع مدافعو الفريق الخصم أمام مرماهم ليقطعوا عليه تقدّمه ويُحبطوا انطلاقه، لكنّه يصوّب الكرة من بعيد فتنطلق كالقذيفة نحو الشبكة، ثمّ تهزّها هزًّا، إنّه يسجّل ثلاث نقاط كاملة.

يبلغ أحمد من عمره أربعة عشر عامًا، يتعلّم معي في نفس الصفّ، الثامن 2، يتميّز بمزايا جسمانيّة مهمّة، فهو ذو رِجلين طويلتين جدًّا، وجسم ضخم، يبدو ساعداه مفتولين لاكتنازهما بالعضلات، وبسبب ضخامة جسمه يبدو كأنّه رجل بالغ في سنّ الخامسة والعشرين، لولا وجهه الّذي يشعّ بالبراءة، الّذي يذكّر كلّ مَنْ يراه بأنّه لا يزال صبيًّا في الصفّ الثامن.

إنّ أحمد مُهَوَّس بلعب كرة السلّة ومحترف فيها أيضًا، يساعده في إتقانها بل في التألّق فيها طول قامته ومتانة جسمه.

هو وحيد والديه، وله عدد محدود من الأصدقاء، رغم أنّه يتمتّع بشعبيّة بين الطلّاب بسبب إنجازاته الّتي تشرّف المدرسة كما يحبّ المدير والمعلّمون أن يعلنوا دائمًا. كنت أنا من بين أصدقائه القلائل، بل أعتقد أنّي أقرب صديق إليه، يصارحني بأحلامه وآماله، ويبوح لي بآلامه. كان له بعض الأصدقاء أيضًا من خارج مدرستنا، وهم زملاؤه في "نادي محترفي كرة السلّة".

كان أحمد لا يحبّ الاختلاط كثيرًا بالطلّاب من الصفوف الأخرى، فهو يحبّ العزلة، وأحسّ أحيانًا أنّه يصعب عليه التعبير عن نفسه، ففي كلامه بعض التأتأة، وطريقة حديثه فيها بطء.

أنا لم أكن دائمًا أفضّل أن أمشي معه وأترك باقي أصدقائي خلال الاستراحات في المدرسة، أو عند عودتي إلى البيت بعد نهاية التعليم؛ فقد كنت أحبّ أن أتمشّى مع أصدقائي الآخرين الّذين تربطني بهم علاقات قويّة، لكنّ أحمد لم يكن يفضّل أن يكون له علاقة قويّة بهم. كان يرتاح إلى التحدّث مع صديق واحد فقط، ولم يكن يشعر بالراحة عند التحدّث مع غير شخص؛ ولهذا السبب كان يفرض عليّ أن أمشي معه وحدي، ويرفض أن يصحبنا أيّ صديق آخر إلّا نادرًا.

رغم أنّي أحبّ أحمد إلّا أنّي لم أكن أجد فيه كلّ ما أحتاج إليه من اهتمام؛ لهذا أنا أعتمد على أصدقائي الآخرين الّذين يشاركونني بعض هواياتي، مثل لعب كرة القدم وألعاب الفيديو. والصراحة أنّي لست من عشّاق كرة السلّة، بل من عشّاق كرة القدم، ورغم ذلك أحرص دائمًا على حضور جميع المباريات الّتي يشارك فيها أحمد، سواء كانت تجري في النادي أو في دوري المدرسة، وذلك لتشجيعه، وكذلك بسبب شفقتي عليه، فمعظم الطلّاب في مدرستي ليسوا مستعدّين لحضور هذه المباريات. أشعر دائمًا بالإثارة والحماسة تجاه فكرة الانتصار على الخصوم، وأجد في المباريات الرياضيّة فرصة للتعبير عن هذه الحماسة، لكن لا أحد من طلّاب المدرسة يتميّز في لعبة كرة القدم الّتي أفضّلها؛ ولهذا لم يكن أمامي إلّا تشجيع أحمد وفريقه لكرة السلّة.

علامات أحمد في المدرسة متدنّية في غالبيّة الموادّ، طبعًا ما عدا الرياضة والتاريخ؛ فهو يمارس لعبته المفضّلة في حصّة الرياضة، أمّا التاريخ فقد كان موضوعًا محبّبًا إلى نفسه، وكان مطّلعًا على بعض الأحداث الّتي ندرسها في حصّة التاريخ. أخبرني مرّة بأنّه يتابع قنوات تاريخيّة وعلميّة لأنّه يشعر بالملل وحده في البيت، فليس له إخوة أو أصدقاء ليخرج ويلعب معهم؛ ولهذا، كثيرًا ما كان يتّصل بي لنخرج لنتمشّى معًا أو نلتقي لنجلس في أحد مقاعد محطّات الباصات في القرية. أحيانًا كنت أرفض الخروج معه لأنّي أحبّ البقاء في البيت وقضاء الوقت على الأجهزة الإلكترونيّة، أو في التحدّث مع إخوتي. ثمّ إنّي كنت أحيانًا أحبّ الخروج مع أصدقائي الآخرين.

والآن، في المباراة النهائيّة الّتي تجمع بين فريق أحمد والفريق الخصم الأقوى في المجموعة، يبذل فريق أحمد جهودًا جبّارة من أجل تحقيق الفوز. وها هو أحمد يتقدّم مجدّدًا ثمّ يطلق الكرة نحو السلّة، وبووووووم يسجّل هدفًا جديدًا ويحصّل ثلاث نقاط إضافيّة! وتستمرّ المباراة الّتي أشرفت على نهايتها، ويحاول الفريق الخصم تسجيل بعض الرميات، إلّا أنّ أحمد اليوم كان خارقًا حقًّا؛ فقد سيطر على الكرة بشكل كبير، واستغلّ فرصًا عدّة حوّل من خلالها هجوم الخصم على فريقه إلى هجمات مرتدّة يقودها هو، ثمّ تنتهي المباراة بفوز ساحق يسجّله فريقه. وجدت نفسي أهتف بين الجمهور ملوّحًا بيديّ "مرحى أحمد... مرحى"! كان الفرح يملأ قلبي... أحسست بطاقة كبيرة تملأ روحي، أشعر بنشوة الفوز.

بعد انتهاء المباراة رأيت عددًا من مشجّعي فريق أحمد عدا المدرّب يتجمّعون حوله ليهنّئوه، كان المدرّب فخورًا به، والحقيقة أنّ الكلّ كان فخورًا به. أمّا أحمد فقد كان مبتسمًا، لكنّه لم يكن يحبّ التحدّث كثيرًا. أحسست أنّه سعيد جدًّا رغم أنّه لا يهتف ولا يقفز فرحًا كأعضاء فريقه، الّذين تعالت هتافاتهم وهم يصرخون فرحًا وفخرًا بفوزهم.

كان في المكان مراسل لأحد مواقع الأخبار الإلكترونيّة، يقف مع مصوّر، وحاول إجراء حوار مع أحمد يسأله فيه عن شعوره بعد أن حقّق الفوز، لكنّه لم يحسن التعبير عن نفسه، فاكتفى بالقول إنّه سعيد؛ ولذلك توجّه المراسل إلى أعضاء فريقه الآخرين، الّذين عبّروا بشكل واضح عن فرحهم بالفوز. وفي النهاية طلب المصوّر التقاط صور عدّة للفريق الفائز، وأتاح الفرصة لمَنْ يرغب من الجمهور في الانضمام إلى بعض الصور. وجدت نفسي أُسْرِع نحوه طالبًا منه أن يلتقط لي صورة برفقة أحمد، وذلك بعد أن رفع كأس الفوز! كذلك طلبت من أحد الحضور أن يلتقط لي بواسطة هاتفي المحمول صورًا عدّة مع أحمد ونحن نحمل الكأس بأيدينا.

أحتفظ بهذه الصور في هاتفي، وأشعر بالفخر كلّما نظرت إليها. لقد كان فوز أحمد مؤثّرًا فيّ، لأنّه يخصّني، وبدأت أشعر بعد هذه المباراة بميل نحو كرة السلّة، صرت أحبّ أن أشاهد مباريات كرة السلّة عبر التلفزيون وشبكة الإنترنت.

هذا الصباح، كان قد مرّ نحو أسبوعين على انتهاء المباراة، تلقّيت رسالة غريبة من أحد طلّاب صفّي يقول فيها إنّ أحمد نُقِلَ إلى المستشفى، ثمّ أرسل طالب آخر يقول إنّ حالة أحمد خطيرة. لم أفهم ماذا حدث له... اتّصلت بأصدقائي لكن لا أحد منهم يعرف ما الّذي حدث لأحمد بالضبط.

لم أتناول فطوري، وغادرت البيت مسرعًا في اتّجاه المدرسة... ما إن وصلت إليها حتّى وجدت الطلّاب متجمّعين في الساحة، والوجوم يسيطر على وجوههم. كان الكلّ صامتًا، لكن سمعت بعض الطلّاب يتهامسون... شعرت بأنّ مصيبة قد حصلت... اقتربت من أحد طلّاب صفّي، وعندما سألته عمّا حدث قال وهو يبكي:
-  أحمد مات.

صعقني الخبر... لم أستوعب ما قاله... سألته مجدّدًا:

-  ماذا تقول؟

فأجاب:

- لقد أصيب أمس بنوبة قلبيّة، نُقِلَ إلى المستشفى وهناك قرّر الأطبّاء وفاته.

لم أتكلّم بشيء... أشعر بأنّي سأنهار...

بعد وقت، أدخلنا المعلّمون إلى الصفوف، وحين جلسنا في مقاعدنا أخذت أنا وطلّاب صفّي نبكي بحرقة، لاحظنا أنّ المعلّمة أيضًا كانت تبكي. في البداية حاولتْ أن تهدّئنا وتتحدّث عمّا جرى، قالت بصوت مرتجف:

- تعلمون يا طلّابي أنّ الموت حقّ علينا جميعًا، وقد اختار الله زميلكم أحمد ليأخذه إليه، إلى جنّته...

ثمّ بكت بكاء شديدًا، ولم تستطع أن تكمل كلامها.

صرت أبكي بشدّة، لم أبك في حياتي مثلما بكيت اليوم... شعرت بحزن شديد... لقد مات البطل الّذي جعلني أشعر بالفخر، لقد مات أحمد الطالب المسالم الّذي حاز على الكأس.

أخرجت هاتفي من جيبي ونظرت إلى الصور الأخيرة الّتي تجمعني بأحمد، ولا سيّما الصورة الّتي جمعتنا ونحن نمسك بالكأس بأيدينا. لم أتمالك نفسي وبكيت بصوت عالٍ. كانت الصورة تمثّل أفضل لحظات الفخر بالنسبة إليّ، اللحظات الّتي شعرت فيها بأنّ الفوز حالف شخصًا يخصّني، لكنّني الآن أبكي لأنّ الموت اختطف شخصًا يخصّني.
أحمد مات، جعل كلّ شخص كان يعرفه كان يعجب به ويحبّه، وهذه قد تكون أفضل ما يمكن أن يحصل عليه إنسان.

 

 

* قصّة فائزة بجائزة "القصّة القصيرة لطلّاب المدراس - المرحلة الإعداديّة" (2019/ 2020)، الّتي تُنَظّمها جمعيّة الثقافة العربيّة، وهي تُنْشَر ضمن ملفّ خاصّ بالتعاون مع فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة.

للاطّلاع على بيان لجنة التحكيم الخاصّ بالمسابقة، ومسوّغات فوز هذه القصّة.

 

 

عمرو كتّاني

 

 

 14 عامًا، الصفّ الثامن، مدرسة الأندلس الإعداديّة، باقة الغربيّة.

 

 

 

 

تعليقات Facebook